بضوء امريكي.. طالباني وبارزاني يهزمان المالكي بالتهديد!
هارون محمد

ليس صحيحاً ان نوري المالكي جاء الي لندن ودخل إحدي مستشفياتها طلباً للعلاج لانه يعاني من تعب واجهاد، كما قالت البيانات الحكومية في تفسير مغادرته المفاجئة لبغداد الي العاصمة البريطانية، لأن التعب والاجهاد يمكن معالجتهما من خلال استراحة يوم او يومين يقضيهما في احد القصور المخصصة له في المنطقة الخضراء بعيداً عن حديث الملالي من اصحابه، وكلام مستشاريه الذين قد يفهمون في كل شيء باستثناء السياسة والنزاهة والمشورة الصادقة.
والحقيقة التي هرب او تهرب المالكي من اعلانها، أنه أصيب بعارض سياسي مفاجئ وليس صحياً نهاية الاسبوع الماضي، وتحديداً في السابع والعشرين من الشهر المنصرم، عندما تلقي مذكرة قدمها الحزبان الكرديان، الاتحاد الوطني والديمقراطي، وفيها تهديد سافر بانهما علي وشك اتخاذ قرار ثنائي مشترك يتم بموجبه سحب وزراء التحالف الكردي من حكومته، وتصويت نوابه الخمسة والخمسين بنزع الثقة عنه، وهذا يعني سقوط حكومته، الأمر الذي لم تتحمله اعصاب المالكي واعتبر المذكرة طعناً في ظهره، خاصة وانه قدم تنازلات عديدة الي التحالف الكردي منذ تأليفه الحكومة الحالية، منها سكوته علي تجاوزات الحزبين وصمته علي استحواذهما للامتيازات والتسهيلات المخالفة حتي للقوانين السارية.
ووفق المعلومات التي سربتها اوساط الحزبين الكرديين فان مذكرتهما ابتعدت عن القضايا المثيرة للجدل مثل المادة 140 التي رضخ البرلمان الكردي المحلي وأقر تأجيلها، او العقود النفطية التي ما تزال عالقة، وركزت علي ملاحظات سياسية عامة في تكتيك واضح لابعاد الطابع الفئوي او الحزبي عنها، ومحاصرته تمهيدا لعزله عن منصبه، ومن أبرز الملاحظات، انفراده باتخاذ القرارات دون التشاور مع حلفائه، وفشله في مشروع المصالحة، ومحاولاته السيطرة علي وزارات الدفاع والداخلية والامن الوطني، باستغلال موقعه كقائد عام للقوات المسلحة، واخفاقه في الحد من تدخلات مستشاريه وموظفي مكتبه في شؤون الوزارات والدوائر الحكومية.
وبات معروفاً في الاوساط الحزبية والسياسية في بغداد ان مشادة كلامية حدثت بين المالكي ووزير خارجيته الكردي هوشيار زيباري والاخير هو الذي حمل مذكرة الحزبين الكرديين وسلمها الي رئيس الحكومة، وفيها عاتب نوري بمرارة وحزن هوشيار، وعدد له قرارات عديدة اتخذها في الفترة السابقة جاءت لصالح الحزبين ومواقف اخري تواطأ معهما، ولم ينس ان يذكر زيباري نفسه بانه لا يصلح لوزارة الخارجية ولكنه وافق علي مضض احتراماً لابن اخته مسعود بارزاني، والأمر نفسه ينطبق علي نائبه برهم صالح الذي يتصرف ـ حسب رأي المالكي ـ وكأنه هو رئيس الوزراء في كثير من الاحيان دون الرجوع اليه وابلاغه علي الاقل.
ووفق التسريبات التي روجها اعضاء اكراد في مجلس النواب، فان زيباري جادل المالكي وقال له : نحن من أبقاك في رئاسة الحكومة ـ ويقصد كتلة التحالف الكردي ـ بعد ان تخلي عنك أقرب الناس اليك، وموقفنا هذا يفرض عليك ان تستجيب لنا وتلبي طلباتنا والا فنحن في حل من علاقتنا السابقة وتحالفنا معك، وعليك ان تختار بين الاستمرار في رئاسة الحكومة وارضائنا، او الصدام معنا وخسارة منصبك.
ولأن نوري المالكي يفتقر الي مواصفات رجل الدولة، ويعاني من مرض حب السلطة مهما كانت هشة ومتأرجحة، فانه بدلاً من ان يواجه المذكرة الكردية بحزم إذا كان واثقاً من عدم صوابيتها، ورفض ما تضمنته من مطالب تعجيزية، ويقدم استقالته غير آسف، فانه ارتبك وراح يسعي الي إقناع هوشيار بالتكتم علي المذكرة ومنع وصولها الي وسائل الاعلام، الامر الذي استغله زيباري لتشديد لهجته التهديدية، والتلويح بسحب الثقة منه قريباً.
ويبدو ان المالكي سعي الي تفادي المواجهة مع الحزبين الكرديين ادراكاً منه بانهما يحاولان ابتزازه وبعد مداولات مع اعوانه ومساعديه، ارتأي ان يبتعد عن العراق لبضعة ايام لتهدئة الحالة وامتصاص نقمة طالباني وبارزاني عليه آملاً ان تمر الازمة ويتم التفاهم مع (الاخوان) حسب وصفه، في اطار من الحوار والتشاور، لذلك لجأ الي مغادرة بغداد بداعي المرض رغم ان عدداً من الذين زاروه في مستشفاه اللندني اكدوا انهم لم يشعروا بانه مريض فعلاً، لا تعباً ولا إجهاداً، وانما لاحظوا انه محبط نفسياً ومكتئب مع انه حاول ان يظهر نفسه متماسكاً خلال استقباله لغريمه الدعوي ابراهيم الجعفري وخصمه الوفاقي اياد علاوي اللذين زاراه للاطمئنان علي صحته وهذه حركة معروفة الدوافع والغايات. والسؤال الذي ما زال يؤرق المالكي هو: هل ان المذكرة التهديدية خرجت من الحزبين الكرديين بمعزل عن الامريكان ام بضوء اخضر منهم، رغم ان المعطيات السياسية التي لا تدركها عقليته المحدودة الآفاق والتدبير، تؤكد ان ادارة بوش تريد تعويض الهزيمة التي لحقت ببارزاني وطالباني عقب ازمة حزب العمال الكردي مع تركيا، وتأييدها للأخيرة في شن هجمات علي مواقع الحزب في شمال العراق، بمكسب سياسي لهما في بغداد عبر اقالة المالكي، والاتيان برئيس جديد للحكومة يعتقد انه نائب طالباني في هيئة الرئاسة عادل عبدالمهدي المنتفجي، وهو لا يختلف عن نوري في طائفيته، باستثناء ان خلفيته البعثية والماركسية قد تساعده في تسويق صورته لفترة قصيرة، يكون فيها اسيراً للحزبين الكرديين، ينفذ لهما اجندتهما ومشاريعهما خصوصاً في ميدان تقسيم العراق باعتبار ان هذا الهدف مشترك بين الحزبين والمجلس الاعلي الذي هو عضو قيادي فيه.
ومما يعزز التوقعات بان الامريكان يدفعون بعادل الي رئاسة الحكومة جديا هذه المرة، انه بدأ منذ فترة تطعيم مكتبه في هيئة الرئاسة عبر تعيين عدد ممن يعتقد انهم متخصصون وخبراء في مجالات معينة، ولوحظ انه اعتمد علي مجموعة كان افرادها قد عملوا زملاء له في حكومة أياد علاوي عندما شغل وزارة المالية فيها، عرف منهم ليلي عبد اللطيف وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية ونوري البدران وزير الداخلية الاسبق ومهدي الحافظ وزير التخطيط الاسبق، ولوحظ ايضا انه كان يلح في زيارته الاخيرة الي سورية باستخدام كلمة (رفيق) في مخاطبة المسؤولين السوريين اكثر من مفردات استاذ او معالي او فخامة، وهو ما فسره بعض الخبثاء بانه عودة الي اصوله البعثية والماركسية او محاولة تذكير الاخرين بانه لم ينس، ومعروف ان البعثيين والشيوعيين هم اكثر الحزبيين استخداما وتداولا لمفردة رفيق بمناسبة وغير مناسبة.
لقد ضيع المالكي المشيتين، صدق ان بوش لن يتخلي عنه، ولم ينتبه الي ان امريكا بعد ان تستنفد اغراضها من اصدقائها تضعهم في زوايا الاهمال، وبات المثل الشعبي العراقي المتداول (لا حظت برجيلها.. ولا خذت سيد علي) ينطبق عليه تماما، ولاحظت (بكسر الحاء) مفردة تعني البقاء والاستمرار و(رجيلها) تصغير رجل اي الزوج، وخذت يقصد بها الاقتران او الزواج بالمحب او العشيق.
9