الفدرالية بين أبو ناصر وهوشي منة !
حسين الربيعي
(أن الذي لا يقيم الماضي تقييماً أميناً صادقاً واعياً لا يستطيع أن يخطط للمستقبل ـ ناجي علوش)
الأخ أبو ناصر أحد المناضلين القوميين من الرعيل الأول ، فقد كان أحد أعضاء حركة القوميين العرب ، وأصبح مسؤولاً نقابياً عن نقاية المواد الغذائية آبان الفترة العارفية ، وهو قروي الثقافة ويفتخر لكونه مزارعاً . والأخ حمود الجبوري وهذا هو أسمه ، يمتلك طريقة (شعبية) لاذعة ودقيقة في تحديد سلبيات ومراوغات (سياسي اليوم)، وهو كثيراً ما يمزج أرائه اللاذعة بأقاصيص وحكايات ذات مغزى .
ومما قاله في لقاء (بارد) وغير ذي نفع للتيار العربي مع أحد (السياسين) من العسكريين السابقين الذين سبق أن (تجمهروا) مع المتجمهرين في لندن وصلاح الدين لأقناع الولايات المتحدة بغزو العراق ، وجاء محمولاً على (آليات) قوات (التحرير) الصديقة ؟ والحقيقة أن التيار العربي كان يفترض أمكانية تغير خطه من خلال التجربة المؤلمة ، ولكن الوفد فوجيء بموقف مغاير ، وأراد (أبو ناصر) أن يقطع الطريق على الوسيلة التي أستخدمها (المعزب كما يسمونأصحاب المضيف باللهجة العراقية) في حديثه مع أعضاء الوفد الزائر له ، خصوصاً وأن الوفد قوبل بطريق لاتتفق مع وزنه ، ولاتتفق مع اللياقة (السياسية) بعد أن حاول حراس مكتب (الشخصية) تفتيش أعضاء الوفد ، كما لم يكن في أستقبال الوفد تلك ( الشخصية) ، و أضطر الوفد لأنتظاره فترة من الزمن في الغرفة التي أستقبل بها الوفد . كما كانت الطريقة التي تكلم بها مع الوفد تشبه طريقة الظابط بجنوده أو المعلم وتلاميذه !
قال (أبو ناصر) نقلاً عن كلام للكاتب اليساري محسن أبراهيم رئيس تحرير جريدة الحرية التي كانت تصدر في بيروت في الستينات وربما السبعينات ، إن رواد المقاهي والأسواق في عواصمنا العربية يتكلمون في السياسة أفضل من الزعماء والسياسين ، وأضاف (أبو ناصر) إن رواد المقاهي في بغداد ومدن العراق وقصباته يتكلمون في السياسة أفضل مما دار من كلام أثناء اللقاء .
ومع الأعتذار لرواد المقاهي والأسواق ، فإن أطلاق هذا الكلام لايعني الأستعلاء عليهم أو النيل من كرامة أحد ، فالذي يتصور نفسه أعلى مستوى من هؤلاء لايستطيع أن يمثل الناس ويعبر عن مشاعرهم ، ناهيك من إن أكثر السياسين الوطنين كان منطلقهم ونشأتهم المقهى والسوق والمعمل والحقل والمدرسة والجامعة !
وبما إننا في مجال الأنتماء أو الأستعلاء على الطبقة الشعبية (التي نحن منها) ، وعن القيادات التأريخية التي برزت من خلالها ، تعالوا نتعرف لشخصية فكرية وثورية عظيمة .. وهو المناضل الفيتنامي هوشي منة :
ولد هوشي منة سنة 1890 في قرية كيم لين ، بمقاطعة نغي آن . كان أبوه فقيراً ورجل علم ، عاش في كنف أسرة وطنية ، ومنذ البداية نشأ في نفسه شعوران : حب الوطن والحقد على الغاصبين .
ترك التعليم بعد أن دخل كلية (كيوك هوك) لأنه وجد أن (غاية التعليم الأستعماري كانت ، تخريج موظفين لخدمة الأستعمار) وعمل مدرساً بعد ذلك في مدرسة وطنية خاصة ، ولم يلبث أن ترك التعليم وسافر إلى سايغون العاصمة ، وبعد إقامة قصيرة فيها قرر السفر إلى الخارج ، وبما أنه لم يملك المال اللازم لذلك فقد عمل مساعد طباخ في سفينة تجارية وعند وصوله لمرسيليا في فرنسا ، لفت أنتباهه المجتمع (المتمدن) المتميز بكثرة الفقراء المظطهدين والعاطلين عن العمل والمومسات ، وعمل في فرنسا خادماً لدى أسرة فرنسية وتنقل في أعمال متعددة (بسيطة) في البواخر ، وفي لندن التي هاجر اليها عمل في أعمال من نفس المستوى مع مواظبته على الدراسة ، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية .
لقد جاب هوشي منة عدداً من أقطار المستعمرات في أفريقيا والمشرق وتابع الحياة المؤلمة لمواطني المستعمرات وسجل لحظات نادرة ، وأهم ما يهمنا مما دونه هوشي منة ويهم قضيتنا الأن ، كي ندرك عن يقين شخصية (المحتلين) الذين يدنسون وطننا اليوم ، ويتفاخر بعض ساستنا بصداقتهم وديمقراطيتهم ، ففي سنة 1924 كتب هوشي منه في مجلة (لاكور سبوندانس أنترناشيونال) مقالاً بعنوان . (شنق الزنوج مظهر معروف قليلاً من مظاهر المدنية الأمريكية) ، قال فيه :
(بعد 65 عاماً مما يسمى بتحرير العبيد ، لم يزل الزنوج الأمريكيون يعانون آلاماً جسدية ونفسية فظيعة . ولعل عادة شنق الزنوج هي أشد تلك الألام قسوة وفظاعة . أن كلمة شنق الزنوج (Lynching)مشتقة من كلمة (Lunch) ، و(لينش) هذا هو أسم أحد أصحاب المزارع في فرجينيا . كان ملاكاً كبيراً وقاضياً ، وكان قد أفاد من المشاكل الناتجة عن حرب الأستقلال ، فأخذ بين يديه حكم تلك المقاطعة ، وراح يوقع أشد العقوبات دون محاكمة أو اجراءات قانونية )
ثم يضيف هوشي منة (ويجر اللينشيون الزنجي ، في موجة من الحقد والوحشية ، إلى غابة أو ساحة عامة ، فيربطونه إلى شجرة ويصبون عليه بترولاً ويحيطونه بمادة سريعة الأشتعال . وبينما هم ينتظرون إضرام النار ، يحطمون أسنانه وأضراسه واحداً تلو الأخر ، ثم يفقأون عينيه ويقتلعونهما من محاجرهما ، ويجتثون خصلاً من الشعر الجعد من رأسه ، فتنزع تلك الخصل معها قطعاً من الجلد .. كاشفةً عن جمجمة مدماة ، في حين تتساقط قطع صغيرة من لحم الجسد المسحوق بالضرب. )
( ولايستطيع الزنجي أن يصرخ لأن لسانه يكون قد تدلى وأنتفخ بسبب كيه بقضيب أحمر من شدة الحرارة ... وفي هذا الوقت يروح بدنه يرتعد ويرتجف مثل أفعى لم تسحق تماماً . ثم تسقط أحدى أذنيه بضربة من سكين ، ثم تتقدم النساء ، فيبصقن على وجهه ويتمتمن: آه ، كم هو أسود ، كم هو قبيح ! فيصرخ واحد من الجميع : أشعلوا النار . ويضيف آخر : يكفيه طبخاً بطيئاً ، ويشوى الزنجي ... ويصبح بلون القديد ، ثم يحرق . ولكنه .. يستحق أن يموت مرتين بدلاً من مرة واحدة ، ولذلك يشنق بعد هذا ، أو على الأصح يشنق ما يكون قد تبقى من جثته ، وعند هذه اللحظة يصيح بنشوة كل الذين لم تتح لهم فرصة المشاركة في طبخه .)
(وبعد أن يكون الجميع قد شبع من مشاهدة الجثة مشنوقة ، تنزل إلى الأرض ، ثم يقسم الحبل الذي رفعها إلى أربعة أقسام حيث يباع كل قسم بخمسة دولارات ، وتتشاجر النسوة على أقتناء هذه الأقسام بأعتبارها تحفاً وجوالب للحظ . )
إذاً أليس هؤلاء الغازين لبلادنا اليوم من الذين تحمر وجوههم بحمرة شيطانية جهنمية أحفاد آولئك القتلة المجرمين ، الذين قتلوا تحت مشنقة كلمة (الحرية) أكثر من (240) مليون من الزنوج أصحاب آمريكا الحقيقين ؟ .. ألم يكونوا هم الذين نقلوا (حظارتهم) اللينسيونية (Lyunching) لبلاد الرافدين وأنطلاقاً منها لبلاد الشرق كلها ، وهم أنفسهم مخترعي (الكوكلاكس كلان) التي يقول عنها هوشي منة : (ففيها غموض الماسونية ومساخر الكثلكة ووحشية الفاشية)
هم أنفسهم الذين جلبوا لنا (الفدرالية والأقاليم) ، ومشاريع التقسيم التي يملك (أبو ناصر) رأياً صارماً فيها ، وهذا الرأي ما جمع الرجلين في عنوان مقالنا هذا ، فلهوشي منة موقف كموقف أبو ناصر من هذا الموضوع ، وهو ماكنت أبحث عنه كسند لرأي أبو ناصر ، ومثلما كانت الجرائم موروثات الأستعمار مهما تغيرت أشكاله وأسمائه ، فإن موروثات العمل الوطني والأنساني الخير ثروة لجميع المناضلين على وجه الطبيعة .
نشر هوشي منة مقالاً طويلاً عنوانه (يقظة العبيد) تناول فيه الحركة الثورية في المشرق العربي ، أجرى خلاله مقارنة بين أساليب الأستعمار الفرنسي في سوريا وفيتنام ، ونحن من قبلنا نحاول أن نجري مقارنة بين رأي هوشي منة ورأي أبو ناصر ، ومقارنة بين جرائم الأستعمار الفرنسي ، والأستعمار الأمريكي للعراق ، قال هوشي منة في مقاله :
أن الأستعمار الفرنسي لم يغير شعاره (فرق تسد) ، لهذا السبب قُسمت أمبراطورية (آنام) إلى خمسة أجزاء على الرغم من أن سكان هذه البلاد ينحدرون من جنس واحد ولهم تقاليد واحدة وتأريخ واحد وعادات واحدة ويتكلم أهلها لغةً واحدة .. هذا ويمكن أن نرى التكتيك ذاته مطبقاً على المستعمرات الجديدة ، فبعد أن قسمت سوريا إلى عدة دول ، عاد المفوض السامي الفرنسي في بيروت وأعلن تأسيس (أتحاد فدرالي) سوري مؤلفاً من (دولة حلب) و (دولة دمشق) و (دولة العلويين) ، وصمم علم لهذا الغرض ، فلم ينسى أن تضاف إلى هذا العلم الفدرالي (ألوان العلم الفرنسي) ، وأن توضع على أعلاه قرب سارية العلم تماماً كما حدث مع (آنام) ، وكان يوم الحادي عشر من كانون الأول هو اليوم الأول (المهيب) الذي رفع فيه هذا العلم لأول مرة على القصر الفدرالي في حلب . )
ويتابع هوشي منة :
(وألقيت الخطب الرسمية في هذه المناسبة ، فتحدث صبحي بركات بك رئيس الأتحاد الفدرالي عن (المحامي الكريم) و (القائد المخلص) وعن (القادة المظفرين) ، وكثير من هذا الكلام ، وكذلك تكلم طويلاً السيد روبر دي كومكس المفوض السامي في ذلك الوقت ، وقد قال هذا المفوض السامي : (أن سوريا المستقلة لم تكن أول شعب سهرت فرنسا على مهده ..ألخ) ، ولكن على كل حال فإن كل هذه الممالقة الطنانة لاتخدع أحداً، لأن المواطنين العرب السوريين كانوا يطالبون بمايلي :
1 ـ الأعتراف بوحدةسوريا وأستقلالها الحقيقي .
2 ـ إجراء انتخابات ، بعد الأنتهاء من الأحصاء .
3 ـ تشكيل حكومة مسؤولة أمام الجمعية الوطنية التي لهاسلطات تشريعية كاملة . )
أنتهى كلام هوشي منة .. إذاً أليست هذه هي نفس الإرادة التي تنم عنها نفوس الشعب العراقي؟ .. وألم تكن المؤامرات الأمريكية أستمراراً لنهج الأستعمار الغربي الحاقد على أمتنا ووحدتنا ؟
الجواب لدى أبو تاصر وأخوانه المناضلين وأهله الصابرين من العراقيين .. كل العراقيين .
بغداد العروبة 26 تشرين ثاني نوفمبر 2007
(بعض الفقرات مأخوذة بتصرف عن مقال للدكتور خليل أحمد خليل بعنةان هوشي منة النسان ، المفكر ، الثوري منشور في مجلة دراسات عربية ـ مارس 1971 بيروت )
نشرت جريدة العربية البغدادية في عددها الصادر بتاريخ 16 كانون اول 2007