مخططات أمريكية ـ ايرانية مشتركة لاستنزاف النفط
العراقي
هارون محمد
أثبتت الاحداث
السياسية والوقائع علي الارض خلال السنوات الخمس المنصرمة في العراق، ان ادارة
الرئيس بوش، مارست سياسات العتب تارة، وتلويحات الغضب تارة أخري، ازاء ايران
وتدخلاتها ومخططاتها في العراق المحتل، دون ان تجرؤ ولو لمرة واحدة علي اتخاذ
اجراءات رادعة،
وهي تستطيع ذلك بالتأكيد، لوقف مشاريع الدولة الجارة التي استغلت ظروف وأجواء
احتلال العراق الي أقصي الحدود، ووصل الامر بها الي الامتداد في الاراضي العراقية
والهيمنة علي العديد من المدن والبلدات والقري والمخافر الحدودية، حتي انها استخدمت
مباني ومنشآت الاخيرة ونعني المخافر لمنتسبي وضباط حرسها وجندرمتها بعد ان طردت
وحدات الشرطة والحدود العراقية منها، او أجبرتها علي الانسحاب منها، والامثلة كثيرة
ويمكن التوثق منها في محافظات أربيل والسليمانية وديالي وواسط وميسان والبصرة، وفي
مطلع الشهر الماضي زودت ايران تركيا بخرائط عن مواقع لها علي طول الحدود وداخل
الاراضي العراقية في شمال العراق، وأعلمتها بانها ايرانية وليست عراقية، وطلبت منها
الاطمئنان ووقف عمليات تحليق طائراتها التي تطارد مسلحي حزب العمال الكردي التركي
في المنطقة، الذين ينتشرون في المحافظات الكردية الثلاث في الشمال العراقي.
ومسألة سرقة ايران للنفط العراقي التي أثيرت في الاسبوع الماضي ليست جديدة كما
يتبادر الي الذهن، والسكوت الامريكي عليها ليس لغزا، وعمليات السرقة ليست سرية ايضا
او لصوصية، فالمعلومات المتوفرة والمسجلة في وزارة النفط العراقية منذ نهاية العام
2004 تؤكد ان ايران علي سبيل المثال تستخرج نفط منطقة (نفط خانه) في محافظة ديالي
والمحتلة من قبل بيش ميركة حزب الاتحاد الوطني الكردي لوحدها، رغم وجود اتفاقية
مشاركة مع العراق منذ الاربعينات علي استثمار نفط المنطقة ثنائيا، وتقديرات الخبراء
النفطيين العراقيين تفيد ان انتاج هذه المنطقة بلغ في العام الماضي 2007، اكثر من
مئة وخمسين برميل نفط يوميا من النوع الثقيل ـ كما يسمي ـ ينقل الي مصافي همدان،
ومعلومات الوزارة العراقية تشير ايضا الي ان ثامر غضبان وزير النفط في حكومة اياد
علاوي حاول اثارة موضوع السرقات الايرانية للنفط العراقي الا ان توجيهات او تعليمات
صدرت من جهات عدة امريكية وعراقية محلية طلبت اليه طي هذا الملف في تلك المرحلة
لاسباب وصفت بانها تتعلق بالاوضاع الامنية، واوساط علاوي تؤكد الي اليوم ان ايران
شطبت علي اسم اياد ووضعت خطا أحمر عليه ـ حسب رأيه ـ لانه سعي الي تحريض الامريكان
ومطالبتهم بالتدخل لمنع الايرانيين من الاستمرار في سرقاتهم للنفط العراقي.
وليس صحيحا ان ايران استولت علي انتاج خمس عشرة بئرا في منطقة الطيب التابعة
لمحافظة ميسان (العمارة) فقط بعد ان طردت المهندسين والفنيين والعمال العراقيين
منها كما جاء في تقرير لجنة النزاهة وأيدته وزارة الخارجية ببغداد، وانما الصحيح ـ
وهذا مثبت في سجلات وزارة النفط العراقية يمكن الرجوع اليه ـ ان ايران ومنذ نهاية
العام 2003 تستخرج كميات لا يعرف حجمها من آبار عراقية في هور الحويزة علي الحدود
بين البلدين، كانت السلطات العراقية قد حفرتها وانجزتها ضمن توقيع مذكرات تفاهم
رسمية مع الجانب الايراني عقب اتفاقية الجزائر 1975 وحددت سقف الانتاج منها، ثم
تركت طيلة سنوات الحرب الايرانية علي العراق (1980 ـ 1988) ولما اراد العراق العودة
الي اصلاحها واستثمارها في عام 1997 وفق اتفاقية النفط مقابل الغذاء مع الامم
المتحدة، استغلت ايران ظروف الحصار علي العراق وتواطأت مع المنظمة الدولية علي
تأجيل المباشرة والانتاج في هذه الآبار لعدم الحاجة الي نفطها كما قيل في حينه، علي
اعتبار ان الامم المتحدة حددت انتاج وتسويق النفط العراقي بمليوني برميل يوميا، من
نفط حقول الشمال في كركوك والجنوب في الرميلة، وتجنب تشغيل الحقول الشرقية، ويتذكر
الجميع الضغوظ الامريكية التي مورست في نهاية التسعينات علي شركات فرنسية وروسية
ويابانية سعي العراق الي ابرام اتفاقيات معها لاستثمار حقول مجنون والقرنة ومنعتها
من التعاون مع بغداد بحجة اختراق اجراءات الحصار، وقد تبين لاحقا ان ايران فاتحت
تلك الشركات ودعتها الي العمل والمشاركة في حقولها النفطية المجاورة والمتداخلة مع
الحقول العراقية وبتسهيلات غير مسبوقة، والمعلومات في الاوساط النفطية تفيد ان
شركات روسية تقوم منذ عامين بالعمل في حقول نفط ايرانية محاذية لحقول عراقية مهجورة
او متروكة، وأهل النفط يعرفون جيدا أساليب الحفر المائل ضمن رقعة جغرافية واحدة او
مشتركة.
ان النهب الاجنبي للنفط العراقي سواء كان امريكيا او ايرانيا او كويتيا، والكويت هي
الاخري مارست السرقة من حقول الرميلة الجنوبية لثلاث سنوات متصلة مضت ويقال انها
توقفت في العام الماضي لاسباب فنية ـ والله أعلم ـ مخطط مرسوم الهدف منه الاستيلاء
علي ملايين براميل النفط من الحقول والابار العراقية في المرحلة الراهنة ومن ثم
تركها بعد استنفاد طاقاتها الانتاجية خلال السنوات القليلة المقبلة للاهمال
والخراب، بدليل انه ومنذ عام الاحتلال 2003 وحتي يومنا الراهن لم تشهد الحقول
والابار النفطية العراقية المنتجة اي عمليات صيانة وادامة وتجديد آليات ومعدات يعرف
خبراء النفط اهميتها وضروراتها لمواكبة الانتاج. وهذا يعني علميا ان أجهزة ومحطات
حقول وآبار النفط العراقية المنتجة حاليا ستتحول الي (خردة) اذا استمر الحال علي ما
هو عليه لثلاث او اربع سنوات قادمة، خصوصا وان تكاليف الادامة والاصلاح تتزايد يوما
بعد آخر، وتقديراتها بالنسبة للحقول العراقية قفزت من ثمانين مليار دولار في عام
2004 الي مئة وخمسين مليار دولار في عام 2007 ولا نعرف كم ستصبح هذا العام او
الاعوام الاتية، وهي ارقام فلكية تعني أحد أمرين، اما التخلي عن النفط العراقي
مستقبلا، وهذا أمر مستبعد تماما، او رهنه لعقود قادمة لاحتكارات امريكية وفق
اتفاقيات طويلة الامد حتمية، اي سرقته علنيا وضمن معاهدات ذات طابع قانوني ودولي
ابتزازي، وتذكروا تصريحات بوش واركان ادارته الملحاحة بضرورة اصدار قانون النفط
الجديد.
ان سرقات ايران للنفط العراقي لا تتم في الظلام ولا ضمن منطقة حدودية واحدة، وانما
تجري بعلم المسؤولين الحكوميين والامريكان المحتلين، واثارة هذه القضية في الاسبوع
الماضي جاءت لاعتبارات امريكية في اطار ضغوطها علي ايران لاستئناف جولات التفاوض
الثنائي حول العراق في بغداد، التي يبدو ان طهران ليست متحمسة لمواصلتها الا بعد
ربطها بملفها النووي، مستغلة ضعف الرئيس بوش وهو في سنة ولايته الاخيرة وتورطه في
المستنقع العراقي وتراجع مرشحي حزبه الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة،
ولاحظوا كيف ان السفير كروكر يتوسل الايرانيين في تصريحاته الاخيرة ويخاطبهم في
استجداء لاستئناف المباحثات الثنائية ويعرض استعداد بلاده لفتح الملفات الخلافية
العالقة بالتدريج، والمثير في مسألة فضائح السرقات الايرانية للنفط العراقي ان
الامريكيين لم يعلقوا عليها ولم تصدر اشارة تنديد منهم ولو صورية، رغم ان
الالتزامات الدولية والقانونية المترتبة عليهم كدولة احتلال حسب قرارات مجلس الامن
والامم المتحدة تحتم عليها حماية الموارد والثروات العراقية ما دام الاحتلال قائما
ووجود الالاف من القوات الامريكية في البلاد.
ومرة اخري عندما نقول ونؤكد ان ثمة مشتركات امريكية وايرانية في العراق، فاننا
ننطلق من جملة حقائق ووقائع تحدث يوميا، بعيدا عن نظرية المؤامرة وأخواتها
واجوائها، ونسأل في هذا السياق مجرد تساؤل، لماذا سكتت امريكا المحتلة علي مد انبوب
ينقل النفط من البصرة الي عبادان بمعدل يومي قدره مئة وعشرون ألف برميل مجانا،
وتعيد نصف الكمية مكررا بشاحنات حوضية وليس عبر انبوب كما يفترض بحجة عدم انجازه
لحد الان وبيع هذا النصف وفق الاسعار الرسمية المتفق عليها بين الجانبين، واذا كان
الوزراء والمسؤولون العراقيون لا يستطيعون اثارة هذا الموضوع لخشيتهم من ايران او
ارتباطاتهم بها، فما يمنع المئة والسبعين ألف جندي امريكي لوقف هذه الصفقة الغريبة
والمريبة في آن؟ دولة تأخذ نفطا بالمجان من دولة اخري ثم تعيد نصفه الي الاخيرة
وتبيعه اليها بالدولار؟ ولا تعجبوا بعد ذلك من نفي موفق ربيعي مستشار ما يسمي
بالامن الوطني وهي وظيفة اخترعها المستر بريمر ايام حكمه البغيض لسرقات ايران
وتكذيبه بيانات وزارة خارجية حكومته، فالكل ضالع في الفضيحة حسب دوره ومنافعه،
واغرب ما في نفي الاخير انه صدر منه في النجف وليس بغداد العاصمة، وبعد ان قابل
المرجع الشيعي الايراني الاصل والجنسية آية الله العظمي السيد علي السيستاني..!!