مرحباً يا عراق

(الضيوف) الثقلاء .. والزيارة المشؤومة

 حسين الربيعي

في العشرين من شهر أذار ، ومنذ نصفِ قرن ٍ من الزمان .. نستذكر فيه الحرب الأمريكية القذرة ضد الشعب العراقي .. وأهمية الذكرى أنها تؤكد أن هذه الحرب التي بدأت في ربيع 2003 وتحت مدعيات (أسلحة الدمار الشامل) و (الديمقراطية) لم تنتهي لحد الأن ، ولكن الذي أنتهى فيها أو منها إدعاءاتها الأولى وحلت محلها دعاوي وأدعاءات وعناوين آخرى .. أهمها على الأطلاق ، محاربة الإرهاب !!!

والإرهاب هذا يُتهم فيه كل عراقي لايحمل جنسية مزدوجة مع دول الأحتلال .. ويبقى هدفاً مستمراً لبنادق المحتلين الغزاة وأسلحتهم الفتاكة والمدمرة والوحشية ، ولأن الحال هكذا وأن على (جنود التحرير) مواجهة الملايين من هؤلاء (الإرهابين) ، لكون التمييز بينهم أصبح أعقد من مهمة لجان التفتيش على الأسلحة (الدكتاتورية) أيام النظام السابق ، حيث عجزت تلك اللجان عن فهم كنهه ومضمونه المرتبط دائماً بالعقل الوطني ذو الكرامة العربية العريقة ، لذلك فقد كانت بغداد على مر التأريخ مقياساً ومعياراً في أي عمل أنساني ، كما لها الدور اليوم في تحديد معايير السياسة الأمريكية مع العالم ، ومعايير السياسة الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية .

لذلك فإن زيارة (ماكين) التي أسندتها ودعمتها زيارة (تشيني) للمنطقة بدأت من بغداد المحتلة لتحمل مضموناً لرسالة محددة في إطار مسعى معين ، مفاده (الضغط) على الحكومة العراقية (المحرجة) جداً بسبب أزدواجية نظرتها .. فهي على العموم تملك عينان .. أحداهما على أرتباطاتها (المذهبية) خصوصاً مع آية الله العظمى السيد علي السستاني (والذي كما فهمنا أنه حفظه الله يعارض إبرام أتفاق مع الولايات المتحدة لبقاءٍ طويل لقواتها في العراق) ، وبين ما تحمله العين الثانية من خوف على السلطة والنفوذ والأمتيازات والمكانة الوظيفية التي يتمتع بها أفراد الحكومة من خلال (التعاون) مع إدارة الأحتلال وإدارة البيت الأبيض .

 ولذلك فقد جائت الأجراءات الأمنية (لقوات الأحتلال) أثناء جولة (ماكين ـ تشيني) ، وكأنها توحي بحسم الأنتخابات الرئاسية الأمريكية ، وأنه أنتهت بفوز (ماكين) الذي يريد إبقاء قوات الأحتلال في العراق لمئة عام قادمة . وأن بيده هذا القرار .. لأنه بات على بعد أمتار إن لم يكن سنتيمترات عن كرسي رئاسة (البيت الأبيض) ليبصم فوق طاولة (الرئاسة) على على قراره (المئوي) هذا .

ماحدث في بغداد (تزامناً مع الزيارة) .. وعند نفق الجسر المعلق في الكرادة  (وربما غيره من المناطق) .. يندى له جبين الكرامة الوطنية ، فقد أدت تلك (الأحترازات) لمنع الناس من المشي وحجزهم لأكثر من ساعتين تحت أشعة الشمس وتهديد السلاح الأمريكي وعنجهية الجنود الحاقدين على صلابة المواطن العراقي الذي تحول في عقولهم المريضة لكابوس مخيف .

لاأدري هل هم لايعرفون أن المزيد من التحامق الذي يظهرونه في وجه الناس (خصوصاً من ذوي الحاجات الخاصة) ، وتهجمهم وصياحهم الأجوف ... عوامل مساعدة على أزدياد الرغبة الجماهيرية للتخلص منهم اليوم قبل الغد .. بل الأن أفضل من بعد ساعة ، فالكل (حيث لم يعد بسطاء وطيبون .. بل ربما هناك عملاء ومغفلون) أن الغزاة الأمريكان جاءوا لتحليلنا ( وفق العملية الكيمياوية أو الفسيولوجية) وليس تحريرنا وفق المفهوم السياسي .

ومن المفارقات والنوادر أن (السيد محمود المشهداني) كان حاظراً بقوة بين جموع المواطنين المحجوزين ، حيث تمنى الجميع أن يكون آنذاك جليسهم ... فقد يقنعهم على فكرة أن العراق ليس بلداً محتلاً .. أو يقنعوه (من خلال التجربة العملية) بأنه قد يكون يعيش في بلد آخر ليس هو العراق !! فقد قدمت شاحنة عسكرية عراقية صغيرة ، وألتفت الأعناق نحو مصدر أزيز صفارتها ، وكان حوضها مملوءً بعددٍ من الجنود ، وكانت الشاحنة مسرعة (كالعادة) لأنها تستغل الجهة الخالية من الشارع (رونك سايد) .. ولكنه سرعان ماتسمرت فوق مكانها .. إثر أومائة (غريب) يتسيد علينا .. فهل تسيد (بضيافته) الوطن وأهل الوطن ؟ أم تسيد بالقوةِ والأحتلال والظلم الذي فرضه على الوطن .. وأهل الوطن ؟

لم يترك سائق الشاحنة مجالاً للشك ، فتوكل على الله ليدير مقود شاحنته بالسرعة التي يتمكن منها ويعود بها وبحياته لمأمنها ، فما كان من أحد الواقفين قد صاح بآعلى صوته : ها يابا .. شو رجعتوا ؟  فرد عليه أحد الجنود من فوق حوض الشاحنة : قابل أحنا نختلف عنكم ؟ وظل السؤال يواجه سؤالاً آخر لن يستطيع غير المشهداني أن يرد عليه .

إذاً تعالوا نعود لزيارة (الضيوف الثقلاء) ماكين ـ تشيني ونستفهم معناها ومغزاها؟ أن إلغرض من  الزيارة الإعلان أن الحرب الأمريكية على الشعب العراقي ، لم تكن قراراً فردياً أوجماعياً لإدارة بوش وحدها ، ولكنه قرار أمريكي جماعي للمؤسسة الأمبريالية التي تدير الحياة السياسية والعسكرية والأقتصادية في الولايات المتحدة، وتعني كذلك الإعداد لتسليم (رايتها) لوجهٍ جديد ، وسفاح آخر ، لكي يواصل المشروع الأستعماري الجديد ، وتعني كذلك .. إن العراق قاعدة لهذا الأستعمار الذي يريد أن يحول العالم إلى ملكٍ صرفٍ لها .

 ولذلك فإن القادم الجديد (ماكين) الذي يريد أن يصور نفسه وكأنه النمر الذي يستطيع تحمل مسؤولية إكمال المشوار الأمبريالي في العراق ، والأنطلاق منه لباقي أنحاء المنطقة والعالم .. وهذا هو السبب وراء أصراره إبقاء قواته في العراق لمئة عامٍ قادم ، ولكن يمكرون ويمكر الله أن الله خير الماكرين ، ودعونا نستخدم المثل الشعبي المصري لنرد على (ماكين) ومن قبله على المؤسسة الأمبريالية ... ومن خلفه على المترددين .. أن مبتغاهم (عشم أبليس في الجنة)  .  

 ستنشر جريدة العربية التي تصدر يوم 22/اذار مارس /2008 في بغداد