مرحباً ياعراق

 ( العْـزَيزَة )

 حسين الربيعي

                                         

في السجن سمعت لأول مرة عن شيء أسمه العزَيزَة ، ففي سجن الموقف العام في سجن أبي غريب ، الذي تغير أسمه لاحقاً إلى سجن الأحكام الخاصة حيث كنت ورفاقي نقضي فترة حكم وفق المادة 194 ق.ع بسبب معارضة النظام السابق أواسط السبعينات . وكان أسم (العزًيزة) يتردد مع كل مشادة أو عراك بين السجناء ، فسرعان ما تسمع الأكثرية تنادي : دورو على العزِيزة ؟؟ وحينما سألت عن ماهية العزِيزَة .. عرفت أنها قطعة عظم يعتقد أن لها تأثير (سحري) على أيقاع الخلاف بين العوائل والأحبة والأصدقاء .

والزعيم الهندي الخالد الذكر المهاتما غاندي له مقولة عظيمة وهي :

إذا تشاجرت سمكتان في جوف البح ، أبحث عن الأستعمار .

وعلى شاكلة هذا الكلام .. أرتفعت أصوات الشرفاء العراقيين وأخوانهم العرب والمسلمين ، وأصدقائهم من بنو البشر : أن تحذروا من فتن الأعداء ، ومن حالة الخصام ودعوات الأنقسام .. فالعزِيزِة ظاهرة لاتحتاج لجهد البحث عنها ، تلك هي دون شك (أمريكا) وإدارة احتلالها للعراق من قوات عسكرية ، ومؤسسات أعلامية وأعلانية دعائية ، وأوكار تجسسية ، و(مراكز) أغوائية للنفوس الضعيفة من (الفعفاع وعواع هاع لآع) ومعناها باللغة العربية الأكثر جبناً وفقاً لـ (فقه اللغة وسر العربية ) للثعالبي ، تلك المؤسسات التي تحرض العراقيين على بعضهم وتفتتهم للمزيد من الملل ، كما توقعهم في العديد من العلل .

البعض من القلة ممن حسبوا جوراً من العراقيين ، لايشاركون الغالبية العظمى بأن أمريكا أشساس البلوى ورأس الأفعى ، وذاك شأنهم ، ولكنهم يتصورون بجهالة أنهم قادرون على فرض أرائهم الساذجة التي صاغتها حفنة من الدولارات على الناس ممكناً تحت دواعي وعناوين ديمقراطية بوش التي تنفذها آلته الحربية الفتاكة التي أوقعت بمئات الألوف من العراقين شهداء وأرامل ومعوقين وأيتام .. وأطلال مدن وبيوت .. وركام مدارس ومستشفيات .. وشوارع خاوية .. وكلاب متوحشة تأكل أجساد الأبرياء المتساقطة فوق المزابل ومجاري المياه الثقيلة وعند حافات الأنهار ... وغيرها وغيرها من الذي يعجز القلم عن ذكره .

فهل حقاً أن أمريكا لم تكن تملك خياراً لأسقاط صدام حسين سوى الحرب ؟ كما أدعى الناطق الرسمي للحكومة العراقية .. أم أن الغاية شن الحرب ضد الشعب العراقي لإسقاطه من قائمة الشعوب والأمم ، ودفن العراق نهائياً في مقابر الفدرالية الجديدة أحدى أهم رموزالشرق الأوسط الجديد ؟

ورغم أن لدينا الأدلة والبراهين على أن أمريكا كانت تملك الكثير من الخيارات غير الحرب القذرة هذه ، بل ولدينا من شهادات وبيلنات الحركات السياسية والعسكرية المعارضة لصدام أن أمريكا نفسها خربت وعطلت تلك المشاريع الوطنية ، بل وقايضت بعضهل مع صدام حسين لغرض الحصول منه على المزيد من التنازلات ؟ !

 وهؤلاء المدافعين عن جريمة أمريكا على علم بكل ذلك بدليل أن أحدهم قال أن الملايين من الأبرياء القتلى والمشردين ثمنٌ طبيعي (لوصولنا إلى السلطة) ، ولكنه في الوقت نفسه يتعاطف مع قتلى الأحتلال .. إذاً كان صدام واسلحة المار الشامل وغيرها مبررات لإبادة الشعب ووضع العراق على طريق السقوط .

ولكن يبقى تسأولنا الأخير عن معنى السلطة التي تربع عليها هؤلاء (المساكين) ، فهل تستطيع أعمدتها أن تصمد أمام هذه الأكوام المتعالية من الجماجم ، وغضب نتانة الموت ، وأحيح المظلومين العراقيين الذين ما باييعوا غير الله نصيراً لهم .. فمن أقدر من الله نصراً للمؤمنين الصابرين .  فهنيئاً لهم السلطة المتسلطة بسيوف الرذلة ، وهنيئاً لنا الشهادة ، ولشعبنا ووطننا وأمتنا وديننا العزة والكرامة .

نشرت جريدة العربية التي تصدر في بغداد بتاريخ 29/3/2008