عبد العزيز طباطبائي في واشنطن.. مهمة مزدوجة!
هارون محمد
في
مثل هذه الايام من العام الماضي 2006 وصل الي واشنطن عبد العزيز الحكيم وأمضي فيها
عدة أيام اجتمع خلالها مع الرئيس بوش وعدد من مسؤولي ادارته، عاد بعدها الي بغداد
حاملا موافقتين أمريكيتين اولاهما:
تسليم الرئيس السابق صدام حسين المعتقل وقتئذ في سجن المطار الامريكي الي جماعة
الائتلاف الشيعي التي بادرت الي تنفيذ اعدامه في أول أيام عيد الاضحي الفائت في
سابقة لم تحصل عبر التأريخ الاسلامي، أما الموافقة البوشية الثانية فتمثلت، باعطاء
البيت الابيض الضوء الاخضر، للمباشرة في مباحثات رسمية ثنائية (امريكية ـ ايرانية)
حول العراق تعقد في عاصمة العراق، وقد تحققت ثلاث جولات منها لحد الان والرابعة في
الطريق. ويبدو ان عبد العزيز متفائل باطلالة شهر كانون الاول (ديسمبر) أمريكيا،
وحريص علي ان يتواجد في أيامه الاولي في واشنطن ويلتقي مع سادتها ويتباحث معهم في
قضايا عراقية باعتباره مبعوثا ايرانيا يحمل رسائل وعروضا واقتراحات من طهران حول
تقاسم النفوذ والادوار في العراق، والرجل وهو في العاصمة الامريكية لم يكذب خبرا،
فقد أعلن في ختام زيارته وهو في غاية الفرح انه اتفق مع بوش ومساعديه علي جولة
جديدة من المباحثات الامريكية الايرانية تعقد قريبا في بغداد، ولم يخف سعادته ايضا
بصدور تقرير استخباري امريكي يستبعد انجازا نوويا عسكريا في ايران خلال السنوات
القليلة المقبلة، وكأنه وزير خارجية ايران او مسؤول الملف النووي فيها، خصوصا وان
التقرير أعلن وهو في آخر يوم من زيارته الميمونة، الامر الذي يوحي بان رئيس
الائتلاف الشيعي قد وقت زيارته الي أمريكا وهو علي علم مسبق بموعد صدور التقرير، او
ان الزعماء في واشنطن وتحديدا قادة المحافظين الجدد ورؤساء الاجهزة الاستخبارية،
وهم الذين يحكمون أمريكا من خلف الستار، أرادوا تقديم هدية لصاحب العمامة السوداء
التي رهنها في البيت الابيض منذ نهاية العام 2003 في زيارته الاولي الي واشنطن ضمن
وفد مجلس الحكم الانتقالي برئاسة عدنان الباجةجي، والاخير لديه معلومات مفصلة عن
لقاءات ومباحثات عبد العزيز الجانبية هناك، استقاها من صديقه الحميم كولن باول وزير
الخارجية السابق ولكنه لا يقوي علي الحديث عنها الان لاسباب معروفة.
وقد أصبح معروفا في الاوساط السياسية الامريكية ان الرئيس بوش يعتبر عبد العزيز
الذي تسميه الصحافة الامريكية رجل ايران القوي في العراق، معتمده الاول في العراق،
يتصل به بين حين وآخر، ويتشاور معه، ويثق بكلامه، ويفضله علي زملائه الاخرين في
الائتلاف والحكومة، وهو ما دعا أحد السياسيين الحاليين الي التعاقد مع شركة علاقات
عامة امريكية، وتكليفها ضمن المهام التي اتفق عليها ليس بتلميع صورته في الساحة
الامريكية فقط، وانما بالبحث عن السر الذي يجمع بين رئيس أعظم دولة في العالم، وملا
معمم وطائفي ـ حسب رأيه ـ دون ان يدرك وهو (الفهيم) بشؤون وشجون امريكا ـ كما يدعي
ـ ان بوش رجل استعماري في فكره ومنهجه وسلوكياته، ويهمه في المقام الاول من يخدم
أهدافه بغض النظر عن هيئته وشكله وموقعه ومستواه، وامريكا من الدول التي تحتفظ بما
يسمي (الاحتياطي المضموم) في العراق حاليا، يضم نماذج تنتمي الي فئات ومواقع
مختلفة، من رؤساء ووزراء وجنرالات وقادة احزاب نزولا الي أصحاب عمائم وأنصاف وارباع
شيوخ وموظفين صغار ومخبرين، يأتي دور كل واحد منهم حسب الحاجة الامريكية.
ولعل من المناظر المألوفة في عراق اليوم ان كبار المسؤولين ورؤساء الاحزاب
المشاركين في العملية السياسية ـ كما تسمي ـ صاروا يتسابقون ويتنافسون علي اظهار
ولائهم للسيد الامريكي مهما كانت شخصيته ووظيفته، ولا تستغربوا اذا عرفتم ان عددا
من هؤلاء يتصلون باستعلامات السفارة الامريكية ودائرة العلاقات في قيادة القوات
الامريكية ببغداد ويسجلون أسماءهم، طلبا للقاء مع السفير كروكر او الجنرال بتراويس،
بطريقة تخالف التقاليد المتعارف عليها في الدول التي تحترم نفسها، وينقل عن السفير
الامريكي السابق زلماي خليل زاد انه انتفع من نقله الي الامم المتحدة في مسألة
واحدة وهي انه تخلص من لقاءات من أسماهم بالسياسيين العراقيين وسماع ثرثراتهم، فيما
يورد بول بريمر قصصا وحكايات يعرضها ساخرا في كتابه (عامي في العراق) عن اتصالات
واجتماعات مع هذه النماذج، وقبل أيام اتصلت هاتفيا مع أحد مساعدي عدنان الدليمي
الذي حوصر في بيته واعتقل أفراد حمايته، واستفسرنا عن دوافع وحقيقة الاتهامات
الموجهة اليه في الازمة الاخيرة، فكان جوابه ان التهم ضد الدليمي ملفقة وليس صحيحا
ان الشرطة ضبطت سيارتين مفخختين في منزله، واعتبر المسألة كلها كيدية في محاولة
للاساءة الي الدليمي وجبهة التوافق التي يرأسها، واقترحنا عليه ان يطلب من الدليمي
دعوة مراسلي الصحف ووكالات الانباء والتلفزة الاوربية والامريكية في بغداد الي
مؤتمر صحافي في داره بحي العدل، واذا منعتهم الشرطة من دخول الدار فهي لا تقدر علي
منع المراسلين الاجانب من الوقوف أمام بيته، وعندها يستطيع ان يصعد علي سطح الدار
ويعقد معهم حوارا صحافيا يكشف ملابسات الازمة ومن يقف وراءها وبذلك يكون قد ضرب
ضربته ويسجل سبقا سياسيا وصحافيا مثيرا، (محاصر في بيته ويعقد مؤتمرا صحافيا في سطح
داره لمراسلين ومصورين يقفون امام الدار) واستحسن صاحبنا الفكرة التي لم تخطر علي
البال ـ كما قال ـ ولكنه عندما عرضها علي الدليمي طلب التريث في تنفيذها لحين ابلاغ
الحنرال بتراويس الذي كان قد اتصل بالدليمي هاتفيا وطلب منه عدم تصعيد الموقف مع
نوري المالكي وقال له ايضا ـ علي ذمة مساعد الدليمي ـ اننا نعرف ان العملية ملفقة
وهي موجهة ضدنا لان المالكي وجماعته يريدون تخريب شغلنا وجهودنا في موضوع المصالحة،
لا تأزموا الامور أكثر ونحن سنتدخل ونحلها بهدوء وبعيدا عن الاضواء، وتبين فيما بعد
ان الجـنرال الامريكي لم يكن مع الفكرة، وبدلا من ذلك أرسل مستشار الأمــن موفق
ربيعي اليه ليصحبه الي فندق الرشيد معززا مكرما.
وأغرب ما سمعناه قول أحد معاوني عدنان الدليمي وهو يبرر استجابة الاخير لنصيحة
الجنرال بتراويس بترك بيته والانتقال الي فندق خمس نجوم ان (الجماعة) ويقصد
الائتلاف الشيعي تجبرنا علي التعاون مع الامريكان..!
وعودة الي زيارة عبد العزيز الاخيرة الي واشنطن، فقد اتضح جزء منها وهو المتعلق
بالجانب الايراني ورغبته في لقاء جديد مع نظيره الامريكي لاستكمال المباحثات
الثنائية السابقة حول العراق، ولكن الجزء الخاص بالعراق لم يكشف عنه الا في عبارات
تقليدية تقال للاستهلاك المحلي ليس الا، أما المخفي فهو المهم، وهناك خشية من
مساومات وصفقات امريكية ايرانية قد يكون عبد العزيز قد أدارها في زيارته تتعلق
بمصير الفريق سلطان هاشم وزير الدفاع العراقي الاسبق، فثمة معلومات تتداولها أوساط
مقربة من نوري المالكي تفيد ان رسالته الاخيرة الي الرئيس بوش بعد لقاء الدائرة
التلفزيونية المغلقة الخاصة بالاتفاق علي وثيقة التفاهم المشتركة حول مستقبل القوات
الامريكية في العراق، حملها عبد العزيز وليس كما ذكر الناطق الرسمي باسم المالكي
عبر القنوات الدبلوماسية، والرسالة هي عبارة عن رجاء ومناشدة من رئيس الحكومة وكتلة
الائتلاف الشيعي بضرورة تسليم الفريق سلطان مع رفاقه الي الحكومة لاعدامهم قبل عيد
الاضحي المقبل.
تفاديا للضجة والاستنكار والاحتجاجات التي رافقت واعقبت اعدام الرئيس صدام حسين في
أول أيام عيد الاضحي من العام الماضي، ولان الامريكان لا صاحب لهم ولا صديق غير
مصالحهم، فان خوف العراقيين الوطنيين والقوميين والاسلاميين الحقيقيين والشرفاء
مشروع من زيارة عبد العزيز الاخيرة الي واشنطن ونقل رسائل ايرانية واخري طائفية
عراقية الي الادارة الامريكية، فبعد كل زيارة يقوم بها هذا الملا المزدوج في ولائه
الي أمريكا تحصل مصيبة علي أهل العراق.