الديمقراطية الأختيار الثالث

 الديمقراطية و مسألة القوميات في التجربة العراقية

حسين الربيعي

ان العملية السياسية في العراق ، التي أنطلقت تحت مسميات ديمقراطية ، فانها ركزت على ان المجتمع العراقي ينقسم الى ثلاث مكونات "رئيسية" الكرد ، الشيعة ، السنة ، ويتعمق هذا النهج في أحقية هذه المكونات اقامة اقاليم تخصها ـ كردستان للكرد ـ الجنوب و الوسط للشيعة ، الاقليم الغربي للسنة .  واذا كان التركمان قد طرقوا هذا الباب مؤخراً إنما ًلضمان (حقوقهم) القومية بالدعوة لأنشاء أقليم "تركماني" أو للضغط السياسي ، فان السؤال الذي يوجهه ابناء "الطوائف" و القوميات الاخرى (الاقل عدداً) والتي لاتعتبر "مكونات" اساسية للمبشرين "بالديمقراطية الجديدة" ليس (لزعماء المكونات الأساسية) فقط بل لساستهم أيضاً الذين أرتضوا "مسايرة" "العملية السياسية" ، والسؤال  : أين هي حقوق قومياتنا ؟

 وسوف يدور لاحقاً كلام عن امكانية قيام "حكم ذاتي" لهذه القوميات التي "تعيش" وسط "الكيانات الاساسية الثلاث" بشكل "مقاطعات" أو "ولايات" أو "واحات" لها خصوصياتها و ثقافاتها وأرتباطاتها و علاقاتها ! إذاً هل يمكن أن تتوسع المحاصصة لتشمل هذه (المكونات) التي لايؤلف أعداد أبنائها ( مهماً) ؟أو أن يكون الحل في "دمج" أبناء هذه القوميات" ، بالقوة "كما جرى مع البعض من خلال الإخافة والأرهاب" أو بغير القوة  ، واستلاب خصوصياتها بالكامل !؟ومهما يكن الحل (إذا التفِت لحل) ، فإنه لن يكون حلاً ديمقراطياً على الأطلاق ، لماذا .. ؟ ببساطة لأن ذلك لايتوافق مع التقسيمة التي تقزم عليها العملية السياسية !

ان ديمقراطيتنا .. التي تنطلق من العقلانية ، ومن العمومية "الشعبية" ، ومن خلال "اتحاد قوى الشعب العامل " التي لاتوافق على ان تكون مكونات الشعب العراقي كرد و سنة و شيعة ، رغم الاعتراف بهذه بخصوصيات .. القومية للكرد .. والدينية و الاجتهادية  لكل الاديان و الطوائف الاخرى ، ولكن .. المجتمعات المتقدمة .. و وفقاً للمفاهيم العقلانية ، و منها المفاهيم العقلانية الاسلامية لا تقسم الشعوب لهذه المكونات . ان هكذا تقسيم ليس ديمقراطياً فالديمقراطية .. تقود أولاً لإعلاء شأن الانسان بانسانيته ، و وطنيته ، وليس بقوميته أو دينه و طائفته .

ان الخلط بين الديمقراطية التي نعتقد ان خير وسيلة لها الاقرار بالمواطنة الواحدة التي تضمن العدالة و المساواة ، و بتكافىء الفرص ، و بحق المشاركة في الثروة الوطنية ، و بالعدالة في المسؤوليات الوطنية .. كالدفاع عن الوطن و حماية الثروة العامة ، و الحفاظ على الامن الاجتماعي ، و تعزيز الثقافة الوطنية ، وقيم الاخوة و المحبة  .. وبين ، الضمانات البسيطة التي هي ناتج طبيعي  لديمقراطيتنا ، للحقوق و المشاعر و الفعاليات القومية و الدينية و الطائفية . فالانسان الذي يحمل "عقلية المواطنة" الديمقراطية العقلانية الانسانية ، لا يمكن ان يظمر سوءً لابناء القومية  أو الديانة والطائفة التي لا ينتمي لها . فروابط (المواطنة) الديمقراطية هي التي تجمعه في ثقافة وطنية واحدة تكون لديه بمثابة "العقل الباطن" الذي يسيطر على سلوكيته ويحكم علاقته بالمجتمع الواحد .

ان هذا النموذج الديمقراطي الجاري تطبيقه في العراق  ، ديمقراطي "لزعماء" الطوائف و المكونات و تغييب كامل لديمقراطية الفرد ، المواطن ، و الانسان ، انها ضياع حقيقي ، و تضليل كامل لمفهوم الديمقراطية ، و سياق أو وسيلة لمنع قيامها ، انها عودة للسلفية السياسية والفكرية التي اصبحت "حالة عجز أمام قانون الحياة باعتباره صيرورة وتغيراً             وتغييراً ـ النظرية الجماهيرية و اشكالية التطبيق د. المهدي المبيرش " .

 نعم انها مسؤولية العقلاء من ابناء هذه الامة الذين يتمسكون بهويتهم الوطنية ، و ثقافتهم الوطنية .. التي يجب ان تكون اعلى من الانتماءات الاخرى ، او الخصوصيات ، اذ لايمكن ان تكون تلك الانتماءات هوية في دولة قوية ناهضة و محترمة من الجميع ، و الخصوصيات على كل حال لايمكن ان تعلو على الثقافة "التأريخية" الواحدة المكونة لمجتمع دولة مهما يحاول البعض (تعظيم) مظلوميات بعض (الفئات) من الشعب ، لان الغاية من الحديث عن المظلومية يجب ان يكون (ازالتها) و العودة لشكل الحياة (المشتركة) ، على شاكلة (النية الطيبة) في ازالة الخلافات الزوجية الهادفة لاستمرار الحياة ، و في الحياة الزوجية يمكن أختيار بديل ثاني ، أما في حالة المكونات و الطبقات (الشعبية) لا يمكن (أختيار) طبقة بديلة أو فئة أو قومية جديدة للتعايش و التعاون و العمل المشترك معها ، فالجغرافية و التأريخ والمصالح والدين المشترك و لغة (التفاهم) ، لا يمكن أختيارها عبر قرار أو قانون أو أنتخابات أو أستفتاء .

ان الذي يريد ان يقيم مجتمع ديمقراطي ، و الذي يريد ان يكون ديمقراطياً يجب ان يشعر بالمسؤولية عن كل فرد في الدولة و المجتمع ( ديمقراطية كل الشعب معناها ان نكون مسؤولين عن بناء كل فرد من أفراد الشعب بناءً سياسياً سليماً ، و معناها أيضاً ان لا نجعل طبقة تتحكم في طبقة أخرى مهما كانت و على جميع المستويات ـ جمال عبد الناصر ـ اللجنة التنفيذية للأتحاد الاشتراكي 4/7/ 1967).

و نحن اذ نطلق العنان   ، لما يدور في عقولنا ، فاننا لا نتصرف الا بأسلوب و آلية ديمقراطية بحتة ، في جو مشحون ، بالمسلحين و الميليشيات ، و الجيوش المتعددة ، و الاجراءات و القوانين الامنية المختلفة من منطقة لاخرى ، والاجراءات والاساليب غير المتشابهة ، بل و التحالفات و العلاقات المتعددة ، لا نحمل الا عقلنا ورأينا الذي لن نمنع أنفسنا من أطلاقه ، في محاولة للمساهمة بانقاذ الوطن مما يدور حوله و في باطنه من مخاطر ، لن يكون آخرها (المأزق الديمقراطي) في شمال الوطن الذي هيأ للبعض التعامل بأمن الوطن والمواطنين .. رغم كل الذي يعاني منه العراق والعراقيين بعربه وكده وتركمانه وآشورييه وكلدان  والجميع  ، و الذي يمكن ان يلحق بالاخوة العراقيين الكرد مالانتمناه لأنفسنا .. وفق عقلية ديمقراطية نؤمن بها أشرنا الى ان أسباب تلك المخاطر ، هي ان ساستنا لا يفكرون بعقلية المواطنة و لذلك فانهم قلما يرضخون للديمقراطية .   

أن المدخل الأول للديمقراطية هي المواطنة ، التي لاتفرق بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، أن المواطنين .. أخوة كالمؤمنين ( جسدٌ واحد ، إذا مرض منه عضواً تداعى له كافة الجسد بالسهر والحمى ـ حديث نبوي شريف) ، إننا أبعد مانكون عن الفكر ، فهناك أختلاف بين الفكر والرغبة ، فالفكر عقلاني ، أنساني ، طبيعي .. والرغبة شيطانية ، أستبدادية غير مستقرة لأن مصدرها القوة والشعور بفرضها دون أن يتحكم بها العقل ودون أن تخضع لسلطانه .

فلنطلق (سراح) عقولنا بالبحث عما يجمعنا ، وما يجمعنا كثير .. الأرض التي تجمعنا والسماء التي (تغطينا) والماء الذي يروينا ، والمصير والمصلحة المشتركة ، وما يفرقنا أكذوبة سمجة سموها لاتشبه أسمها على الأطلاق ، وكأنني أسمع فولتير وهو يعلن ثورته على البعض اتلذي فضل (الرغبة بعيش ناعم) على حقوق أخوانهم البشر ، وما أجمل كلماته وهو يقول : أسحقوا العار ! أنه نضال جبار ، نضال المخلوقات المفكرة ضد المخلوقات التي لاتفكر .

 

 

                                                

                                                 بغداد العروبة 4 تشرين ثاني نوفمبر 2007