القومية:
عرفت الحركة،القومية بانها(الشخصية الجماعية لاية امة ،وهي الواقع
التاريخي واللغوي والثقافي الذي يحوي نتاج ومعطيات التجارب الانسانية
التي خاضتها الجماعة البشرية منذ نشأتها الى ان تبلورت شخصيتها تبلورا
واضحا مميزا،قام على تفاعل عدة روابط مشتركة خاصة بهذه الامة،وان لكل
قومية روابط خاصة وشخصية مميزة)، وتؤكد جميع الوقائع ان فكر القوميين
العرب قد تأثر في بداياته بطروحات قسطنطين زريق وساطع الحصري حول
القومية وكانت مؤلفاتهما تدرس كمادة فكرية في الاجتماعات
التنظيمية.ويمكن اجاز النظرة الى القومية بالقول:ان لا انسانية حقة
بغير قومية حقة ولا قومية حقة بغير محتوى انساني عميق وفي ضوء الحقائق
الاتية:
1 - ان القومية لم تنشأ في القرن الثامن عشر او التاسع عشر او العشرين
كما يقول بعض المفكرين،بل تكونت أسس الوجود القومي لكل جماعة قبل ذلك
بكثير،وماحدث في القرن الثامن عشر وما بعده هو تبلور الشعور القومي
وليس نشوء القومية.
2- ان القومية ليست بدعة اوجدها الاستعمار الحديث كما تقول بعض الحركات
الدينية،فهي اقدم بكثير من الاستعمار الحديث،والاستعمار قد يوجد فكرة
أو تيار،ولكنه لا يستطيع ان يوجد واقعا تاريخيا اجتماعياً،بالاضافة الى
ان لاشيء يخيف الاستعمار كما يخيفه انشار الوعي القومي.
3- ان القومية ليست وضعا او عاطفة أو تيارا اوجدته الطبقات البرجوازية
لاستغلال الشعب كما تقول الماركسية،بل هي واقع تاريخي اجتماعي تكون قبل
اختراع الالة وحدوث الانقلاب الصناعي في اوربا وظهور ما يسمى بالطبقات
البرجوازية،بالاضافة الى ان الظلم الاجتماعي وما ينشأ عنه من استغلال
للشعب،لا يكمن في المجتمعات القومية ،بل يكمن في الانظمة الاقتصادية
والسياسية والاجتماعية التي تطبقها هذه المجتمعات.
4- ان القومية ليست نزعة ضيقة انعزالية ،فالقوميات الواعية هي وحدات
اجتماعية متفاعلة،تأخذ وتعطي وتزيد الحضارات الانسانية غنى وخصبا
وشمولا،والتجربة الانسانية عمقا واصالة .
القومية
العربية:
عرف القوميون العرب،القومية العربية بانها(الشخصية الجماعية
المتميزة للامة العربية التي عاشت وتعيش،وتتفاعل في هذا الوطن
العربي على مر التاريخ،مما اوجد لديها روابط قومية خاصة بها تميزها
عن غيرها من قوميات العالم). أما الروابط التي تقوم عليها القومية
العربية فهي لاتختلف عما طرحه حزب البعث العربي الاشتراكي والكتاب
القوميون الاخرون وهي:
1- اللغة العربية التي هي مظهر اساسي من مظاهر القومية العربية
الواحدة،وركن هام في تثبيت هذه الوحدة القومية العربية وتعميقها في
شخصيتنا وقد بقيت اللغة الوحيدة التي يتخاطب ويتفاهم بها
العرب،والوسيلة الوحيدة التي يعبرون بها عن آرائهم وافكارهم
واحاسيسهم وانفعالاتهم وتجاربهم،منذ ان تكونت القومية العربية
واقعاً اجتماعياً تاريخياً للعرب في اعماق العصور حتى يومنا
هذا.أما اللهجات المحلية التي نجدها في اجزاء الوطن العربي فلا
تقلل ابدا من اهمية رابطة وحدة اللغة،لان العربي يستطيع مهما كانت
لهجته ان يفهم لهجة عربي آخر،وان يتعودها في ايام معدودة،بل ويكون
قادرا على استعمالها نفسها بعد فترة،كما ان هذه اللهجات المحلية
لاتحدد أبداً اقطارا منفصلة،فقد تختلف في القطر الواحد ،وتشبه
احياناً لهجة قطر آخر قد يبعد مئات الاميال،أما اللغة العربية
الفصحى فهي واحدة في اجزاء الوطن العربي وتحدد بنفس القواعد
والشروط من حيث اللفظ والاعراب والتشكيل.واللغة العربية تمثل مجرى
كبيرا للتفكير انصبت به عادات الامة العربية وتقاليدها ومثلها
وصفاتها ومقاييسها وتراثها الكبير،مما يولد اتجاها ثقافيا واحدا
وانسجاما متفاهما في التفكير والمشاعر.
2- وحدة التاريخ،تميز التاريخ العربي الذي مر على الامة العربية
بثلاث مميزات هامة جعلته عاملا رئيسا في ايجاد القومية العربية
الواحدة والشخصية القومية العربية المتميزة وهذه الميزات هي:
أ - ان التاريخ العربي هو وحدة تاريخية سياسية مترابطة.
ب ـ ان التاريخ العربي هو وحدة اجتماعية.
جـ ـ ان التاريخ العربي هو سلسلة متعددة الحلقات هيأت كل حلقة
لمجيء الحلقات التالية.فالتاريخ العربي كان وحدة تاريخية شاملة.
3- وحدة الارض:ان الطبيعة الجغرافية للوطن العربي كانت عاملا هاما
في تكوين شخصية القومية العربية،والوطن العربي هو وحدة جغرافية،مما
جعل تأثير البيئة ينعكس في الامة العربية كوحدة ايضا،وبطبعها بطابع
واحد. ان الوحدة الطبيعية الجغرافية البارزة في الوطن العربي قد
مهدت لقيام الوحدة اللغوية والتاريخية والثقافية،كما ساعدت على
قيام الوحدات السياسية التي رأيناها في التاريخ العربي،ووفرت الجو
الضروري لاحتكاك العرب وتفاعلهم منذ عهد ما قبل الميلاد والاسلام
حتى يومنا هذا،وكانت عاملا ضروريا لايجاد القومية العربية الواحدة
.
4- وحدة العادات والتقاليد :تتوفر في القومية العربية وحدات
العادات والتقاليد والثقافة بوجه عام،وهي مجمل القواعد التي وضعتها
الامة العربية في سيرها عبر التاريخ لتنظيم سلوك افرادها كما
تعارفت عليه من قيم ،ولتنظيم علاقة الافراد ببعضهم البعض وبغيرهم
بما تعارفت عليه من مقاييس،ولتنظيم علاقة الافراد بالكون عامة مما
تعارفت عليه من تفسيرات ونظرات في الحياة،فهي تنعكس بكلمة في وحدة
التشريع العربي مكتوبا كان أم متداولا .
ولكن فكر الحركة في هذا المجال يدعو الى جرد جديد للعادات
والتقاليد والثقافة العربية،لان بعضها يحتاج الى بعث واحياء
،وبعضها تراكم عليه فساد عصور الانحطاط والاستعمار التركي والغربي
الطويل وشوهه تشويها كبيرا،ويجب ان نجلو عنه هذه الترسبات لنصل الى
جوهره الاصيل،وبعضها يحتاج الى تطوير يتلاءم والتقدم الحضاري
ويجاري روح العصر الحديث .
5- وحدة المصالح:لاشك ان مصلحة العيش المشترك في أية جماعة،العيش
المشترك الذي يمهد لقيام مجتمع قومي واحد،ودولة قومية واحدة تنظم
تنظيما متكاملا في مختلف مرافق حياة الجماعة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والقومية عامة لما فيه خير المجموع القومي،لا شك ان
هذه المصلحة الواحدة عامل هام في تثبيت الوحدة القومية .والعرب
تجمعهم مصلحة واحدة في الحياة القومية الواحدة،فلهم مصلحة سياسية
في اقامة دولة عربية واحدة،ولهم مصلحة اقتصادية في اقامة دولة
قومية عربية تستثمر امكاناتها الاقتصادية .والعرب تجمعهم مصلحة
اجتماعية واحدة تذوب فيها النزعات المحلية الضيقة والعصبيات
الطائفية،مجتمع واحد تتوحد فيه النظم التربوية والثقافية .
6- وحدة الارادة: ان لعنصر الارادة اثراً كبيرا في الترابط القومي
وايجاد الوحدة القومية ارادة العيش المشترك وارادة الافراد ان
يحيوا حياة قومية واحدة في مجتمع قومي واحد وفي ظل دولة قومية
واحدة،وان توفر عنصر الارادة الواحدة عامل هام جدا في تماسك الوحدة
القومية لاية أمة.وللامة العربية اهداف قومية واضحة تهدف الى
القضاء على التجزئة والاستعمار والكيان الصهيوني وارساء اسس
المجتمع القومي العربي الواحد والمتحرر العادل.
هذه المفاهيم التي طرحها القوميون العرب للقومية العربية في
المراحل الاولى لتنظيمهم تأثرت المرحلة اللاحقة بالحركة الناصرية
فكريا وسياسيا وتنظيميا وقد قاد السيد محسن ابراهيم في بداية
الستينات تيارا اعتبر القوميين العرب رافدا من روافد الناصرية وفي
هذا السياق ينتقد المفاهيم القومية القديمة ويصفها
بالمثالية،ويقترح الفكر الاشتراكي الديمقراطي وسيلة لنقل مفاهيم
القومية من مرحلة الاحساس الى مرحلة الفكر العلمي المرتكز على
منهجيات التحليل العلمي للواقع،فيضفي بعدا اقتصاديا اجتماعيا على
مفاهيم القومية ،وينقلها من المثالية الى الواقعية ،ويمكن شرح هذا
التحول اكثر عند الحديث عن مفهوم الوحدة الاشتراكية في المرحلة
الناصرية وما بعدها من تاريخ القوميين العرب .
الوحدة العربية :
وصف القوميون العرب الوحدة بانها اساس مهم من أسس وجودنا
القومي،ولن يتحقق هذا الوجود ما دامت التجزئة قائمة،فالوجود العربي
الواحد يجب ان يتجسد في كيان واحد متفاعل تعبر فيه القومية العربية
عن نفسها تعبيرا ينبع من الموضع الطبيعي لحقيقتها واصالتها.وقد
ادانوا الدعوات الاقليمية المستندة الى اصول تاريخية كالقومية
اللبنانية المستندة الى الاصل الفينيقي،أو القومية السورية التي
تبناها الحزب القومي السوري الاجتماعي،أو الدعوات الفرعونية
وغيرها،واكدوا انها سائرة الى الزوال حين يشتد الوعي القومي العربي
وتزداد معرفة الانسان العربي لحقيقته.وفي سبيل ربط شعارات واهداف
الحركة بعضها ببعض،اعطى القوميون الاهمية الاولى للوحدة العربية
وذكروا بان التجزئة هي من فعل الاستعمار وهي السند الاول لدوام
سيطرته وللفئات الرجعية المصلحية المرتبطة بالتجزئة،لذلك فان
الوحدة هي السند الاول للانتصار في معركة التحررالعربي،واذا كانت
التجزئة هي العامل الاول في قيام(اسرائيل) ودوام بقائها،فان الوحدة
هي السند الاول للانتصار في معركة الثأر واسترداد الارض
المغتصبة،ومن هنا اصبح النضال في سبيل الوحدة لا ينفصل مطلقا عن
النضال ضد الاستعمار والصهيونية،ولكن الوحدة العربية لا تأخذ
معناها كاملا من كونها معركة اساسية شاملة تندرج في اطارها مختلف
معاركنا السياسية،فكما ان الوحدة هي اساس الثورة العربية السياسية
الشاملة،كذلك هي اساس الثورة الاجتماعية الاقتصادية والمجتمع
العربي الاشتراكي الديمقراطي،ولا يمكن ان تتحقق هذه الثورة
الاجتماعية الاقتصادية ،وان تقوم نهضة عربية في ظل التجزئة
السياسية والاقتصادية والثقافية . ان هذا الطرح الوحدوي الذي رافق
بدايات التأسيس والسنوات اللاحقة،تأثر بشكل واضح خلال المرحلة
الناصرية وخصوصا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة ثم صدور
الميثاق القومي الذي طرحه القائد الراحل جمال عبد الناصر،فقد ظهر
مفهوم الدولة النواة التي هي مركز العمل الوحدوي،وهي تجربة قابلة
للانتقال،وان نقل هذه التجربة مسؤولية الطليعة الثورية التي لابد
لها من ان تتفاعل مع الدولة النواة والتي يكون من مسؤوليتها تصدير
الثورة .
وانطلاقا من الموقف السياسي تجاه الوحدة المصرية السورية اعتبر
القوميون العرب ان(الوحدة النواة)هي التي تمثل مرتكز الوحدة الكبرى
بحيث تخوض وتقود الى جانب معركة تحرير الوطن العربي وتوحيده،معركة
تثبيت الشخصية الوطنية المستقلة،وتدعيم مبدأ الحياد الايجابي دوليا
وهي الرد المناسب على الاتجاهات الشعوبية والاقليمية.وهكذا يلاحظ
بان التركيز الواسع،على مفهوم(الوحدة النواة) قد حدد الاتجاه
الواسع نحو الوحدة الذي شهدته بدايات التنظيم والذي كان يؤيد
المشاريع الوحدوية كافة بدون البحث عن اهدافها السياسية
والاقتصادية،لذلك جرى رفض مشروع عبد الكريم قاسم في ضم الكويت الى
العراق،لان مثل هذه المشاريع تستهدف بالاساس ايجاد محاور وتكتلات
ضد دولة الوحدة النواة الجمهورية العربية المتحدة.
وهكذا كان مفهوم الوحدة في هذه المرحلة يقوم على اساس الوحدة
الاندماجية الكاملة مع الدولة النواة للوحدة العربية الشاملة.
وقد ولد الانفصال في 28 ايلول 1961 رد فعل واسعا في فكر القوميين
العرب وان لم يكن بشكل واضح على علاقاتهم السياسية والتنظيمية مع
قيادة عبد الناصر،فمع بقاء الايمان بان الجمهورية العربية المتحدة
تمثل نواة الوحدة ورفض انفصال سورية والنضال من اجل اعادتها فان
مجلة(الحرية) وهي المجلة المركزية نشرت سلسلة مقالات بقلم السيد
محسن ابراهيم ثم اصدرت في كتاب(في الديمقراطية والثورة والتنظيم
الشعبي) بعنوان منشورات حركة القوميين العرب،وقد تركزت المقالات
على مناقشة تجربة الجمهورية العربية المتحدة ايام الوحدة وتجربتها
بعد الانفصال،واعتبرت ان تجربتها كانت حقل الاختبار الذي خرجت
منهالحركة الثورية بزاد فكري جديد،وقد وردت انتقادات ومستلزمات
جديدة تحتاجها دولة الوحدة ومنها:
1- انها يجب ان تؤسس على قاعدة صلبة كبيرة هي قاعدة الشعب.
2- ان حماية الثورة والقرارات الاشتراكية لا تتم الا بالوعي
والتنظيم.الوعي التقدمي الاشتراكي والتنظيم الشعبي العقائدي
والتكتل النقابي والمهني.
3- ان مهادنة الرجعية ليست الا عملية انتحارية تسلم فيه الحركة
العربية الثورية زمام المعركة الى الرجعية العربية واعداء التقدم
العربي .
4- ان العلاقة بين اطراف المعسكر القومي يجب ان تكون علاقة لقاء
وتفاعل وتعاون في الكفاح المشترك.
5- ان اللقاء بين القوى القومية يجب ان يكون حول تحليل واحد
للمعركة العربية وحول استراتيجية موحدة نستلهم منها جميعا كل خطانا
.ونخلص في النهاية الى ان قيام دولة الوحدة جعل الثورة العربية
تدخل مرحلة جديدة هي مرحلة البناء الاشتراكي الديمقراطي ،واصبح
عليها ان تتصدى لعملية التغيير الثوري الكبير في المجتمع ،ولكن
الفكر العربي الثوري كله لم يكن في وضع يمكنه من قيادة هذه العملية
ورسم الطريق امامها.وعلى الرغم من ان السيد محسن ابراهيم استمر في
منهجه الذي يعتبر القوميين العرب رافدا ناصريا(وذلك ما اكده في
المؤتمر القومي عام 1964)الا ان طروحاته اليسارية بعد ذلك تناولت
بالنقد كافة الشعارات التي رفعت حول موضوع الوحدة وقال انها سببت
الكثير من السياسات الخاطئة،ولم يكن الجناح الاخر في التنظيم الذي
قاده د.جورج حبش باقل يسارية في طروحاته حول الوحدة اذ اعتبر ان
الوحدة هي التعبير عن عواطف ومشاعر قومية وهي تعبير عن مصلحة
الطبقة العاملة وسائر الجماهير الكادحة في الحياة الكريمة .
وهكذا تحولت الوحدة في هذه المرحلة من الوحدة المطلقة الكلية
بابعادها المثالية الى وحدة ذات اساس موضوعي مادي.
ذلك باختصار هو مفهوم القوميين العرب للوحدة العربية فبعضهم يعتبر
التغير الجذري في هذا المفهوم من مرحلة التأسيس الى ما هو عليه بعد
ذلك تطورا ايديولوجيا لابد منه في ضوء التجربة والاحتكاك العلمي
بالفكرالماركسي والعلاقات المتنامية مع الاحزاب والتنظيمات
الشيوعية.وبعضهم يعتبر ذلك نتيجة حتمية لضعف المنطلقات الفكرية
التي قاموا عليها،ومهما يكن ،فباعتقادي ان حركة القوميين العرب
بدأت تنظيما وضع القضية الفلسطينية في مقدمة اهتماماته
ونضاله،وانتهت(فلسطينيا)بقيام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين،اللتين ماتزالان تقاد من قبل
القيادات المعروفة لحركة القوميين العرب
مكانة الوحدة
العربية في مشروع النهضة العربية الحديثة
اذا كان المقصود بعبارة المشروع الحضاري العربي الاهداف الكبرى
للامة العربية التي تعمل حركة النهوض القومي على تحقيقها بديلا
للوضع الراهن فان هذا المشروع قد تكون على مراحل . فقد بدأ بمشاعر
وتطور الى تصور لمجتمع جديد . وكانت البداية في تحسس الاوضاع
وانحرافها عما يجب ان تكون عليه بمقاييس اصلاح شؤون الدين والدنيا
وبذلك بدأت بؤر التنوير بالظهور ، ومنها ما ظهر في الوسط الديني
حيث كرست قيم الاسلام مقياس الحكم على صلاح الموجود دينيا كان ام
دنيويا . وقد تمثل ذلك في حركات الاصلاح الديني الاولى وما قام به
محمد عبده والكواكبي والاخرون ، وتطورت تلك المشاعر والميول
الاصلاحية الى النظر في وضع الدولة التي كانت تشكل المحيط الذي
عايش فيه العرب مدة ليست قصيرة محيط الدول العثمانية .
وبفعل مقارنة رغبات الاصلاح
بالواقع تبلورت المشاعر ، بوجود فارق بين ما هو كائن وما يجب ان
يكون ، وتمحور ذلك الشعور حول قضية وضع العرب في محيط يسوده التخلف
والفساد والاستبداد وينطوي على فقدان دور العرب وهم اصحاب رسالة
الاسلام وحاملوها الى العالم . وتفاقم ذلك الشعور تحت وطأة عنصرية
الاتحاد والترقي وخطة التتريك -اي القضاء على الهوية العربية ،
وهكذا كانت نقطة البداية يقظة الشعور بالذات بعد سبات طويل بكل ما
ينطوي عليه من احاسيس التخلف والقهر وانعدام الدور ، الامور التي
كانت في نظرهم مخالفة لروح الاسلام وتعاليمه ومنافية لمشاعرهم
المشروعة كامة لها شخصيتها المستقلة ودورها التاريخي المعروف .
واستمرت تلك المشاعر بالتطور حتى اخذت شكل دعوة قومية لها محور
رئيس هو اننا العرب امة لها شخصية مستقلة في التاريخ انجبت حضارات
مهمة اهمها الحضارة العربية -الاسلامية وهي اليوم تملك الحق
والقدرة لان تنهض وان تؤدي دورا ايجابيا في حضارة العالم عن طريق
بناء كيان قومي مستقل .
الا ان التطور المهم الذي حصل في المشروع الحضاري العربي قد حصل
عندما اقتربت القومية العربية من الواقع او عندما دخلت مرحلة وضع
اسس بناء المجتمع الذي تتجسد فيه . والمقصود بالاسس الشروط
السياسية والاجتماعية لتقديم بديل للموقع الذي يراد تغييره . وحدث
ذلك عندما تحول الشعور الى حركة وهنا لابد من التعرف على الضرورة
التي دفعت حركة النهضة الى احداث هذا التطور فالى جانب صفة الحيوية
الذاتية هناك الضرورة النابعة من صفات الظرف التاريخي والاجتماعي .
فحركة النهضة بدأت تعتبر القومية العربية البديل المقابل للواقع
الموجود . ففي حين انها في مرحلتها الاولى لم تتعد حدود الافكار
اصبح من الضروري الان ان تتخذ مضمونا جديدا .
ولتوضيح معالم هذا التطور يمكن ايراد المسائل الجوهرية الاتية :
اولا : كانت المسألة الاولى التي تضمنتها عملية التطور التاريخي
للقومية العربية هي وضعها في اتجاه التقدم وبذلك اصبحت ليست مجرد
شعور بالذات والهوية القومية بل اصبحت طموحا من اجل مجتمع جديد .
وتجدر الاشارة هنا الى ان موضوع التقدم لا يقتصر على مجرد التحديث
الذي تناولته جهود محمد علي في مصر المقتصر على ادخال اساليب عمل
الدولة وبناء مؤسساتها ووضع هياكل الادارة ونظم ممارستها بل يشمل
ذلك ما هو اوسع :
ماديا: اي رفع مستوى جماهير الشعب المعاشي والثقافي والاجتماعي
معنويا : اي رفع القهر والاستغلال عنهم . وبذلك تكونت علامة مهمة
من معالم النظام الجديد . ويلاحظ ان مسألة التقدم هذه اتخذت شكل
اتجاه عام اثر في مختلف نواحي التفكير وصياغة السياسات وشهد تنظيرا
تمثل في نزوع عام الى نظرة تحررية في مختلف الشؤون الداخلية
والخارجية مما امكن تسميته بالتقدمية . وبذا تم نحت عبارة القومية
العربية .
ليس المهم في هذا الصدد التوسع في تحليل العوامل او في العرض
التاريخي لمسألة تقدمية القومية العربية الا ان ثمة مسالة مهمة
تستحق ان تورد في هذا الصدد ، تنبع اهميتها من انها كانت سببا (او
ربما ذريعة) لفهم خاطئ . ان تطوير المشروع الحضاري العربي من مرحلة
الشعور بالذات الى مرحلة طموح من اجل بديل للموجود قد حققت انسجاما
وتوافقا مع تيار التقدمية في العالم الذي قاده المعسكر الاشتراكي
محققاً انجازات ايجابية مهمة لقضية الشعوب المستعمرة الفقيرة فقد
ساعد على استقلال كثير من شعوب العالم كما انه وضع قضية اضطهاد
الفقراء واستغلالهم في صدارة الاهتمام الفكري والسياسي في العالم
.فالقومية العربية تمثلت بتحسس الذات والتأمل في الثقافة الاسلامية
واستذكار التاريخ والتعرف على الهوية،ومن نقطة الارتكاز هذه أخذ
التفكير مداه في صياغة فكرة التقدم بمعناها الشامل .ومن هنا كان
التحليل بان الاشتراكية مشتقة من القومية نفسها وليست فكرة اخرى
اضيفت لها .فالقومية تعني الاهتمام بمجموع الشعب والنزوع لتقدمه في
الميادين كافة والميدان الاقتصادي احد تلك الميادين .ثم ان المغزى
البعيد لمفهوم الاشتراكية العربية بقي بعيدا عن النزعة المادية
،فغايته اطلاق المواهب وفتح فرصة تحقيق الذات والحرية الحقيقية
للانسان ليرتقي روحيا كما يرتقي ماديا.ثم ان القومية العربية التي
امتزجت بدايتها بتجديد قيم الاسلام واستذكار تاريخه والاهتمام
بمفاهيمه الجوهرية وجدت في تراث الاسلام - دافعا قوميا في اتجاه
العدالة وانصاف الفقراء والتكافل الاجتماعي ورفض الاستغلال.وهكذا
كان التطور في الاتجاه التقدمي نتيجة تم التوصل اليها عن طريق
تطوير نقطة البداية واعادة التعرف على التراث والاهتمام بجوهر
الثقافة العربية وليست امتدادا للحركة الاشتراكية الدولية التي
قادها المعسكر الاشتراكي وان كانت قد اتت منسجمة مع روح العصر الذي
اوجدته تلك الحركة وتفاعلت مع المناخ الثقافي الذي خلقته ،لذلك لم
يكن غريبا ان تأخذ حركة القومية العربية التقدمية موقف التلاؤم مع
التقدمية العالمية من جهة وموقف التناقض مع الاحزاب الشيوعية
العربية من جهة اخرى.
ثانيا- والمسألة الفكرية الثانية تتعلق بالعلاقة بالاسلام .ورب
سائل يستفهم عن اسباب الاشكال ومكوناته ان صح التعبير .هناك عوامل
تناقضية افرزتها ظروف الوضع الداخلي والخارجي يمكن ايجازها
بالاتي:في الوقت الذي كان فيه نشوء بؤر التنوير وتجديد مفاهيم
الاسلام واصلاح اوضاع الدين والمجتمع نقطة البداية في النهضة كان
شكل الاسلام من ناحية اخرى هو الذي سخرته السياسة العثمانية
لاحتلال ارض العرب والغاء دورهم واخضاعهم لحكم الدولة العثمانية.وادى
غياب الدور والحكم الاجنبي والتخلف الى نمو قشرة ازدادت سمكاً
بمرور الوقت حجبت جوهر الاسلام ومفاهيمه الاصلية وبذلك اصبح
للاسلام عالم من الاهتمام بالاشكال والطقوس والعادات المتخلفة
وقوالب التفكير الجامد وهو عالم مغاير تماما لروح الاسلام الاولى
ومفاهيمه التجددية المتجهة الى التقدم والرقي والطهارة والحيوية
ونكران الذات والتعلق بالمثل الروحية واستقامة الاخلاق .وقد شكلت
مكونات هذه القشرة موروثا اجتماعيا اصبح يشكل ثقلا على روح النهضة
وقيدا على النزوع الى التقدم وهكذا اصبح الاسلام موضوعا يرد في
مجال بحث الامور المتناقضة التي كانت الشاغل الاساس للنقاش النهضوي
فهو يرد في مجال عبودية الدولة العثمانية والتخلف الذي يكبل
المجتمع العربي كما يرد في مجال التجديد والنهضة وبعث الهوية
والشعور بالذات المستقلة.وبذلك ظهرت الحاجة الى صياغة فكرية جديدة
ونضال ثقافي يستطيع حل هذا التناقض والامساك بالحقيقة. ولم تقتصر
عملية التعقيد على المحيط العربي الداخلي بل كان هناك في الوضع
العالمي ما يبعث على تعقيد الفهم الصحيح لعلاقة الاسلام
بالعروبة.وخلاصة ذلك هو ان التاريخ اوربا شهد خلال صراع النهضة
تحالفا بين الكنيسة وقوى التخلف وهي الملكية المطلقة والاقطاع ذلك
الصراع الذي تمخض عن حروب دينية طويلة كان ثمنها المادي والبشري
باهظا الى ان استقر الوضع بانتصار حركة النهضة وتم تشييد الدولة
القومية بنظام رأسمالي مدني ديمقراطي يهتم بشؤون الدنيا
حصرا.وانحسر دور الكنيسة بشؤون الدين وحصل الفصل الفعلي واحيانا
الرسمي بين الدين والدولة وظهرتعبير العلمانية.ومن خلال عملية
الاتصال بالغرب انعكست بعض عناصر ما حدث هناك بشكل تعقيدات على
علاقة الاسلام بالعروبة.فمؤسسات الدين في الوطن العربي الموروثة من
العهد العثماني كانت فعلا في صف التخلف كما ان شكل الاسلام كان
غطاء الاستعمار الذي مارسته الدولة العثمانية .فتجديد الثقافة
الاسلامية وحركة الاصلاح الديني كان عليها في الوقت نفسه ان ترفض
الشكل الذي اصبح علية الاسلام في مرحلة التخلف كما ترفض ان يوظف
اداة بيد المستعمر.ويعني ذلك التحرك ضمن مسلك متعرج وصياغة موقف من
معطيات متناقضة.وفي موضوع الغرب كان على حركة القومية العربية
التقدمية ان تقاوم ميول المحاكاة فالاسلام كان عامل قوة للحفاظ على
الهوية وسلاحا للدفاع عن الذات وتحقيق الاستقلال عن خطط الاستعمار
بمختلف اشكالها بما فيها خطط التذويب والاستيعاب الثقافي.ولكن من
ناحية اخرى فحركة القومية العربية ترى ايجابيات المجتمع المدني
وتأكيد الحرية واهمية القانون الوضعي والعلاقات الديمقراطية في
بناء المجتمع الجديد.وفي خضم كل ذلك تت صياغة العلاقة لحل هذا
التناقض عن طريق تأكيد روح الاسلام اي مفاهيمه الجوهرية وهي مفاهيم
الثورة على الظلم والتخلف وضرورة تجديد الحياة بالتضحية ونكران
الذات واستقامة الخلق والتعلق بالمثل الروحية وحفظ كرامة الانسان
وحريته واقامة العدل ورفع الحيف عن الفقراء والمظلومين ومقاومة
الطغيان والاستبداد والفساد واقامة التسامح والمحبة والتوازن
والاخذ بالتطور واحترام العقل والاهتمام بالمعرفة.فتجديد مفاهيم
الاسلام وبعث قيمه الاصلية التي كانت الروح التي حركت النهضة في
الماضي هي التي ساهمت الان في انبعاث حركة القومية العربية وبذلك
يكون الاسلام والعروبة في حالة تلاؤم حقيقية وتمت صياغة العبارة
المعروفة ان الاسلام روح العروبة.
اما لماذا ظهر حديث التناقض في الساحة السياسية فله اسباب اهمها
سببان:الاول: خارجي يتعلق بما نتج عن الاتصال بالغرب ومحاكاة
تاريخه.. الثاني :داخلي سياسي وقد كانت له بدايات غير ملحوظة خافتة
الصوت اولا ثم ارتفع الصوت فيما بعد وهو ظهور الاسلام السياسي
بشعاره(تطبيق الشريعة).وتجدر الاشارة هنا الى ان قضية تطبيق
الشريعة امر مختلف تماما عن المسألة الجوهرية في الاسلام اي بعث
مفاهيمه الجوهرية التي سبق الحديث عنها .
هناك مجال اخر تطور فيه مفهوم القومية هو التحول من محيط النخبة
الى الجمهور الواسع وبذلك اكتسب صفة الشعبية .واتت مصادر هذا
التطور من رافدين:-
الاول تطور القومية العربية الى نظرة تقدمية بالمعنى الواسع بما في
ذلك قربها من الجمهور الواسع الذي كان باغلبيته يعاني من الفقر
والاستغلال والاضطهاد .اذن فمجرد الاهتمام بالقضية الاجتماعية قرب
الفكرة من الجمهور واخرجها من محيط الاهتمام النخبوي الى الاهتمام
الشعبي.
اما الرافد الاخر فهو الاهتمام بتأسيس حركة اي دخول معترك
السياسة.وبذلك اصبحت السياسة هي الوسيلة المباشرة المعتمدة لتحقيق
الفكرة وبذا تم التوصل الى ضرورة تأسيس اطار تنظيمي بين الجماهير
.وبذا دخلت القومية العربية مجال العمل السياسي وتحولت الى حركة
ليس عن طريق جعل القضية الاجتماعية من صلب اهتماماتها فحسب بل عن
طريق قرار مقصود بذاته للذهاب الى الشعب في الاقطار العربية كافة
ووضع قضية النهضة في يده.
-2-
وبوصول حركة القومية العربية الى هذه الدرجة من التطور في المحتوى
الفكري اصبحت مسألة التأمل في المستقبل ضرورة لابد منها.فالمشروع
القومي في حقيقته الموجزة ان هو الا نظرة ماذا يجب ان يكون مستقبل
العرب بالمقارنة بما هم عليه الآن.وطالما ان الموضوع قد وضع بهذه
الصورة اصبح السؤال العملي هو كيف يتم ذلك؟هل سيتحقق الوضع المرغوب
كقطع من التقدم متناثرة او اجراءات اصلاحية تأتي وحدها بدون نظام
يحكم علاقاتها؟الجواب كلا اذ لابد من وعاء او اطار للنهضة والذي
يمكن تسميته بالاداة.فما ذلك الوعاء او الاطار او الاداة؟انه
الدولة،فالدولة هي التنظيم الذي ابتدعه الانسان منذ القدم لتحقيق
التقدم.قد يكون اصل الدولة هو التعاقد كما يذهب اصحاب نظريات العقد
الاجتماعي من جون لوك الى جان جاك روسو الى توم بين ويعني ذلك انها
نشأت من تعاقد حر قام به الناس بعد ان اكتشفوا ان حقوقهم الطبيعية
التي ولدت معهم وهي الحياة والحرية والملكية(واضاف لها الامريكان
السعي للسعادة)لا يمكن الحفاظ عليها بالوضع الذي ساد قبل نشوء
الدولة ولذلك تعاقد الناس على انشاء الدولة لحماية تلك الحقوق.وقد
يكون اصل الدولة مشيئة الهية نصبت في الارض ممثلا عنها من اجل
تطبيق رسالة سماوية كلها خير وبركة لبني الانسان.وحتى عندما يكون
اصل الدولة تطور سلطة الحاكم المعتمدة على القوة من العائلة الى
القبيلة الى المقاطعة الى الدولة فهي ايضا وحسب اصحاب هذا الرأي
جاءت لحفظ الامن والنظام والسلام في المجتمع .اذن مهما تباينت
نظريات نشوء الدولة فهي تلتقي في اعتبار واحدهو ان هذا التنظيم
السياسي يشكل الاطار لما يعتقد انه خير المنتظمين فيه.القومية
العربية معنية بالعرب أمة ونظرا لان هذه الامة تسودها اوضاع هي غير
الاوضاع المرغوبة لذلك كان هدف تحقيق وضع ارقى في سلم التقدم هو
الوحدة ولتحقيق الوحدة لابد من وجود الدولة كوعاء او اطار او اداة
لذلك.الدولة موجودة في الوضع الراهن- بشكل دولة قطرية ولكنها غير
موجودة للوضع المنشود - وضع الوحدة الذي يتطلب اول ما يتطلب وجود
دولة الوحدة.وهكذا كانت مسألة الوحدة العربية في صميم القومية
العربية منذ بدايتها .ان جوهر موضوع الدولة هو تحقيق الارادة .
وفي تحليل مضمون كلمة الارادة لابد من تتبع مصدرها والمصدر يوصل
الى الفرد فهو الكائن الحي الذي يصدر منه التفكير والعمل.ومن اتحاد
ارادة الافراد في عملية تفاعل تتكون ارادة عامة هي ارادة
المجتمع.من ذلك يتضح ان مفهوم الارادة لا يقتصر على سعة الدائرة بل
يتضمن ايضا التأثير اي الفعل.فالفاعلية والشمولية هي العناصر التي
تتكون منها الارادة العامة .وفي مجال تحليل ارادة الفرد هناك
الشعور بالانا الذي يحرك قوة روحية كامنة في الفرد وقابلية للتطور
والظهور وهي قوة يذهب فيها علم ما وراء النفس الى انها قوة تسمو
على العقل بقدر ما يسمو العقل على الجسد وبذلك يخضع لها كل من
العقل والجسد.فالانسان عندما يتأمل بعمق في ذاته يستطيع بالتدريج
والتدريب ان يدرك هذه القوة والذات التي هي غير العقل.القوة هي
الارادة التي مدلولها انا موجود كانسان وهي اي الارادة تتصل بهذه
القوة كما تتصل الفكرة بالعقل وما تنامي الارادة الا تطور ادراك
الشعور بالانا الحقيقية.ومهما كان موضوع هذا الرأي في فهم الارادة
فانها التصميم على العمل - عمل شيء ما.وعندما يتوسع التصميم ليشمل
ارادة المجتمع او يقترب من ذلك تتكون الارادة العامة - ارادة الامة
.. من اجل هدف الارتقاء من وضع الى وضع افضل.كانت بداية النهضة
العربية الحديثة - كما اسلفنا هو الشعور بالذات اي التفكير بالنفس
الذي تفتح بالتدريج ليكون الشعور القومي بالانتماء الى الامة
واتضاح الهوية.والشعور بالذات الذي بدأ بالاقلية واتسع بمرور الوقت
توصل ذاتيا وبمنطق الاشياء وبتأثير العوامل الداخلة فيه الى اهمية
العمل وبذلك اصبحت الفكرة مرادفة للتغيير مكونة الارادة العامة
لبناء المستقبل.وكان التطور في عملية الشعور بالذات حتميا والا
كانت الفكرة عقيمة.فالشعور هو الذي حرك العقل والبصيرة لفحص الواقع
وهو الذي حفز المعرفة بالتاريخ وبالعالم المحيط والذي كانت حصيلته
رؤية الفرق بين ما هو كائن وبين ما يجب ان يكون،ومنه تحركت مشاعر
عدم الرضا والرغبة بالتغيير.وبفعل هذا التوتر النفسي استمد التفكير
بالذات والنظر بداخل النفس قوة جديدة لتكوين الارادة.وكلما قطعت
هذه العملية شوطا اكتسبت الارادة قوة جديدة وصولا الى الحسم الا
وهو الذهاب الى الشعب وتكوين الحركة من اجل التغيير .
- 3-
وكما حدث في التاريخ توصلت حركة القومية العربية الى ان الدولة هي
الوعاء او الاطار او الاداة لتأدية المهمة التاريخية وبما ان هذه
الدولة غير موجودة اذن لابد من ايجادها وكان التعبير السياسي عن
ذلك هو الوحدة العربية بدولة واحدة ذات كيان واحد . فالدولة هي
التي تستوعب نشاط الامة وتحوله من مجموعة عمل افراد الى عمل جماعي
في الميادين كافة عن طريق تنسيق الاقتصاد في مجال التنمية وتنسيق
العلاقات عن طريق العدل والامن وتنسيق التفاعل مع الخارج عن طريق
ممارسة السياسة الخارجية .
انها تملك السيادة المطلقة في الداخل ايجابيا فيما يتعلق بمن يخدم
الصالح العام وسلبيا على من يعمل ضده ويخرج على القانون . كما تملك
السيادة المطلقة في التشريع لتنظيم نشاط المجتمع وحياته اليومية
والسيادة المطلقة في العلاقة بالدول الاخرى . حقا لقد كان نشوء
الدولة اكبرتطور اجتماعي حصل لمصلحة تقدم الانسان الذي تحول
المجتمع بواسطته من وضع لا يحكمه مثل اعلى الى وضع له هدف سام.
وحتى الا ن لم يأت دليل على نقيض ذلك بل بالعكس فقد تراجعت جميع
الافكار عن مقترحات الحكومة العالمية كما انتهت نظرية المجتمع
العالمي الذي تزول به الدولة كما قالت الماركسية . وبقيت الدولة
القومية هي التنظيم الموجود والمعول عليه لتجسيد ارادة الامة
وتحقيق ما تصبو اليه . من ذلك تتضح مكانة الدعوة الى الوحدة
العربية بالمعنى المحدد وهو قيام دولة واحدة بالمعنى الحديث للدولة
في النهضة العربية .
الوحدة العربية حق تاريخي للامة العربية فهي بحكم كونها امة موجودة
وعريقة لها حق طبيعي في ان تحقق وحدتها القومية عندما تكون مجزأة .
ان مزايا الوحدة العربية ومبرراتها امرمبحوث وفي المتناول وليس
المقصود هنا التكرار او اعادة التذكير ، الا ان الموضوع لا يخلو من
بعض القضايا التي لا تزال بحاجة الى مزيد من الايضاح . الامر الاول
هو ان العلاقة بين الوحدة العربية وقيام الدولة العربية ليس موضوعا
تنظيميا يخص شكل نظام الحكم وبالتالي يمكن ان يكون خاضعا للاجتهاد
والتلاؤم مع الظروف ، اقول ذلك مشيرا الى الظاهرة التي تكاد تكون
صفة للفكر العربي الحديث الا وهي التبعية للسياسة اليومية بدلا من
ان يكون قائداً لها . اذ لا يجوز القبول بوضع يكون فيه الفكر
العربي كبندول الساعة يذهب مرة الى اقصى اليمين ومرة الى اقصى
الشمال تفاؤلا او تشاؤما مغيرا بفعل ذلك اطروحاته حسب الاثر النفسي
الذي تخلقه تطورات السياسة اليومية . فالوحدة العربية لا يمكن ان
يكون التعبير عنها دولة واحدة في وقت ومجرد توافق بين الدول
القطرية في وقت اخر. ان كل شيء يعتمد علينا ، على ارادتنا وارادتنا
تعتمد على ما نفكر به نحن بانفسنا . فكما ان الفرد عندما يفكر
بنفسه انه غير قادر يصبح غير قادر وعندما يفكر بنفسه انه قادر يصبح
قادرا وكذلك الامة . والمقصود بالتفكير بالنفس ليس المفهوم
المتداول للتفكير بل التفكير المتواصل العميق الذي يوصل الانسان
الى القوة الروحية الهائلة الموجودة في كل منا والتي هي في حالة
كامنة الا اذا حفزت وطورت. فالانسان هو ما يفكر به في نفسه بنفسه
على حد تعبير الانجيل . ان هذه الارادة عندما تتاح لها فرصة الظهور
وتصل الى مستوى النشاط الانساني لا يمكن ان تحقق ما تتجه اليه الا
اذا توفرت لها الاداة-وهي الدولة الشعور القومي بالذات يعني الشعور
بالانتماء الى امة والشعور بالهوية القومية . والشعور هذا يولد
الطموح للرقي وتبديل الموجود بوضع اعلى مرتبة ولن يكون لكل ذلك
مجال التحقيق اذا لم توجد الدولة القومية ، المجسد العملي للوحدة
السياسية .
ولنذهب في النقاش خطوة ابعد . من الذي يستطيع ان يجزم بان الامة
المجزأة دولا متعددة تستطيع ان تحقق الحد الادنى من الوئام
والسلام فيما بينها ناهيك عن الهدف الاكبر- هدف تحقيق مشروع النهضة
؟ ان الواقع يدل على العكس فطالما كان هناك شعور بوجود تناقض بين
الشعور بكل ما ينطوي عليه من مشروع للتوحيد وتكوين الدولة القومية
وبين واقع التجزئة فان السلام والتلاؤم لن يكون ميسورا فصفة
التناقض هي الاقرب .
فالدولة القطرية عندما تتصرف بشؤونها على اساس المصلحة الذاتية
الضيقة لا تستطيع ان تكون دائما في حالة تلاؤم مع المصلحة القومية
وعندما لا تستطيع ذلك فانها لابد ان تتناقض مع الدولة القطرية
الاخرى وهذا ما حدث ويحدث في مجرى السياسة العربية اليومية .
السلام والتلاؤم يمكن ان يحصلا بين دول لا تربطها رابطة قومية اكثر
مما هو ممكن بين دول قطرية يقوم كيانها اساسا على التناقض مع مشاعر
الامة وطموحها المشروع في النهضة ناهيك عما تختزنه الذاكرة العامة
من علاقة الدولة القطرية باعداء الامة . اذن هي الشرط العملي الاول
لتحقيق مشروع النهضة وبذك تكتسب اهمية خاصة . اما النظام فهو امر
اخر لا يرقى الى هذه المنزلة لانه خاضع للتطور فما صلح بالامس ربما
لا يصلح اليوم وما يصلح اليوم ربما لا يصلح غدا. ان الامة تستطيع
تحقيق نهضتها القومية عن طريق تعاون وتنسيق يجسد جهدا مشتركا من
خلال مجموعة الدول القطرية بوضعها الحالي وبالتالي فان القومية
العربية لا يشترط ان تتخذ شكل دولة قومية بل شكل تعاون اقليمي لدول
تربطها روابط ثقافية وتجمعها لغة مشتركة القول بذلك وهم فالتعاون
يصلح ان يكون نقطة بداية وليس هدفا نهائيا .
نشأت الدولة القطرية في اغلب الحالات نتيجة لنضال وطني واحياناً
قومي الا انها تعكس جانب التأثر بالمصالح الشخصية الضيقة عند النخب
السياسية التي تم على يدها قيام تلك الدولة . فبعضها الذي اتى من
وسط العمل الوطني قد توهم ان الدولة القطرية يمكن ان تكون خطوة نحو
الوحدة فجاءت النتيجة غير ذلك اذ ثبت فيما بعد ان الدولة القطرية
يمكن ان تتطور الى وضع مناوئ لمشروع الوحدة كما حدث في حالات
الاتفاق مع الدول الاستعمارية . ان سجل الدولة القطرية لابد ان
يقرأ بوضوح وموضوعية وعندما نفعل ذلك نجد ان هذا التنظيم اخفق في
اخطر الامور وفي مقدمتها الامن القومي المتمثل بسلامة الارض والشعب
والامر في هذا الخصوص معروف وترتب على ذلك موضوع العمل التخريبي
الداخلي ضد السلام والوحدة الاجتماعية والامن بمعناه اليومي الذي
نتج عن الحركات الانفصالية .
-4-
وهنا يصل البحث في الموضوع الى مرحلة تثير بعض التساؤلات التي لابد
من الاجابة عنها زيادة في الايضاح . اذا كانت الارادة في جوهرها
تعني القوة الروحية المستثارة في الفرد وبالتالي في مجموع افراد
المجتمع بفعل العملية الاجتماعية التي تلعب الثقافة المشتركة
وذاكرة التاريخ ومجموع القيم التي تعلق بها المجتمع وحقق التقدم
جراء تجسيدها في العمل ، اذا كانت تلك القوة الروحية المستثارة في
المجتمع والمؤدية الى الشعور بالذات والتعرف على الهوية مكونة
القوة المحركة للنهوض لابد لها من الدولة بوصفها تنظيما سياسيا
لتفعيل ذلك وتحويله من دائرة الشعور والافكار الى دنيا التحقق
والانتاج ، اذا كان كل ذلك كذلك فلم لا تكون تلك الدولة هي الدولة
القطرية ؟ والجواب على ذلك يبدأ اولا بفحص منهجية السؤال .
ومنهجيته كما هو واضح تجريدية تستخدم الشكل بديلا عن الجوهر . جوهر
الخطأ يكمن في اهمال واقع التاريخ . فالتاريخ قد شهد تطور الانسان
وبناء الحضارة بالتراكم ولكن تلك العملية لم تقتصر على التطور الذي
حصل في الانسان فقط وان كان ذلك نقطة البداية كما انه لم يحصل
تلقائيا في الطبيعة التي يعيش الانسان في داخلها بل حصل من خلال
عملية تفاعل مستمرة بين الانسان والطبيعة فكما كانت هناك علوم
اجتماعية تهتم بفهم ما يجري في داخل الانسان هناك علوم طبيعية تهتم
بفهم الطبيعة من اجل السيطرة عليها . اذن فالتقدم لا يقتصر على
توفر اي من هذين العاملين وحده بل بهما معا وذلك ما يعطي للافكار
نتائج عملية وهو الذي يتيح لارادة الانسان ان تتجسد بفعل ملموس
ومفيد . من ذلك نخلص الى القول : ان ما يحيط الانسان عامل مهم الى
جانب ارادته في حصول عملية التقدم . وموضوع المحيط يشمل كل ما يقع
تحت سيادة الدولة من امكانيات اقتصادية وموارد طبيعية وموقع جغرافي
ومناخ كما يشمل كل ما ينطوي عليه المجتمع من علاقات وامكانيات ذات
علاقة بالتقدم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية . ويعني ذلك ان
الارادة القومية ومن خلال مؤسسة الدولة تستخدم المادة المحيطة بها
لتحقيق ما تصبوا اليه وما يقع ضمن بناء مشروعها الحضاري . وفي هذا
الصدد هناك ما يصلح ويكفي وهناك ما لا يصلح وما لا يكفي لتفعيل
نشاط الدولة من اجل تحقيق الهدف القومي . فهل تملك الدولة القطرية
تلك الامكانيات ؟ الجواب كلا مهما اجتهدت في توفير مظاهر الدولة
وطقوسها من خلال المال او الاعلام او العلاقات بالدول الكبرى
والمؤسسات الدولية . كما ان التطور التقني المستمر قد رفع الحد
الادنى المطلوب لبناء صناعة متطورة تستطيع المنافسة ووسع الفجوة
بين الدول الكبرى والدول المتخلفة . لذلك فالحجم الكبير والتكامل
في الموارد والقوة الاقتصادية والعسكرية اصبح ضرورة لتأدية دور في
عالم اليوم .
الدولة بوصفها تنظيما سياسيا لم تظهر الا تلبية لحاجة بغض النظر عن
الاراء المتباينة عن اصل نشوئها والحاجة مهما تعددت التسميات هي
الاسهام في بناء الحضارة وهي مهمة سامية وليست انانية . فالدولة
سواء كان هدفها محصورا بمهمة حماية حق الحياة والحرية والملكية ام
مهمة نشر رسالة السماء او تحقيق التنمية والرفاهية او مجرد استتباب
الامن والسلام والعدل في الداخل فهي في جميع هذه الحالات تتجه الى
هدف مثالي حتى جعل منها هيجل (الدولة القومية ) تجسيدا للفكرة
المطلقة اي القوة المحركة لتطور التاريخ . وبعبارة موجزة ان مهمة
النهضة القومية لامتنا كما هو حال الامم الاخرى هو ان تؤدي دورا في
شؤون الانسان وتسهم في حضارته اليوم كما حدث عند ظهور الاسلام وذلك
هو معنى الحديث عن الرسالة الخالدة للقومية العربية . وتأدية الدور
والاسهام في حضارة العالم هدف كل الامم كل حسب درجة تطورها الروحي
واقترابها من المثل العليا ونزعتها الاخلاقية ومكانتها المادية .
فاذا كانت مهمة الدولة القومية بمثل هذه السعة والاهمية فهل تستطيع
الدولة القطرية ان تضطلع بها ؟ التحليل العقلاني المعتمد على
الارقام المجردة والوقائع التاريخية ومعطيات العصر الذي نعيش فيه
يشير بكثير من الوضوح الى ان الدولة القطرية التي تعيش بين
ظهرانينا عاجزة تماما عن تحقيق الامن امن الارض والشعب ، وعن تحقيق
التنمية وبناء القوة المتكافئة لحفظ التوازن مع الاخرين ولتكوين
نقطة بداية للاسهام في حضارة العالم .
ان ما يجري في عالم اليوم من تطورات تشير الى تحسس عام عند الدول
الصغيرة العاجزة عن تأدية دور في حضارة العالم فالدول الاوربية
تحاول عن طريق التجمع ان تعالج هذا القصور ، والقوميات التي انفصلت
عن الاتحاد السوفيتي تحاول ذلك ايضا والتجمعات الاقتصادية في جنوب
شرق اسيا وامريكا اللاتينية وافريقيا كلها يكمن وراء نشوئها هذا
الشعور . وترتكب النخب السياسية الحاكمة في الدولة القطرية خطأ
جسيما اذا ما اعتقدت ان العمل من خلال تجمع الجامعة العربية او
التجمعات المناطقية الاخرى (على فائدة كل ذلك ) يمكن ان يكون بديلا
عن قيام الدولة القومية -دولة الوحدة لتحقيق هذا الدور فلا قيام
الدولة القطرية ولا تجمعها هو البديل الناجح . الخيار الذي لا مفر
منه هو الوحدة بدولة واحدة ان امكانيات الدولة القطرية البشرية
والمادية والاقتصادية والتقنية وصفاتها الجغرافية وظروفها
الموضوعية لا تؤهلها لحدوث التفاعل المنشود بين نشاط الانسان
والمادة التي بين يديه ذلك التفاعل الذي يخلق الشروط الموضوعية
للتعبير الكامل عن الارادة القومية في بناء نهضة جديدة تسهم في
حضارة العالم وتحقق للامة دورا في التاريخ . ان قيام الدولة
القطرية قرار قانوني والقرار القانوني لا يشترط (ولم يكن) متطابقا
مع المعطيات الموضوعية لمهمة الدولة التي سبق ذكرها لذلك فالدولة
القطرية تعيش الان في وضع تناقضي بين الشكل والمضمون ، الامر الذي
يدفع في اغلب الاحيان الى ستر هذا التناقض بطرق مختلفة منها
الاستبداد والاغراء والاعلام والتحالف مع الدول الاستعمارية فهي
موجودة ولا تستطيع ان تؤدي مهمتها الحقيقية كما تريدها الامة .
كان هدف الوحدة مطروحا للنظر منذ بداية النهضة العربية الحديثة وان
كان بتفاوت ومن الطبيعي ان يتأثر تناول هذه القضية بالظرف الفكري
والسياسي السائد في كل حقبة من الحقب التي مرت بها قضية النهضة.
ولكن المهم في ذلك هو النقلة التي حدثت في تطور القومية العربية قد
اوضحت العناصر الاساسية في التكوين الفكري لموضوع الوحدة حيث تحددت
بوضوح انها تعني قيام دولة ذات كيان دولي واحد . كما لا يقل اهمية
عن ذلك تحديد ما تشمله الدولة اي تحديد حدودها الجغرافية والشكل
العام لنظامها السياسي القائم على اللامركزية المعبر عنه قانونا
بالشكل الاتحادي كنظام اداري يلائم دولة كبيرة متعددة الاقاليم .
والملاحظ ان التطور الفكري الذي شهدته القومية العربية والذي نقلها
من مستوى الشعور الى مستوى الحركة ومن حدود النخبة الى الجماهير
الواسعة قد اثار بشكل صريح او ضمني قضية الاسلوب او ما يمكن ان
يدعي بالوسيلة اي الجواب عن سؤال كيف؟ يجد الباحث في الكتابات
القومية عبارات تتناول موضوع الوسيلة توحي بالتوصل الى قاعدة نظرية
محددة ، واخص بالذكر مسألة النضال الشعبي والانقلاب على النفس .
اني ارى ان نضال الشعب امر مفروغ منه فالشعب هو صاحب القضية ،
والامة هي مصدر الارادة وكل موضوع النهضة يعود اليها وليس الى جزء
او نخبة منها لذلك اذا ما اريد للنهضة ان تتحقق فالشعب هو المعني
وهو الذي يجب ان يعمل ويناضل من اجل تحقيقها .
كما ان مسألة الانقلاب الروحي والاخلاقي اي احداث تغيير عميق في
تفكير الانسان العربي وسلوكه عندما يتحول من مواطن عادي الى ناشط
في حركة القومية العربية هو الاخر لا مناص منه وشرط ضروري لذلك
التحول والا انعدم الفرق بين الفرد الاعتيادي والفرد الثوري . ان
تاكيد هذه المفاهيم ضروري بالطبع ويشكل جزءاً من التطور الفكري
المهم الذي شهدته القومية العربية كما سبق ذكره الا انه لا يحسم
موضوع الوسيلة ولا يجيب تماماً عن سؤال كيف تتحقق دولة الوحدة بكل
ما يعنيه من تحول قانوني وسياسي في وضع الدولة القطرية والذي ينطوي
على زوال كيانات وقيام كيان جديد في محلها ؟ الحياة عموما تتكون
عوامل تفاعلها من ثوابت ومتغيرات فان كانت المبادئ تمثل الثوابت
فان الظروف المادية والمعنوية ، الداخلية والخارجية تمثل المتغيرات
ومن التفاعل بينها ينتج عدد لا حصر له من الحالات المتباينة .
وحالات التباين هذه تستدعي وسائل متباينة لذلك فجواب كيف لابد ان
يختلف من حالة الى حالة اخرى والا اتسمت المجابهة بالجمود والقصور
والاخفاق . وبكلمات موجزة عندما يكون الصراع من اجل اقامة دولة
الوحدة هناك معوقات تقف بالضد وعلى حركة التغيير ان تجابه كل ظرف
بما يناسبه وان تعالج كل حالة بما يحقق لها النجاح لذلك لابد من
التنوع في الاساليب اذ لا قاعدة رياضية تحكم هذه القضية .
ولن يكون بحث هذه القضية تاما من دون الاشارة الى المسألة
الاشكالية التي تثير بعض النقاش الا ن الا وهو استخدام القوة .
علينا ونحن ننظر في هذا الموضوع ان نضعه في اطار اشمل من الحوادث
اليومية . يجب مراجعة التاريخ لا سيما التاريخ العربي كما يجب
التعرف على الطبيعة البشرية . فاستقراء التاريخ يشير الى ان الثورة
قد استخدمت في حالات عديدة ليس بدوافع غريزية ومن اجل مصالح انانية
بل بدوافع مثالية ومن اجل مصلحة عامة والنهضة العربية الاسلامية
مثال على ذلك . كما ان تحليل النفس البشرية ينم عن ازدواجية
الطبيعة البشرية اذ فيها عامل روحي الى جانب عامل غريزي .
وباستخدام لغة علم الاخلاق هناك دافع الخير الى جانب دافع الشر
والدافعان في حالة صراع متواصل ، الامر الذي يعني ان مخاطبة الضمير
ربما لا تكون الوسيلة الوحيدة الممكنة في جميع الحالات للتقويم
وحفز التقدم بل لابد في حالات اخرى من كبح ميول الشر عن طريق
الثورة .
وفي صدد هذا البحث لا يغيب عن الذهن موضوع الشرعية الذي غالبا ما
يبرز قضية متعلقة بالوسيلة المستخدمة لتحقيق التقدم . فاذا كان
القرار الحر المعبر عنه بالوسائل المعروفة ومنها الانتخاب اساسا
للشرعية فذلك لا يمكن اخذه كحالة مبتورة عن اصولها في الفكر
السياسي . بنيت الديمقراطية السياسية في الغرب على مجموعة افكار
كانت الثورة بضمنها . فالتيار الفكري المعروف بالعقد الاجتماعي
والقانون الطبيعي الذي طوره جون لوك في انكلترا كان اساسا للثورة
المجيدة في 1688م وللنظام البرلماني الذي تبعه وكتابات جان جاك
روسو والاخرين قد مهدت للثورة الفرنسية وكتاب توم بن( الفهم
المشترك) كان اساسا للثورة الامريكية . جميع تلك النظريات اكدت حق
المجتمع ان يثور على الدولة اذا ما اخلت بالعقد الاجتماعي واخفقت
في المحافظة على الحقوق الطبيعية التي قامت الدولة اصلا لحمايتها .
اذن فالثورة مفهوم يقع في صلب النظرية الديمقراطية ويشكل اساسا
للشرعية عندما يخفق الطريق السلمي .
المطلوب من السياسيين والمثقفين العرب الذين يتحدثون اليوم بمنطق
(الوحدة لا تفرض بالقوة ) ان يتذكروا انهم بمثل هذا الكلام يقعون
في تناقض فالاستقلال الوطني الذي قامت على اساسه الدولة القطرية
التي ورثوا الحكم فيها الان قام على اساس الثورة ضد الاجنبي المحتل
. وفي التاريخ العربي الحديث العديد من الثورات ليس من المصلحة ولا
من السلامة الفكرية استبعاد صفة الشرعية عنها ابتداء من ثورة عرابي
الى ثورات تموز في مصر والعراق وجميع ثورات التقدم الاخرى التي
حدثت في الاقطار العربية . حقا ان كلام (الوحدة لا تفرض بالقوة)
بالاضافة الى كونه كلاما باطلا اريد به باطل فانه عندما يحلل فكريا
ويوصل الى نتائجه المنطقية ينكشف الخطأ الذي ينطوي عليه . فاذا كان
من المنتظر ان يصدر ذلك عن حاكم الدولة القطرية بدافع المصلحة
الخاصة وعن المتأثرين بالثقافة المعادية الا انه لم يكن منتظرا ان
يتأثر به بعض القوميين اذ لا اظنهم يعرفون مدى التناقض الذي يقعون
فيه عندما ينادون بوحدة الامة ويضفون صفة الشرعية على وضع التجزئة
ولا يدركون فداحة استبعاد الشرعية عن ثورات التحرر التي حدثت في
التاريخ العربي وفي مقدمتها النهضة الاسلامية .
ولكن ماذا يعني ذلك والى اي مدى يوصلنا في المسعى لحل اشكالية
الوسيلة؟ ما الوسيلة لتحقيق الوحدة وبناء الدولة القومية ؟ الوسيلة
موضوع من مهمات العقل . ولجلاء هذه المسألة اود القول ان نقطة
البداية كانت تنبه الضمير والشعور بالذات والتعرف على الهوية مما
يمكن ان نسميه بالوعي القومي .
ونقطة البداية هذه تتعلق بضمير الانسان الذي هو موضوع المثل العليا
والجانب الاخلاقي فيه . وبعد ان يتضح الاتجاه يأتي دور العقل كأداة
للتحليل والنظر في الامور والمقارنة واستنباط الحلول اي بناء
النظام .
فعندما يجري تقييم الظروف المحلية وتحليل موقف الدول الكبرى
المؤثرة في شؤون المنطقة يظهر مدى التعقيد الذي تنطوي عليه قضية
الوحدة العربية .
فالمشروع قضية مهمة للمنطقة وينطوي تحقيقه على احداث تغييرات
جوهرية في حياة العرب من جميع الوجوه والتغيير هذا ينطوي على عملية
هدم وبناء شأن كل تغيير جذري في التطور الاجتماعي . وعملية الهدم
والبناء تعني نفعا لبعض المصالح واضرارا بمصالح اخرى محلياً
ودولياً . وعندما يكون العقل هو وسيلة الحلول واستنباطها فانه لابد
ان يوصل الى الاستنتاج المنطقي ان ظروف الصراع توجب تعدد الوسائل
وتباينها اي استخدام منهجية التعدد والانتقاء اي ان يكون لكل حالة
ما يناسبها . فالاقناع وتنمية الوعي وتغيير الافكار وكل مايقع في
مجال اثر الثقافة احدى تلك الوسائل والمواقف السلمية والاقدام
الطوعي والاختيار الحر معربا عن نفسه بشتى وسائل التعبير وسيلة
اخرى . وربط الوشائج الاقتصادية والمصالح المادية ونسج العلاقات
الانسانية والاجتماعية وكل ما يتفرع عن ذلك وسيلة من الوسا ئل
المؤثرة لابد من استخدامها . والضغط المعنوي والتأثير النفسي وعقد
التحالفات بمختلف المستويات الاجتماعية في داخل المجتمع وعبر حدود
الدولة القطرية وسيلة ممكنة الاستخدام ايضا . كما ان الثورة وسيلة
لكبح مؤثرات الشر ومواقف العناد والانحراف والخيانة امر ممكن
وضروري في بعض الحالات وهكذا . وفي كل الاحوال المشروع القومي له
روح هو الحرية واحترام كرامة الانسان لذلك فممارسة حق الثورة موضوع
نضالي ودولة الوحدة التي يهدف لبناءها دولة ديمقراطية تقوم على
الارادة الحرة للمواطنين .
وهنا لابد من المرور بايجاز ببعض الامور التي من شأنها ايضاح جوهر
القضية المسماة (نظرية العمل) . الامر الاول هو ان هذه النظرية
ابعد ما تكون عن استخدام الحل الجاهز او القانون الرياضي فهي تبدأ
من فهم الواقع على حقيقته ورفض التبسيط الذي يميل اليه بعضهم
للسهولة او للنقاء النظري . وعوضا عن ذلك فهي تتجه نحو الامر
المعقد وتقبل التعامل معه على ما به من صعوبة وتعب ذهني ، فالامر
المعقد يناسبه حل معقد ايضا . الامر الاخر هو ان موضوع الوسيلة
يتطلب قدرة قيادية اكثر مما يحتاج الى استنباط قانون رياضي والقدرة
القيادية المقصودة هي القدرة التي تستطيع وهي تستلهم المبادئ ان
تؤدي وظيفة تعتمد على قدرتها الذاتية في اختيار الوسيلة الملائمة
لكل حالة محققة التلاؤم المطلوب مع ظرف الزمان وظرف المكان .
فالقدرة على الانتقاء والمرونة في التطبيقات واجراء التغيير اللازم
من ظرف لاخر ومن مكان لاخر هي ما ندعوه بالقدرة القيادية .
ومن القضايا المثيرة للنقاش موضوع قديم جديد يتعلق بالقيادة ففكرة
القومية العربية التي تطورت الى حركة تقدمية وصلت الى الجماهير
وحددت الهدف ببناء الدولة القومية بمختلف الوسائل المتاحة قد دخلت
مجال العمل .
والعمل يعني التعامل مع الوضع العربي المادي والمعنوي . وبذا ظهرت
اهمية قضية القيادة التي هي في جوهرها قضية عملية بما تنطوي عليه
من نشاط في التعبئة والتنسيق وتوجيه القوة الفاعلة لانجاز عملية
الهدم والبناء التي ينطوي عليها التقدم الحاسم الذي ينتج عن عملية
التوحد . فمثل هذه السلسلة من الجهد البشري لا يمكن ان تسير عفويا
بل لابد من عنصر القيادة ، وذلك شأن كل عملية تنظيم جديد للمجتمع .
بعض المنظرين صاغ ذلك بمفهوم محدد سماه الاقليم القاعدة وهو موضوع
عاد الى دائرة الضوء بعد العدوان على العراق . ولا اقصد في هذا
المجال تناول هذا المفهوم بما يتطلبه من تفصيل في المناقشة فذلك
ليس من صميم غرض هذا المقال ولكن مع ذلك لابد من بعض الملاحظات
العامة عنه .
ان افضل منهجية للنقاش هو الرجوع الى البديهيات واظن اني لا اتجاوز
قواعد البحث السليم عندما اقول ان اي عمل تنظيمي يتناول مجموعة من
البشرلا يمكن ان يستغني عن عنصر القيادة فما دام النشاط يخرج عن
نطاق جهود الفرد فكرا وعملا الى دائرة المجموع وما دام هدف النشاط
تحقيق ما يتجاوز الموجود اي بناء وضع جديد فهو بطبيعته يحتاج الى
عنصر القيادة،اي عنصر التنسيق والتنظيم والتعبئة وصياغة القرار
والاقدام والتحرك من نقطة البداية الى نقطة الهدف .وقياسا على ذلك
وبحدود هذه العمومية هل يمكن تصور العمل من اجل تحقيق الوحدة
العربية بدون قيادة؟ان هدفا بهذه الاهمية التاريخية ووضعا بالتعقيد
الذي عليه الواقع العربي بكل ما ينطوي عليه من قوى مضادة داخلية
وخارجية،مادية ومعنوية لا يمكن ان يسير الا بقيادة مهما كان
تعريفها والمادة التي تتكون منها .
الامر الاخر المتصل بمفهوم القيادة هو حديث القيادة الجماعية
مقابل ما هو غير ذلك.وهنا ايضا لابد من التمسك بالبديهيات .فيجب ان
لايغيب عن الذهن ان الامة لا تتحرك لتحقيق اهدافها القومية مرة
واحدة وبصف واحد كما يتحرك طابور الجيش فتلك صورة مصطنعة غير
واقعية لتحرك المجتمع فالنهضة تبدأ في جزء من الامة وليس
كلها.وبعبارة اخرى ان صفات التقدم كالاستعداد والقدرة والصفات
المادية والمعنوية عند الافراد ليست متساوية وليس ظهورها متساويا
لذلك هناك من يتقدم الصفوف ومنه تكون مفهوم الطليعة. اذن فتقدم
الصفوف ظاهرة موجودة في كل نشاط انساني لا سيما النشاط المتعلق
بالتقدم وكما ان الحركة القومية بمجملها هي طليعة كذلك لابد من ان
يكون في الحركة نفسها طليعة وان يكون للطليعة طليعة اصغر وهكذا.ومن
ذلك كان مفهوم القائد.وتأسيساعلى ذلك نقول ان نظرية العمل لتحقيق
التوحيد العربي لابد من ان تأخذ امرا مسلما هو ان مسألة الطليعة
تتضمن فكرة نقطة البداية وكل عمل نضالي لابد ان يكون له - في مجال
التنفيذ نقطة بداية ونقطة البداية هذه تكون حيثما تكون الامكانية
والطاقة والاستعدادوذلك امر لا يلعب الاختيار فيه دورا فنحن لا
نختار ان تكون نقطة البداية هنا وليست هناك فهي تظهر حيثما تتوفر
شروط ظهورها كما اننا لا نختار ان يكون القائد هذا او ذاك فالقيادة
تظهر عند من تتوفر فيه مؤهلات القيادة وهكذا.اذن فالصفات الموضوعية
وليس القرار الكيفي هي التي تقرر من هي الطليعة او من هو القائد او
اين هي نقطة البداية .طبعا ان شيئا من المعرفة الذهنية يمكن ان
يتكون عن الصفات الموضوعية وبالتالي يستطيع التحليل والبحث النظري
ان يلقي ضوءاً على اتجاه المستقبل اي التنبؤ بهذه التطورات ولكن
ذلك امر مختلف عن اخضاعها للقرار الكيفي خارج حدود الشروط
الموضوعية.ونقطة البداية لتحقيق الوحدة تعني مفهوماً محددا هو
الفكرة والجهد لتحقيقها.في التاريخ العربي الحديث تبلورت نقطة
بداية في اربع حالات(مع الفوارق) في مصر محمد علي واخرى في الحجاز
متمثلة بالثورة العربية وثالثة في مصر عبد الناصر وهي الآن في
العراق.في جميع هذه الحالات كانت هناك نقطة بداية تمثلت بقيادة
عبرت عن استعداد تمثل بجهود وامكانات من اجل المشروع القومي،وفي
جميع هذه الحالات لم يكن الاختيار هو الذي قرر مكان نقطة البداية
او زمانها بل الشروط الموضوعية.طبيعي ان نقطة البداية لم تكن واضحة
الاهداف في جميع هذه الحالات كما لم تكن متماثلة لا فكريا ولا
ماديا.اما الى اين يصلنا هذا النقاش فالجواب هو ان مشروع الوحدة
يحتاج الى نقطة بداية وهو امر طبيعي وهوان ظهر هنا ولم يظهر هناك
او في هذا الوقت وليس في ذاك فيجب الا يكون موضوع اختلاف بين
القوميين وان حدث فهو نقاش مصطنع ناتج عن خطأ في التفكير او هوى في
النفس .ولكن ذلك لا يعني انه لا يوجد شيء للبحث في موضوع نقطة
البداية فتصور الافكار امر مطلوب وتحديث المفاهيم في اتجاه الدقة
والجدوى والفاعلية مهمة من صميم العملية النضالية.
وللخروج من العام الى المحدد ولتركيز الملاحظة على الوضع العربي
الراهن يتبين ان جوهر التناقض القائم في الوطن العربي لا يدور حول
قضية الدولة القطرية بل حول قضية الوحدة العربية والقومية
العربية.كان ذلك في الماضي ايام سايكس بيكو ووعد بلفور ولايزال
وسيبقى ما دامت المطامع الاستعمارية والصهيونية باقية .وجود الدولة
القطرية لا يشكل بحد ذاته موضوع تناقض من وجهة نظر قوى الاستعمار
والصهيونية فهي مهما كانت وعملت تبقى في ضمن امكانية الاحتواء وغير
متناقضة مع تلك المطامع .اما القومية العربية ومشروعها لتوحيد
الامة فهي غير ذلك تماما .انها حتما تصطدم مع تلك المطامع لذلك فهي
المستهدفة مهما كان نظامها وكائنا من يكون القطر القائد لها
.فالفكر القومي الذي كان من القوة والفاعلية بحيث كون له قاعدة في
العراق ،قاعدة ذات ارادة وذات امكانيات لتفعيل تلك الارادة هو الذي
استهدفه العدوان وهو امر لا تخفيه الدول التي قامت به ولا مؤسساتها
الثقافية والاعلامية.قال جورج بوش في 2 تشرين الثاني 1990 ما نصه
اننا نسعى الى ازالة خطر القوة العراقية من المنطقة اساسا وانه
فضلا عن القوة التقليدية فاننا نريد تصفية الامكانيات العراقية
المتطورة..وان هذا الهدف لن يتغير حتى اذا قرر الرئيس العراقي سحب
قواته من الكويت وحتى توحيد قطر عربي واحد - كوحدة اليمن قد استثار
المقاومة من دول الاستعمار والصهيونية لانه خطوة في الاتجاه القومي
لذلك تولت الدولة القطرية مهمة محاولة الاجهاز عليه بالنيابة .
- 6 -
بقي السؤال الاهم:ماذا عن المستقبل؟الماضي هو كل الذي حدث حتى نقطة
الحاضر والمستقبل هو كل الذي سيأتي ابتداء من هذه النقطة .وبذلك
يندمج الحاضر بالمستقبل ويكون بداية له .فما المهمات التي تتوجب
علينا؟للاجابة عن هذا السؤال ترد الملاحظات الاتية كاغناء لما يمكن
ان نطلق عليه نظرية العمل :
اولا - على الصعيد الفكري هناك ضرورة لهجوم معاكس يبدد اثار
الثقافة المعادية التي تتولى المؤسسات الغربية والمؤسسات العربية
التابعة لها نشرها بشكل مادة ثقافية واعلانية خلاصتها الاستحواذ
على الفرد العربي من داخله واقناعه بالتخلي عن هويته وشخصيته
واقتياده للقبول الكامل بالغرب سياسيا وحضاريا .وقد سبق لي ان
اقترحت تأسيس رابطة يتشكل منها الاطار التنظيمي للهجوم المعاكس
تدخل فيها جميع المؤسسات الثقافية القومية الواعية لخطر الثقافة
المعادية وما زلت ارى فائدة وامكانية لتحقيق ذلك لا سيما ان بعض
المؤسسات التي عرضت عليها المقترح اجابت بالموافقة وبعضها الاخر لم
يجب حتى الان الا ان ايا منها لم يعارض.هناك حاجة الى نضال ثقافي
لتجديد الفتوة في الفكر القومي وتوسيع دائرة الوعي واحباط الجهد
المعادي .
ثانيا - في مجال العمل الجماهيري لا مناص من التوجه الى مواضع
الحيوية في المجتمع وقواه الحية الفاعلة.واستقراء تاريخ النهضة
العربية الحديثة يشير الى ان مناعة الشخصية المستقلة تكمن في
الحركة القومية وفي الشعور الاسلامي،ويتمثل ذلك الان في تيارين
سياسيين لم يكن من المبرر لا فكريا ولا سياسيا ان يكونا مختلفين
ولكن الاختلاف موجود.ان صفات الحيوية وروح الرسالة والاستعداد
للتضحية وتوفر القوة المادية الروحية صفات متوفرة الان في هذين
التيارين وكلاهما واحد في الجوهر الفكري وان ادى العمل السياسي الى
الاختلاف.ان حوارا صبورا مبنيا على حسن النية وادراك متطلبات
الواجب وعظم المهمة وعلى المرونة والانفتاح والاهتمام بالمستقبل،ان
حوارا على هذه الاسس للتوصل الى التوافق والعمل المشترك امر ضروري
.ومن اجل ان يتم ذلك - وعلى الاسس نفسها وانطلاقا من ذات الصفات -
لابد من حوار داخلي في كل من هذين الاتجاهين للتوصل الى الالتئام
والتوافق.الحوار القومي الذي كانت له سوابق مهمة ضرورية ايضا وان
البدايات يجب ان تتواصل للوصول الى الغاية نفسها :التوحيد .
والحصيلة النهائية للحوار وجهود التلاؤم في داخل كل من الاتجاهين
القومي والاسلامي وما بينهما يجب ان تكون بناء جبهة عريضة في طول
الوطن العربي تجتمع فيها كل القوى الحية بما فيها الاحزاب السياسية
والمنظمات على اساس هدف مشترك واحد هو العمل من اجل تحقيق الوحدة
العربية بغض النظر عن كل ما هو مختلف عليه عقائديا وسياسيا وبغض
النظر عن المواقف في الماضي.ان فكرة الجبهة هذه ليست جديدة الا ان
بناءها في هذا الظرف اصبح مهمة ضرورية .
ثالثا - وفي مجال العمل السياسي علينا نحن القوميين انطلاقا من
الواجب والشعور بالمسؤولية والتجرد من الاعتبارات الذاتية ان نتجه
الى ما هو مجد في تعبئة جهودناوتنسيق عملنا القومي،وتتطلب التعبئة
والتنسيق وتجنب هدر الامكانية ان يتجه عملنا الى تقوية القاعدة
القومية التي تكونت في العراق والمهمة الاولى في ذلك هي مقاومة
الحصار المفروض عليه بكل الوسائل لتحرير هذه الطاقة القومية التي
تكونت من اجل الامة ومشروعها القومي .
رابعاً - وجوابا عن سؤال من يسأل عن الخطوة الاولى في طريق الوحدة
اقول بان مشروع الوحدة مشروع تغيير عميق في اوضاع المنطقة يتأثر به
كل العرب ويمتد اثره الى العالم لا مناص ان يتحقق بالتدريج
.والتدريج يعني الامتداد في المستقبل ولكن المستقبل مفهوم غير محدد
لاننا لا نستطيع معرفة نهايته كما نعرف بدايته .
ويعني ذلك ان مشروع الوحدة لا يكون مهمازا للحرية والاندفاع الا
اذا اتضح جزء من ذلك المستقبل في الاقل.وبعبارة اخرى الا اذا عرفت
خطوة من خطواته في الاقل من اجل ان تكون الهدف المباشر للنضال.انني
ارى ان الخطوة الاولى هي انشاء دولةاتحادية من العراق وسوريا
والاردن وفلسطين(وربما لبنان بوضع خاص) في المستقبل لا البعيد ولا
الاني . هكذا ارى الخطوة الاولى المرئية للنضال القومي حدساً له
بعض المبررات .تلك هي البداية التي يمكن الاشارة اليها الان ان ذلك
لا يعني انه لا يمكن او لا يجب ان تقوم اية خطوة اخرى في مكان اخر
من الوطن العربي .فالوضع العربي متحرك وقابل لشتى الاحتمالات .
وحتى هذه الخطوة هناك ما هو اقرب منها وهي ان تفكك الدولة القطرية
السجن الذي يحبس الامة بالغاء القيود المفروضة على نشاطه وذلك
باطلاق حرية التنقل والاقامة والعمل والانجاز والاستثمار والدراسة
وشتى اصناف النشاط الاقتصادي والاجتماعي لتستطيع الامة ان تتفاعل
وان تتكامل وان تتقدم .ان الاطار القانوني لكل ذلك متوفر لحد بعيد
في الاتفاقيات والمؤسسات التي قامت بضمن الجامعة العربية وما هو
غير موجود فيمكن ان يوجد ففيه تتحقق مصلحة الجميع ومنه تبدأ عملية
حل التناقض بين الامة وبين الدولة القطرية .