مشروع أمريكي جديد في العراق يفتقر الي الجدية

هارون محمد

ثمة مشروع امريكي جديد يلوح في الأفق، تطبخه علي نار هادئة منذ شهرين وزيرة الخارجية الامريكية، يندرج عنوانه تحت شعار ما يسمي بـ(المصالحة الوطنية) ويجري التحضير لأول فعالية سياسية له في القاهرة في إطار مؤتمر ترعاه ثلاث دول عربية مصر والسعودية والاردن، تعهدت لها واشنطن مسبقاً، بانها ستضمن تنفيذ قراراته وتوصياته وتفرضها فرضاً علي حكومة نوري المالكي او الحكومات التي ستعقبها. ولعل ابرز ملامح المشروع الذي تدعمه الامم المتحدة وبريطانيا وفرنسا وعدد من الدول الاوربية واليابان، اعداد خريطة سياسية جديدة للعراق، يتم تنفيذ صفحاتها علي امتداد النصف الاول من العام المقبل، وبدايتها تشكيل حكومة جديدة في شباط (فبراير) القادم، وهذه القضية بالذات جري بحثها مطولاً بين وزير الدفاع الامريكي روبرت غيتس خلال زيارته الي الموصل وبغداد في الاسبوع الماضي، واستكملتها الوزيرة رايس في زيارتها الاخيرة لكركوك وبغداد مع جلال طالباني ونائبيه طارق الهاشمي وعادل عبدالمهدي، وهو ما دعا الاول الي اطلاق سلسلة تصريحات واصدار بيانات من مكتبه تشير الي ما يسمي بحزمة قرارات واجراءات اصلاحية ستعلن خلال الشهر الاول من العام الجديد.
وبالنسبة لمؤتمر القاهرة (التصالحي) فان الوزيرة اصرت علي نظرائها في مصر والسعودية والاردن بضرورة اقناع قيادات وهيئات وحركات وشخصيات سنية عربية حتي لو اضطرها الامر الي ممارسة ضغوط وتضييقات علي المقيمين في عواصمها للمشاركة في المؤتمر، وطرح برامجها السياسية، شرط ان تكون معتدلة في مضامينها ـ هكذا تري رايس ـ وتأخذ في الاعتبار شكل العلاقة المستقبلية الامريكية العراقية التي تتطلع اليها واشنطن وتكون مثل او بمستوي العلاقات التي تربط بين واشنطن ومصر والسعودية والاردن ودول الخليج، معاهدات واتفاقيات تعاون في الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية، اضافة الي تفاهمات اخري تستلزمها ظروف واحداث المنطقة، كالموقف من ايران علي سبيل المثال. وواضح ان الادارة الامريكية وهي تتحرك عبر قنواتها الدبلوماسية لتسريع عقد مؤتمر القاهرة في غضون الشهور الثلاثة المقبلة، انها تريد حشد تأييد عراقي اكبر للمعاهدة الامريكية العراقية التي ستبدأ المباحثات الثنائية بشأنها في منتصف الشهر القادم، بعد ان أدركت ان عقدها مع حكومة نوري المالكي وهي تمر في أزمة وزارية وسياسية واوضاع انعزالية واخفاقات امنية واقتصادية وخدمية، لن يعطي المعاهدة غطاء شرعياً كاملاً، ما دامت قطاعات وفئات شعبية وسياسية عديدة، تعارض المعاهدة جملة وتفصيلاً، وتعتبرها شكلاً من اشكال الاحتلال او الانتداب، وواضح ايضاً ان اوساط الخارجية الامريكية وخاصة السفير ساترفيلد مستشار كوندوليزا رايس لشؤون العراق تريد مشاركة لحزب البعث في المؤتمر ودوراً في العملية السياسية المقبلة، وهناك اتصالات جرت بين قياديي بعثيين ومسؤولين سابقين يقيمون في الاردن ومصر وسورية والامارات وقطر منذ سنوات وحثهم علي الاشتراك في مؤتمر القاهرة بصفتهم الشخصية كمرحلة اولي لتمهيد الاجواء وتهيئة الاذهان لعودة البعث كحزب الي العمل السياسي في المنظور القريب، وفي هذا الإطار فان وكيل وزارة الخارجية الامريكي الاسبق ريتشارد مورفي لشؤون الشرق الاوسط، الذي شارك في اجتماعات البحر الميت في الشهر الماضي، قدم دراسة سياسية عن نتائج تلك الاجتماعات الي الوزيرة رايس جاء فيها ان مثل هذه الاجتماعات تكون ناقصة ما دامت هناك جهات لها حضور سياسي مؤثر تتحفظ عليها وأورد اسماء بعضها مؤكداً ان أي جهد سياسي امريكي باتجاه التهدئة في العراق وبناء علاقات تعاون وتحالف معه لن يفضي الي نتائج ايجابية ما دامت هيئة علماء المسلمين وحزب البعث والرموز السنية العربية بعيدة عنها، ودعا وزير الخارجية ان تكلف فريقاً من اعضاء الكونغرس ديمقراطيين وجمهوريين لتولي مهمات التفاوض والحوار مع هذه الجهات بدلاً من موظفيها ومستشاريها الذين يدورون في حلقات مفرغة، لاعتبارات عديدة منها ـ في رأي مورفي ـ ان كثيراً من الجهات والهيئات العراقية تنظر اليهم بارتياب وحذر ولا تثق بهم، ولان عدداً من هؤلاء المستشارين لا يملك حرية في التصرف مع الآخرين، لانه محكوم بتعليمات وتوجيهات رسمية لا يستطيع التخلي عنها، بينما عضو الكونغرس لديه مساحة واسعة من المرونة والحرية في الحوار والمناقشات مع اطراف تعارض السياسات الامريكية وتناهض الاحتلال. وجاء في تقرير مورفي الذي سربت اوساطه مقتطفات منه الي جهات عراقية في الاردن وسورية، ان الاعتماد علي حكومة نوري المالكي والاحزاب الشيعية والكردية في تحقيق مصالحة عراقية لن ينتج آثارا ملموسة ومحسوسة في العراق، علي صعيد الأمن والاستقرار وتشكيل حكومة او حكومات متوازنة في المستقبل، وان الشرط الاساسي لنجاح اي مبادرة قوية في سياق المصالحة يشترط ان تكون احزاب وهيئات معارضة أطرافا أساسية فيها، اضافة الي الانفتاح علي قوي اخري خارج الحكومة والعملية السياسية الحالية تمتلك نفوذاً سياسياً واجتماعياً ومناطقياً، فشلت حكومة المالكي في تحجيمها وتهميشها طيلة عام ونصف.
واستناداً الي شخصيات عراقية معارضة تقيم في عواصم عربية جري الاتصال بها من جهات مصرية وسعودية واردنية لجس نبضها ومعرفة رأيها في مؤتمر القاهرة، فان انطباعاتها الاولي تشير الي ان الدول العربية الثلاث ليست متحمسة للمؤتمر فقط، وانما مقتنعة بضرورة المشاركة الواسعة فيه، مع استعداد لاقصاء أطراف حكومية عراقية واخري حزبية عنه، إذا أبدت مواقف متشنجة ضد المصالحة او حاولت اثارة اشكاليات او عقبات تعرقل نجاحه، ووفق بعض المعلومات فان مسؤولين عرب نافذين اكدوا ان كوندوليزا رايس اعربت لهم ان الادارة الامريكية ستكون سعيدة اذا امتنعت حكومة المالكي وبعض احزاب السلطة عن المشاركة في المؤتمر، لان مسؤولين بارزين في الادارة باتوا علي قناعة ان المالكي والمتحالفين معه، لا يرغبون في مصالحة وطنية او سياسية مع اطراف وهيئات لها حضور وانصار وتأثير في الشارع والمجتمع العراقي، وبالتالي من الصعب علي عقليات منغلقة وشخصيات خائفة الاندماج والمشاركة في عمل سياسي واسع وكبير مثل المصالحة.
وعموما فان المساعي الامريكية وجهود عدد من الدول العربية لعقد مؤتمر القاهرة بالصيغة التي يروج لها خلف الكواليس حاليا، اذا كانت جدية حقا، فان الضمانة لنجاح تلك المساعي والجهود تستلزم خطوات أمريكية حقيقية يجب البدء بها الان، تكون مقدمة لحضور اطراف مثل هيئة علماء المسلمين وحزب البعث وقوي سياسية معارضة اخري، وأول هذه الخطوات، اعلان موقف امريكي واضح وصريح إزاء العديد من القضايا المختلف عليها، ومنها الموقف من المقاومة العراقية، وانسحاب قوات الاحتلال وفق سقف زمني محدد وضمن اتفاقيات متوازنة وملزمة، ودور الامم المتحدة وحل ملفات المعتقلين، وتعويضات المتضررين العراقيين، وغيرها من القضايا العالقة، وبعدها يمكن لمؤتمر القاهرة ان ينجح، والا فانه يصبح رقما في عدد المؤتمرات والاجتماعات الكثيرة التي عقدت وانتهت وكأنها ندوات سياحة واستجمام ليس الا.