أشخاص كما عرفتهم

الشيخ أحمد الجزائرى

أحمد ألحبوبي

كنت أراه يدخل الصحن الشريف (صحن الإمام على فى النجف) من باب (العمارة) شاباً جميل الطلعة يرتدى عمة بيضاء صغيرة ونظيفة وحسنة الهندام ، وجبة عريضة من قماش فاخر ، حليق الذقن إلا من بعض شعرات يتركها تلف حنكه احتراماُ للبزة ذات الدلالة .. فأعجب لهذا الشاب الذى يتزيا بزى رجال الدين وأتساءل مع نفسى   .. ترى هل هو ملتزم كما هم ملتزمون .. ! أن خطوه السريع والملابس الفاخرة والعطر المتضوع منه تنبئ عن شخص آخر قد لا يمت إلى رجل دين بصلة ... ويمر بالصحن الشريف مروراً سريعاً من باب العمارة إلى باب القبلة .. أفت رؤيته داخلاً وخارجاً وأنا اتخذ من بعض (ايوانات) الصحن مكاناً لوحدى احياناً أو مع بعض الأتراب أحياناً أخرى ، كنت فى الصف المنتهى فى ثانوية النجف وكثير التواجد فى الصحن لمراجعة بعض الدروس أو انتظاراً فى ثانوية النجف وكثير التواجد فى الصحن لمراجعة بعض الدروس أو انتظارً لبعض الزملاء وقد جعلنا من الصحن مكاناً للقاءاتنا ... إلى ان التقيت به ذات يوم وجهاً لوجه واقفاً أمام مكتبه (رؤف قسام) فى نهاية السوق الكبيرة يتصفح الكتب والجرائد والمجلات وقد جئت لشراء جريدة .. فسلمت ورد السلام بحرارة واهتمام وكأنه يعرفنى عندما قام رؤف قسام بالتعريف بيننا .. وتكررت لقاءتنا أمام المكتبة وغالباً ما تكون عصراً وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث فوجدته متحمساً لحزب الاستقلال وللوحدة العربية وسر كثيراً عندما عرف أننى ومعى مجموعة كبيرة من طلاب النجف من شباب حزب الاستقلال وأن لنا دوراً كبيراً فى وثبة 1948 ضد معاهدة (بورتسموت) .. كان تعرفى به فى سنة 1951 .. وانجذب كل منا إلى الآخر لا لمجرد الرابطة الحزبية فحسب فقد وجدت عنده حباً شديداً للأدب ومحاولات جيدة لنظم الشعر وأنا كذلك .. واخذ يعرض على قصائداً نظمها فى السياسة والغزل والوصف ... وأنا كذلك ولم نكتف بلقاءاتنا أمام مكتبه رؤف قسام بزمنها المحدود ، فرحنا نقوم بسفرات منتظمة إلى الكوفة ، حيث البساتين وشط الفرات ومسجدها التاريخى أو السفر إلى مسجد السهلة ونقتل الوقت بقراءة الشعر أو الكلام فى السياسة وآمالنا وطموحاتنا وما نتطلع ونرنو إلى عراق المستقبل والأمة العربية ، ووجدته ينطوى على روح شفافة وحب شديد للحياة ومتعتها البريئة وينظر إلى جانبها الجميل ، وقد اعتاد أن يحصل على كل ما يطلبه فهو وحيد والده العلامة المعروف الشيخ عبد الكريم الجزائرى (أحد رجالات ثورة العشرين) فوالده لم يبخل عليه بشئ فعاش منعماً فى ظل والده الحنون ..

التحقت بكلية الحقوق وانتقلت إلى بغداد سنة 1951 فكان يزورنى عندما يجئ إلى بغداد وعندما أعود إلى النجف فى العطلة الصيفية أزوره فى (البرانى) وقد أتخ منه صومعة له فقد ملأ الغرفة الكبيرة بأحسن أنواع الفرش لاستقبال ضيوفه خاصة وأن للبرانى مدخلاً خاصاً بعيداً عن بقية البيت والعائلة فكان يقضى أغلب أوقاته فيه وقد اتخذ منه مكاناً يلتقى فيه مع أصدقائه ، واتخذناه أخيراً بعد تطور عملنا السياسى مكاناً للقاءتنا حيث نعقد فيه الاجتماعات الحزبية مع منتسبى حزب الاستقلال منطلاب أو عمال أو كسبة .. وقد لعب (برانى) الجزائرى دوراً مهماً فى أحداث النجف فى الخمسينات إبان العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956.

وقررنا فتح مكتبة للشباب أسميناها مكتبة (الشباب القومى) فى أهم شارع عمالى فى النجف كان يسمى (الشارع الأحمر) لكثرة تواجد الرفاق من منتسبى الحزب الشيوعى وضعنا فيها الكتب القومية واتخذنا منها مكاناً للقاءات شبابنا وإقامة الندوات وإلقاء المحاضرات التثقيفية مما أغاظ الرفاق الشيوعيين جراء ها النشاط وسط شارعهم وعلى مرأى ومسمع منهم فراحوا يحرقون الأرم ويتحرقون شوقاً لغلق هذه المكتبة وقد انتهزنا حلول العطلة الصيفية فأقمنا أسبوعاً ثقافياً ودعونا من جملة من دعونا الأستاذ عبد الهادى محبوبة (الأستاذ فى دار المعلمين العالية) فلقاء محاضرة فى شبابنا القومى عن التربية القومية وإعداد شباب الأمة وامتلأت المكتبة بالحاضرين حتى فاضت إلى الشارع مما أغضب الرفاق فحاولوا إفساد المحاضرة بمحاولة الهجوم على المكتبة من قبل جمهرة منهم ولكنهم خابوا فقد تصدى لهم شبابنا وكادت أن تحدث معركة – لولا انسحاب المعتدين بعد أن شاهدوا تصميم الشباب على إيقاف الهجوم الغادر وكان المحرض الأول على هذا الهجوم على المكتبة رفيق حزبى وهو عامل مشهور اسمه (محمود أبو شوارب) إذ كان شارباه يشبهان شوارب الرفيق (ستالين).

وقد وقف أحمد الجزائرى موقفا شجاعاً فى التصدى لعدوان الرفاق فرغم حراجة وضعه (الدينى) ومنزلة أبيه الدينية وزيه غير المناسب إلا أنه أبى إلا أن يقف بباب المكتبة وقد وضع يده على مقبض مسدسه تحسباً لأى طارئ وكان مستعداً لأى اشتباك دفاعاً عن المكتبة ومن فيها وقد أكبرت فيه هذه الروح والنفس الشجاعة خاصة بعد أن كسبنا المعركة – وحفاظنا على المكتبة التى استمرت فعالياتها             زمناً طويلاً.

توثقت علاقتى بالشيخ أحمد الجزائرى فلا نكاد نفترق خاصة أثناء تواجدى فى النجف فى العطلة الصيفية وكان (البرانى) يشهد لقاءتنا الحزبية مع الشباب القومى الذين يفدون إليه ليلاً لسماع الأخبار أو تلقى الأوامر الحزبية أو إجراء حوارات تمتد لساعات طويلة.

ورغم هذا النشاط المكثف فلم يمنعنا من الترويج عن النفس فنسافر (أنا وهو) إلى مدينة (الديوانية) ونقضى نهارنا هناك نتسكع فى أسواقها وشوارعها وما أن يجن الليل حتى نذهب إلى محطة القطار انتظاراً لوصول القطار القادم من بغداد فى طريقه إلى البصرة فنختلط مع الناس المحتشدين فى المحطة بين مسافر ومودع وبائع مشروبات وأطعمة وصاعد ونازل فنستعرض عربات القطار (نتفرج) على الناس     فيها ، أشكالهم وأزياءهم نساء ورجالاً وأطفالاً تحت أضواء القطار الباهرة وينبعث الصخب والضجيج من كل ناحية فيخلق جواً مبهجاً لم نفق منه إلا على صوت صفارة القطار مؤذناً بالتحرك فنظل نتابع حركته إلى أن يغيب عن ناظرينا فنقفل عائدين            إلى الديوانية ومنها إلى النجف بعد أن نقضى قرابة الساعة فى ها الجو المرح           والمتعة البريئة.

وتتعدد سفراتنا الحزبية والترويجية إلى الديوانية أو الحلة أو الكوفة طوال فترة وجودى فى النجف أثناء العطلة الصيفية وفى إحدى المرات سافرنا إلى (السماوة) وكان معنا كل من المرحوم (كامل الجزائرى) (كان يشغل مراقب أنواء جوية فى مدينة الشامية) ومحمد صدقى أبو طبيخ (كان ينتمى إلى حزب البعث) وأغرانا شط السماوة الهادئ العريض فى النزول إليه والسباحة فيه وظل كامل الجزائرى يحرس ملابسنا لأنه لا يعرف العوم وسبقنا الشيخ أحمد فى السباحة تجاه الشط المقابل وابتعد عنى وعن محمد صدقى مسافة كبيرة فقد كان سباحاً ماهراً وكنت أسبح وراءه وخلفى بمسافة كبيرة فقد كان سباحاً ماهراً وكنت أسبح وراءه وخلفى بمسافة كان صدقى أبو طبيخ وكان الوقت ظهراً وحرارة الشمس شديدة والسكون مخيماً ، وإذا بى أسمع صوتاً كأنه الرعد ينبعث من صدقى أبو طبيخ وعندما التفت إليه وجدت ذراعيه يخبطان الماء وكأنه يقاوم الغرق ثم اطلق صيحة أخرى يطلب النجدة فوجدت نفسى غير قادر لوحدى على إنجاده لضخامة جسمه ثم أنه مصاب بالصرع فاستغثت بالشيخ أحمد الجزائرى استعجله أن ينجدنى لتخليص صدقى خاصة بعد أن غاص رأسه فى الماء وبسرعة هائلة وجدت الشيخ أحمد قريباً منى فنزلنا أنا وهو تحت الماء وحملنا صدقى إلى فوق سطح الماء ثم جررناه إلى الشاطئ بعد أن سرب الكثير من الماء وما أن جلس على الشاطئ حتى راح فى بكاء ونشيج متواصل وعندما هدأ روعه قال معللاً بكاءه أنه رأى وهو يغرق ابنته الطفلة التى تبلغ من العمر ستة أشهر فخاف أن يغرق ويتركها يتيمة ، ثم حلف ألا يسبح بعد اليوم أبداً وقد           بر بحلفه.

تخرجت فى كلية الحقوق سنة 1955 ومارست المحاماة لمدة أشهر فى مكتب الأستاذ محمد صديق شنشل فى بغداد ثم استقر بى المقام فى النجف لمزاولة مهنة المحاماة والعمل السياسى بعد أن أنيط بى مسئولية وإدارة فرع حزب الاستقلال فى النجف أواخر سنة 1955 . فكان مكتبى مقراً للحزب نعقد فيه اجتماعاتنا الحزبية وكان الشيخ أحمد الجزائرى المداوم الأول فى المكتب وتعرف من خلال مكتبى على بعض الزملاء المحامين ممن يتعاطون العمل السياسى ومنهم المحامى المرحوم (موسى صبار) الذى كان ، رغم نزعته اليسارية ، صديقاً عزيزاً كثيراً ما نجتمع سواء فى مكتبه أو مكتبى أو فى (برانى) الشيخ أحمد.

تسارعت الأحداث السياسية سنة 1955 خاصة بعد أن شكل نورى السعيد الوزارة وعمد إلى حل الأحزاب السياسية وتعطيل الصحف تمهيداً لإقامة حلف بغداد          الذى ناصيته القاهرة وعبد الناصر العداء وبرز دور المذيع أحمد سعيد فى إذاعة صوت العرب يحشد المشاعر العربية ضد هذا الحلف وسرعان ما تلاحقت الأحداث بعد تأميم قناة السويس وما تبعها من تطورات معروفة انتهت بالعدوان الثلاثى        على مصر سنة 1956 وكانت النجف سباقة فى المظاهرات تنديداً بسياسة وموقف الحكومة العراقية المتخاذل أمام هذا العدوان وقد بدأت المظاهرات من المدارس حتى عمت الجميع وقد لعب (برانى) الشيخ أحمد الجزائرى ليلاً ومكتبى نهاراً دوراً كبيراً فى إدارة المظاهرات والإضراب العام الى عم مدينة النجف بعدئذ أثر مقتل كل من الطالبين أحمد الشيخ على الدخيلى (الطالب فى متوسطة الخورنق) والطالب (عبد الأمير الشيخ راضى) (الطالب فى متوسطة السدير) وهو سبط العلامة السيد حسين الحمامى .. وفى مكتبى يحضر ممثل الحزب الشيوعى وممثل حزب البعث لوضع الترتيبات اللازمة لسير المظاهرات وتثبيت الشعارات أو رفع اللافتات. أما فى (برانى) الشيخ أحمد فكنا نعقد اجتماعاتنا الحزبية مع شبابنا الحزبى لإعطائهم التعليمات والشعارات أو الكلمات التى تلقى .. وهكذا سيطرنا على مجريات الأمور فى النجف ففلت الزمام من يد الحكومة وشرطتها ولم تعد تستطيع أن تفعل شيئاً بعد سقوط الشهيدين المذكورين وعدداً من الجرحى الذى حفز رجال الدين والعلماء الأعلام على التدخل فى الأمر فتم إرسال برقيات احتاج عنيفة من قبل المراجع الدينية إلى الملك فيصل الثانى تشجب وتستنكر تدخل الشرطة واستعمالهم الرصاص فى قتل الأبرياء من الناس واهتبلناها فرصة إذ طبعنا برقيات العلماء ووزعناها على جماهير النجف وأوصلناها إلى إذاعة صوت العرب وراح أحمد سعيد يكرر إذاعتها من هذه الإذاعة لاستنهاض الهمم وإشعار العرب وتعريفهم بثورة النجف وعلمائها ضد سياسة حكومة نورى السعيد وتجاوب أهالى النجف مع أبنائهم وإخوانهم من طلاب وعمال فأعلنوا الإضراب العام وأغلقوا الحوانيت والمحلات التجارية والأسواق وتحولت النجف إلى كتلة متراصة متلاحمة ضد الحكومة وإجراءتها التعسفية.

وعبثاً حاولت الحكومة فك الإضراب العام بعد أن فلت الزمام من يدها بوقوف علماء الدين هذا الموقف المنحاز لأهالى النجف ولعب (ديوان) العلامة الشيخ عبد الكريم الجزائرى (والد الشيخ أحمد) دوراً مهماً فى أحداث النجف إذ يجتمع فيه صباح مساء رجال دين وشيوخ لبحث الأمور الخاصة والعامة وهنا يأتى دور الشيخ أحمد فراح يحضر هذه الاجتماعات ويحاول بطريقته اللبقة توجيه الحديث إلى الوجهة التى تخدم أهدافنا إذ يزود المجتمعين بمعلومات عن قرارات وتصرفات تقوم بها الحكومة العراقية ضد إرادة الشعب حتى يبقى جبهة العلماء متراصة ضد الحكومة ...

أذكر مرة أن (خليل كنة) وزير المعارف اتصل تليفونياً بالعلامة الشيخ عبد الكريم الجزائرى وكان فى ديوانه بعض العلماء يطلب منه العمل على فك إضراب النجف  فما كان من الشيخ محمد جواد الجزائرى (أخو العلامة الجزائرى) إلا أن يخطف التليفون من يد أخيه الكبير ويصيح بأعلى صوته (كان ثقيل السمع) (اسمع يا خليل يا كنة) إن دماء أبنائنا لن تذهب هدراً ... وو .. ارتج عليه إلا أن الجزائرى الكبير استرد سماعة التليفون من أخيه حتى لا يتمادى فى شتمه خليل كنة .. كنت والشيخ أحمد نراقب الموقف حرصاً على استمرار جبهة العلماء متراصة ، استمر إضراب النجف ثمانية أيام ونحن نغذيه بالمظاهرات والمسيرات وقد سيطرنا على النجف سيطرة تامة فأرسلت حكومة بغداد وفداً وزارياً برئاسة الوزير (عبد الرسول الخالصى) وعضوية الشيخ (محمد العريبى) إلى النجف للاتصال بالعلماء من أجل فك الأحزاب الذى أخذ أبعاداً واسعة محلياً وعربياً ودولياً وجاء الوفد إلى (ديوان) الشيخ عبد الكريم الجزائرى بعد أن مر على العلماء الأعلام وقبل وصول الوفد كان الشيخ أحمد قد اجتمع بوالده وأخذ يحثه على أن يظل متصلباً بموقفه ولا يتنازل عن المطالب الوطنية.

وجلست والشيخ أحمد فى البرانى نراقب ما يجرى فى (الديوانية وبدأ الحديث الوزير عبد الرسول الخالصى وأخذ يرجو الشيخ الجزائرى وكان فى ديوانه ومعه بعض العلماء ، يطلب منه العمل على فك إضراب النجف وراح يقدم الوعود والأمانى التى ستتولى الحكومة تنفيها من أجل النجف وأهالى النجف ، ولكن الشيخ عبد الكريم الجزائرى أخذ يردد هذا البيت من الشعر :

إلى أن يعود الماء فى النهر جارياً

                                                          وتخضر جنباه تموت الضفادع

ثم أنحى على الحكومة باللائمة وحملها مسئولية انفلات الوضع فى النجف وغيرها من المدن العراقية وخرج الوفد الحكومى من الديوان خائباً وعاد إلى بغداد            بخفى حنين.

ولم تستسلم الحكومة أمام صمود أهالى النجف فمارست ضغوطها على رجال الدين والمراجع الدينية حتى استطاعت الحصول إلى موافقتهم بفك الإضراب وفتح الأسواق والحوانيت بعد أن استمر ثمانية أيام بكاملها .. ثم بادرت الحكومة إلى اعتقال رؤساء أحياء النجف وبعض الشيوخ بتهمة التقاعس فى التصدى للمظاهرات وإيقافها عند حدها ثم نقلتهم إلى مدينة التقاعس فى التصدى للمظاهرات وإيقافها عند حدها ثم نقلتهم إلى مدينة شثاثة (عين التمر) وهنا شعرت بالخطر محدقاً بى أنا الآخر فآثرت ترك النجف والاختفاء فى بغداد ريثما تهدأ الأمور ولكننى فى الآخر اضطررت إلى تسليم نفسى فى دائرة محافظة كربلاء فتم اعتقالى مع الشيوخ فى حي الحسين فى كربلاء  بعد نقلهم من شثاثة ولم تمتد يد الاعتقال إلى الشيخ أحمد الجزائرى احتراماً لمكانة أبيه فظل حبيس (البرانى) لا يبرحه إلى أن خفت حدة التوتر.

وكان من نتيجة العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956 أن ازداد التلاحم بين القوى الوطنية المتمثلة فى الأحزاب السياسية وساد التنسيق والانسجام بينها بعد أن اشتركت فى نضالها ضد حكومة نوري السعيد وتمخض عن ذلك قيام جبهة الاتحاد الوطنى سنة 1957 من كل من الأحزاب التالية : حزب الاستقلال ، الحزب الوطنى الديموقراطى ، حزب البعث ، الحزب الشيوعى ، وتشكل فرع للجبهة فى النجف كنت المقرر لها وعضو ارتباط مع المركز فى بغداد.

وسافرت مع الشيخ أحمد الجزائرى إلى الأهواز سنة1957 بعد إطلاق سراحى من المجلس العرفى الذى أحلت إليه فى الديوانية وخرجت بكفالة نقدية كبيرة ، ولآل الجزائرى بستان عامرة فى المحمرة اعتاد الشيخ أحمد الجزائرى أن يسافر إلى هناك سنوياً لاستلام ريعها ، وقضينا هناك أياماً حلوة وعشت فى أجواء القبائل العربية المقيمة بين المحمرة والأهواز وعبادان .. بنى طرف وكعب ، و أزيرج وغيرهم.

وتوج نضال الشعب العراقى بقيام ثورة 14 تموز سنة1958 وقد أحسن الشعب العراقى استقبالها ظناً منه أنها خاتمة المطاف وأنها ستضع حداً لمعاناته وتضحياته الكثيرة .. ولكن سرعان ما دب الخلاف بين أطراف الجبهة وانعكس هذا الخلاف على الشارع واحتدم الصراع وتعرضت شخصياً إلى الاعتداء على مكتبى إذ هوجم من قبل أصدقاء الأمس وحلفائه ولفقت ضدى تهمة كاذبة اعتقلت بموجبها ومعى مجموعة كبيرة من الإخوان فى معسكر أبو غريب مدة أشهر طويلة ولم يشمل هذا الاعتقال الشيخ أحمد الجزائرى أيضاً احتراماً لمكانة أبيه ولنه لم يكن وقتها فى مدينة النجف حيث كان فى بغداد بعيداً عن مسرح العمليات وما أن عاد إلى النجف حتى لازم (البرانى) لا يبرحه خوفاً من الاعتداء عليه بعد أن تم اعتقالى واعتقال أغلب القوى القومية فى النجف وظل هو طليقاً .. وحتى عندما تم إطلاق سراحى بكفالة قلت لقاءاتنا سواء فى النجف أو فى غيرها تحاشياً للمشاكل خاصة بعد أن استولى على الشارع تيار لا يرعوى ولا يقيم وزناً لأى اعتبار .. وسرعان ما تلاحقت الأحداث حتى وصلت إلى ثورة الشواف فى الموصل فى 8/3/1959 ، وكنت يومها فى بغداد وعدت سريعاً إلى النجف ولم أستطع مقابلة الشيخ أحمد لأنه معتكف بداره لا يبرحها وأنا لا أكاد أظهر علناً خاصة بعد أن جدت فى طلبى عناصر موتورة تتحرق شوقاً إلى إغتيالى أو سحلى ، فاضطررت أن أغادر إلى خارج العراق وهكذا تركت النجف فى طريقى إلى السعودية فى 23/3/1959.

وظل الشيخ أحمد الجزائرى فى النجف لا يبرح داره كما ذكرت .. والتقيت بالشيخ أحمد الجزائرى فى القاهرة سنة 1960 وقد جاءها قبلى لاجئاً سياسياً وعادت علاقتنا السابقة يحدونا الأمل أن نعود إلى عراقنا الحبيب بعد أن يتحرر من حكومة عبدالكريم قاسم وصباح ذات يوم طالعتنى جريدة الجمهورية بخبر استشهاد الشيخ أحمد الجزائرى بحادث سيارة مشئوم حيث كان بصحبة (محمود الدرة) عائدين من المطار فاصطدمت السيارة التى يقودها الدرة بسيارة عسكرية معطلة فى طريق المطار المظلم فكان أن توفى الشيخ أحمد فى الحال نتيجة نزيف دموى برأسه ، وأصيب الدرة برضوض بسيطة ، وذهبت إلى مشرحة (زينهم) لأرى أخى وصديقى الشيخ أحمد الجزائرى جثة هامدة يرقد فى ثلاجة وقد رفض عبد الكريم قاسم أن ينقل جثمانه إلى العراق ويدفن بمدافن عائلته بجانب والده الذى سبقه إلى الدار الآخرة بعام .. فدفن بمقابر العلماء فى البساتين فى تشييع مهيب اشترك فيه علماء  الأزهر ورجالات عربية كثيرة ولم يتعد عمره الأربعين.

لم يميزه عن أى (أفندى) إلا العمامة البيضاء والجبة ، فرغم سمته الدينى الذى التزم به لباساً إلا أن قراءاته ومطالعاته حديثة ومتطورة فكان يقرأ فى السياسة والتاريخ والجغرافية والأدب لمؤلفين عرب وأجانب وله محاولات تعلم اللغة الإنجليزية ، ويقرأ فى الشعر ويستمع إلى الغناء ويحب المسرح وكثيراً ما كان يذهب إليه وإلى السينما عندما كان فى القاهرة ، حليق اللحية إلا من بعض شعرات تغطى حنكه ، يحب الطيب  وعندما كنت أقسو عليه أحياناً لتصرف يصدر عنه لا أرتضيه كان يجيبنى أنه (هو الأخر شاب ... ويحب الحياة ...) .. كان طيب القلب لا يقوى على (زعل) صديق له يحبه .. كريم اليد وطاهر النفس ويعتز بكرامته ويتفانى من أجل عروبته .. كان شجاعاً لا يتردد فى اقتحام المصاعب أو المتاعب من أجل عقيدته دون أن يشعر بحرج لوضعه الدينى وعمامته .. مقبل على الحياة وكثيراً ما كان يردد على مسامعى أنهم عائلة معمرة .. أراده والده عندما أحس باقتراب منيته أن يعود إلى العراق كى يراه قبل أن يموت ولكنه رفض الرجوع إلى بغداد بوجود عبد الكريم قاسم فمات أبوه حسرة عليه ولكنه لحق بأبيه بعد عام من وفاته فقد أخترمه الموت وهو فى             ريعان الشباب رحمه الله.