أحمدي نجاد في العراق بموافقة جورج بوش
هارون محمد

لا يمكن للرئيس الايراني أحمدي نجاد ان يزور العراق وهو يرزح تحت وطأة احتلال امريكي غاشم وبغيض، وينتشر فيه مئة وسبعون ألف جندي أمريكي، بمعزل عن الموافقة الامريكية لسبب بسيط جدا يتمثل في ان سلطات الاحتلال بشقيها السياسي والدبلوماسي بادارة السفير رايان كروكر، والعسكري بقيادة الجنرال بتراويس،
هي صاحبة القرار الاول في العراق منذ قرابة خمس سنوات، أمنيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا، وبالتالي فانه من المستحيل ان يبادر جلال طالباني ويدعو رئيس دولة أجنبية مثل ايران، لها خلافات معلنة ـ كما يقال ـ مع ادارة بوش لزيارة العراق، الا بعد أخذ الضوء الاخضر من واشنطن والتفاهم مسبقا مع ممثليها في بغداد.
وعندما قلنا في أكثر من مناسبة سابقة ان ثمة مشتركات امريكية ـ ايرانية في العراق عقب التاسع من نيسان (ابريل) 2003 ، ظهر الكثير من أشكالها وسياقاتها في السنوات القليلة الماضية، والمستقبل القريب كفيل بكشف البقية الباقية، فاننا كنا ننطلق من جملة معطيات سياسية ووقائع ميدانية علي الارض، أبرزها ان الامريكان الغزاة مستمرون في تعاملهم اليومي مع أتباع وأحزاب وموالي ايران في العراق وتعتبرهم حلفاء طبيعيين في مواجهة المقاومة والبعثيين والسنة العرب، علي حد وصف ساخر للدبلوماسي الامريكي السابق واين ويت الذي رأس دائرة الابحاث والمخابرات في قسم العراق بوزارة الخارجية الامريكية خلال تولي كولن باول لها عامي 2003 و2004، الذي أضاف ايضا في مقابلة أجراها معه المحلل الامريكي لشؤون الشرق الاوسط روبرت درايفوس ونشرها في دورية امريكية مؤخرا ضمن كتاب سيصدره قريبا يتناول فيه التغاضي الامريكي عن التدخل الايراني في العراق: ان الايرانيين تدفقوا علي العراق بعد ايام قليلة من احتلاله بمجموعات وقوافل منظمة لان الحدود بين البلدين كانت مفتوحة تماما، وعدم اهتمام القوات الامريكية بالامر، وهو ما سهل لايران ان تؤسس نفوذا سياسيا ودينيا لها في جنوب ووسط العراق. طبعا لم يشر المستر ويت الي ان زميله السفير الفاشل بول بريمر الذي عينه الرئيس بوش حاكما مطلق الصلاحيات في العراق هو الذي حل وحدات الحدود العراقية وكانت رغم قلة اسلحتها ومعداتها لا تسمح بدخول أرنب ايراني الي الاراضي العراقية.
والمثير في الامر ان السيد نجاد الذي كان في وقت سابق قد اتهم المتعاونين مع المحتلين في بغداد، بانهم فجرة وفسقة، قالها في وجه نوري المالكي في زيارته الي طهران مطلع العام الماضي، نراه اليوم أكثر رغبة للقاء مع اولئك الفجرة، وأكثر حماسة للاجتماع مع الفسقة، مع ان الوجوه هي هي لم تتبدل او تتغير، وموقفه الجديد في زيارة العراق المحتل من قبل الاستكبار العالمي وفق الوصفة الشيعية، يبدد الكلام الثوري الذي ما انفك الرئيس الايراني يردده يوميا ضد الامريكان الذين قال فيهم الكثير وهو علي حق بالتأكيد ولكن يفترض به ان يجسد أحاديثه عن الاشرار كما ينعتهم علي أرض الواقع، ويرفض ان يذهب الي بغداد والنجف وكربلاء بحماية المارينز وحراسة الهمرات، أما ان تعلق أوساطه بان الزيارة العراقية هي تحد للامريكان في عقر احتلالهم فلا نعتقد ان عاقلا سوف يصدق هذه النظرية غير المسبوقة في منطق السياسة، خصوصا وان السفير الامريكي كروكر اوضح في آخر تصريحات له عندما سئل عن زيارة أحمدي، بان بلاده ترحب به في العراق وتأمل ان تسفر عن اتفاقات علي قضايا التعاون الثنائي المشترك، ومرة اخري فان الاعتقاد السائد لدي الكثيرين من العراقيين بان هذه الزيارة وفي هذا الوقت، تفتح آفاقا جديدة في التفاهمات الايرانية ـ العراقية بشأن العراق تكمل جولات التفاوض المشتركة حول العراق التي أنهي السفيران كروكر وكاظمي قمي ثلاثا منها والرابعة في الطريق قد تبدأ خلال او بعد الزيارة النجادية.
ان أخطر ما في زيارة أحمدي نجاد الي العراق انها تحمل رسالة تشف بالعراقيين وكأنه يخاطبهم وهو في بغداد العروبة والاسلام، انظروا الي حالكم الآن كيف أنتم؟
وأنتم من أجبرنا علي تجرع السم، طبعا سوف لن يقول لهم ان ما عجزنا نحن في تحقيقه، حققه لنا (أعداؤنا) الامريكان، ولن يقول ايضا ان فشلنا في تنفيذ حكم الاعدام برئيس العراق الراحل صدام حسين في حادثة الدجيل عام 1982، عوضه لنا المستكبرون في نهاية العام 2006، ولن يقول ان حل الجيش العراقي الذي أخفقنا في هزيمته رغم كثرة حشودنا وقلة عدده علي مدي ثماني سنوات داميات حققه بوش وقدمه هدية لنا، فاصبحنا نسرح ونمرح في المنطقة بقوة، بل ان امريكا ذاتها راحت تخوف جيراننا بنا، فهي انتفعت منا عندما باعت اسلحة ومعدات بالمليارات، ونحن استفدنا منها نفوذا وانتشارا.
وعندما نأخذ الزيارة كزيارة مجردة من دوافعها السياسية فانها تبدو استفزازا لمشاعر الملايين من العراقيين الذين فقدوا أبناءهم واخوانهم وآباءهم في حربين عدوانيتين تعاقبتا علي بلادهم من الجارة المسلمة، والبعيدة المستكبرة، في مشهد يعبر تماما عن مفهوم (التخادم) السياسي المشترك الذي يقوم علي: اذا فشل طرف او دولة في تنفيذ أجندة تخدم الطرفين لاي سبب كان، فان الطرف الآخر يتقدم ويتولي المهمة، والغنيمة للطرفين بالطبع، وهذا ما حصل للعراق في ربيع العام 2003، من قبل امريكا وايران، ونرجو الا يطلع علينا واحد من المتحذلقين في التنظير، وبعضهم محسوب علي القوميين او اليساريين مع الاسف ويقول: لا تخلطوا بين ايران الثورة صديقة العرب وبين امريكا الامبريالية عدوة العرب، والجواب في غاية البساطة هو: نعم الخلط خطأ بالتأكيد، فمشاعرنا مع ايران ندافع عنها في المواجهة مع امريكا اذا حصلت، ولكن ايران في الحالة العراقية، مخربة ومتواطئة مع المحتلين وهي الدولة الوحيدة التي أبدت ارتياحا لاحتلال العراق ودفعت باتباعها وعملائها الي ركوب الدبابة الامريكية او الركض وراءها او اللحاق بها، ولا ننسي عمليات الاغتيال المخططة في طهران التي أزهقت أرواح المئات من خيرة الضباط والطيارين الذين دافعوا عن الوطن وسيادته واستقلاله، وحمــلات المطاردة والتشريد التي طالت الآلاف من القيادات العسكرية والامنية والكوادر التصنيعية المستمرة الي يومنا الراهن بلا توقف.
ولعلها من المسائل المحسوبة ان يسبق نجاد في زيارته الي العراق، زميله ورفيقه في الحرس باقر قالي باف عمدة طهران الذي يزور بغداد حاليا بدعوة من القيادي في المجلس الاعلي وأمين العاصمة العراقية، فهذا الرجل وسيرته المنشورة عنه تشي بانه احد أبطال العدوان علي العراق منذ كان قائد الفرقة 21 واسمها الآخر فرقة الامام الرضا، ومهمتها ارسال متسللين ومخربين وقناصين الي داخل العراق وضرب الجيش العراقي من الخلف، ودور قالي باف معروف في عام 1986 عندما كان قائدا لفرقة نصر ونجح بالتعاون مع قوات البيشميركة الكردية ودلالتها في احتلال جبل (كرده من) الاستراتيجي في شمال العراق لاكثر من اسبوعين قبل ان يسترده النشامي بالدم والتضحيات، ولهذا الرجل ملف لوحده في سجلات مديرية الاستخبارات العسكرية موثقة فيه عمليات التسلل والتخريب والاغتيالات التي قام بها داخل الاراضي العراقية، واليوم يأتي متبخترا الي بغداد ويوقع مع نظيره وحليفه اتفاقية تعاون من ضمنها تبرعه بانشاء (نافورة) مياه ايرانية وسط عاصمة العراق وسيدة مدن العالم هدية من طهران، وكأن البغداديين بحاجة الي نافورته التي هي اشبه بنافورة دم في رقبته ورقبة من دعاه ورتب له زيارته. حتي الرئيس نجاد نفسه الذي أورد بيانات مفصلة عن حياته سجلها في برنامجه الدعائي عندما خاض انتخابات الرئاسة في بلاده قبل سنوات ونشرته العديد من صحف الخليج، وفيها يفخر بانه أمضي عامي 1986 و1987 في الاراضي العراقية يزرع الالغام لقتل جنود صدام ـ هكذا يسمي افراد الجيش العراقي ـ باعتباره قائد وحدة المهندسين في الحرس الايراني في القاطع الاوسط.
ان زيارة أحمدي نجاد الي العراق اذا كانت مقبولة من المحتلين الامريكان ومرحبا بها من القيادات الحزبية الطائفية والعرقية حليفة الغزاة، فانها مرفوضة من العراقيين النجباء الصامدين الصابرين، الذين يقدمون الشهداء يوميا بلا انقطاع دفاعا عن وطنهم وعروبتهم ضد الاحتلال والمتعاونين والمتواطئين معه، ويقدمون أروع الامثلة في التضحية والفداء، وليس في الكلام وترديد الشعارات والهتافات عبر التصريحات العنترية والتهديدات الفاشوشية.