المالكي يرأس حكومة تكنوقراط!
هارون محمد
 

ثمة حكاية طريفة وحقيقية ذات دلالات عميقة تتداولها الاوساط الشعبية في العراق منذ فترة تقول: ان أحد الملالي المعممين الذين قدموا من قم الايرانية عقب الاحتلال واستولي علي احدي الحسينيات في منطقة الكرادة الشرقية، دأب علي التحرش بفتاة تقطن في بيت اسرتها المجاور للحسينية، عارضا عليها الزواج باعتبارها من عائلة شيعية، طالبا منها ان تترك وظيفتها كمعلمة في احدي المدارس الابتدائية، ملوحا لها بأموال ومجوهرات لا تحلم بها، وشفاعته لها بدخول الجنة في الآخرة، باعتباره سيد من آل البيت، الامر الذي دفع بالفتاة الي ابلاغ اخوتها بعد ان تمادي الملا المراهق في تهوره وتحرشاته.
واتفق اخوة الفتاة علي تلقين المعمم درسا في الاخلاق والقيم حيث كمنوا له وطلبوا من شقيقتهم ان تجادل الملا لبعض الوقت عندما يتعرض لها، كي تتيح لهم ضبطه بالجرم المشهود خصوصا وانه عضو قيادي في حزب شيعي طائفي متنفذ ويتمتع بشبه حصانة من الحكومة، وفعلا عندما أقبلت الشقيقة المعلمة في طريقها الي منزلها من أمام الحسينية، وقف لها الملا المعمم كعادته وراح يتغزل بجمالها (الرباني) ملقيا علي أسماعها عروضه المكررة في الزواج ومزاياه، وردت عليه الفتاة واشتبكت معه في مشادة كلامية مستخدمة مفردات بغدادية مألوفة في شتمه والتنديد به وهو غير عابئ بكلامها ويخاطبها بطريقة ناعمة علي طريقة (يا ليتنا كنا معكم لنفوز فوزا عظيما، وجربيني .. برسم الخدمة تجديني) وبرز أخوة الفتاة من مخبئهم وانهالوا علي الملا المعمم بالضرب والرفس وهو يصرخ ان قصده شريف، وفجأة توقفت سيارة تاكسي بالقرب من مكان المعركة المحتدمة، ونزل سائقها وراح يوجه اللكمات والضربات الي الملا المتصابي بحيث وقف اخوة الفتاة يتفرجون اعجابا بشهامة هذا الرجل، وجاءت مفرزة من الشرطة وقامت بنقل الشيخ المعمم الي المستشفي واخوة الفتاة وسائق التاكسي الي مركز الشرطة للتحقيق معهم. واستمع قاضي التحقيق الي افادات أشقاء الفتاة وحججهم في ضرب الملا وسجلها في محضر القضية، ولما جاء دور استجواب سائق التاكسي سأله المحقق هؤلاء اخوة الفتاة فزعوا لشقيقتهم، أنت ما دخلك في الموضوع؟ فأجابه سائق التاكسي ببراءة وعفوية قائلا: والله يا سيادة القاضي لما شفت الجماعة يضربون ملا ومعمم، قلت مع نفسي يا فلان جاء وقتك، أكيد الحكومة سقطت ولا بد ان آخذ نصيبي منها ..!
هذه الحكاية رغم بساطتها غير انها تجسد حقيقة حكومة نوري المالكي وطبيعتها الطائفية، وتعبر تماما عن توجهاتها الحزبية التي وصلت الي مديات لا يمكن تصورها، وأبسط مثال قريب علي ذلك انها أوفدت أحد قياديي حزب الدعوة الي لندن يرافقه طبيبان أحدهما يحمل رتبة لواء طبيب وأنزلتهم في أغلي فندق خمس نجوم وحجزت للقيادي في أرقي المستشفيات لعلاجه من عوق مزمن في احدي ساقيه، مع ان الفحوصات الطبية التي أجريت له في المستشفي الامريكي بالمنطقة الخضراء في بغداد أكدت علميا ان مثل هذه الحالات لا علاج لها لتقادم الزمن عليها.
وأغرب ما يروج الآن في بغداد عن هذه الحكومة علي لسان أحد المسؤولين فيها الذي برز فجأة عقب الاحتلال في دبي التي كان يعمل في متجر ايراني لبيع السجاد فيها قبل ان ينتقل الي بغداد، وهو معروف بكثرة تصريحاته وعشقه للاضواء، ان المالكي يفكر في تشكيل حكومة تكنوقراط بدلا من حكومته الحالية التي فقدت شرعيتها بعد ان انسحب منها أكثر من نصف أعضائها، والسؤال الذي لم يجب عليه صاحب اللسان الثرثار هو: كيف يمكن لرجل لا يحمل مؤهلا علميا مناسبا ان يرأس حكومة تكنوقراط تضم علماء وخبراء واكاديميين؟ وبأي لغة يتفاهم معهم، وهو المعروف عنه ـ وهذا ليس عيبا ـ انه رجل لم يعمل في حياته غير فترة قصيرة في دائرة تربية الحلة بصفة مستخدم في نهاية السبعينات، وبالمناسبة وعلي ذكر الحلة، فان أزمة حادة تدور حاليا في أروقة مجلس المحافظة فيها حيث اكتشف عدد من أعضائه ان السيد المحافظ وهو أحد قياديي ميلشيا بدر التابعة لمجلس الحكيم، لا يحمل غير الشهادة الابتدائية حسب ملفه القديم في تربية الحلة، وانه زور شهادة (ليسانس) من مركز ديني في طهران تبين انه يخرج قراء منابر حسينية يسمون في اللهجة الجنوبية العراقية (رواديد) جمع رادود، ولا يمنح هكذا شهادات علمية او جامعية، وانه قدم هذه الشهادة المزورة التي رفضت الاعتراف بها وزارة التعليم العالي الي المجلس وخاض بموجبها انتخاباته التي فاز فيها وحصل علي منصب المحافظ، والامر نفسه ينطبق علي محافظ القادسية (الديوانية) الجديد، الذي نزع عمامته البيضاء وصار أفنديا مع تهذيب لحيته، وهو الذي يعرفه ابناء المحافظة قبل هروبه الي ايران رجل خدم في حسينيات المشخاب والشامية وعفك، لا شهادات ولا هم يحزنون، علما بان قانون المحافظات يلزم كل عضو فيه ان يكون حاصلا علي الشهادة الثانوية أي الاعدادية علي الاقل..
وما دمنا نتحدث عن التكنوقراط المزيفين، فقد أصدر أحد مسؤولي مكتب رئيس الوزراء ايضاحا نشره علي نطاق واسع استنكر فيه الدعايات المغرضة التي تقول ان رئيس الحكومة يستخدم عددا كبيرا من المستشارين في مكتبه، وأكد ان مجموعهم بحدود ثلاثين يرأسهم ثامر غضبان وزير النفط في حكومة اياد علاوي ويتوزعون علي اختصاصات سياسية واقتصادية واجتماعية واعلامية دون ان يذكر اسماءهم باستثناء المستشار الاعلامي مجيد ياسين الذي كان في الاصل مراسل احدي وكالات الانباء الاجنبية في طهران ولسنوات عديدة، وللمعلومات فان هؤلاء المستشارين السياسيين والاقتصاديين والثقافيين والاعلاميين الذين لم يفصح المسؤول عن أسمائهم جميعهم من حزب الدعوة بمستويات متباينة، منهم شاب ايراني الاصل في الثلاثينات من عمره لا يستطيع تكوين جملة مفيدة ومهمته مستشار علاقات عامة، وآخر كان يعمل قصابا في الكويت وهرب منها أواسط الثمانينات بعد اتهامه بمهاجمة السفارتين الامريكية والفرنسية والمشاركة في محاولة اغتيال جابر الاحمد شيخ الكويت السابق، وثالث يلقب (ابو تخريجة) كان يعمل مهربا في سورية ويتولي تهريب الفارين والهاربين من العراق الي السويد والدول الاسكندنافية مقابل عمولات مجزية، واللقب لصق به من مفردة (الخروج)، ورابع وظيفته مستشار ثقافي لرئيس الوزراء، كان آمرا لمعسكر الصدر في الاحواز خلال سنوات الحرب الايرانية علي العراق، وهو شخص معمم يفخر انه وسع وطور هذا المعسكر الذي كان يرسل متسللين الي العراق يقومون بضرب الجنود العراقيين من الخلف وتخريب المنشآت والطرق والجسور العراقية، ومستشار خامس يسمي بالسياسي يزعم انه طبيب أطفال رفضت وزارة الصحة السورية تشغيله عندما لجأ الي دمشق بعد اختباره وشككت بالشهادة التي يدعي انه حصل عليها، ومستشار سادس وسابع وثامن الي آخر القائمة من طينة واحدة ينطبق عليهم المثل الشائع (وافق شن طبقة).
ويبدو ان موضة حكومة التكنوقراط لم تعد مقصورة علي رغبة الاستاذ نوري المالكي في تشكيلها، وانما امتدت الي منافسين آخرين طامعين برئاسة مثل هكذا حكومة، والمفارقة ان قناة فضائية عراقية، سعودية التمويل، اردنية التوجيه، دخلت في هذا السباق منذ مطلع الاسبوع الحالي وبقوة لصالح أحمد الجلبي رئيس هيئة اجتثاث البعث، الذي عرضت واذاعت عنه تقارير دعائية واضحة الفبركة تشير الي انه بات المرشح الابرز لتشكيل حكومة تكنوقراط جديدة تخلف حكومة المالكي، وراحت هذه القناة الفضائية تنشر أخبارا هامشية عن الجلبي لتلميع صورته، حتي وصل الامر بها انها ظلت تعيد في نشراتها الاخبارية علي مدي يوم كامل نبأ عن زيارة رئيس هيئة الاجتثاث لاحد مراجع الشيعة الايرانيين في كربلاء وكأن الزيارة جزء من المشاورات التمهيدية لتشكيل حكومته العتيدة التي لا أحد من المنخرطين في العملية السياسية في المنطقة الخضراء او خارجها له علم بها، باستثناء صاحب القناة والجلبي طبعا، ولا يعرف ايضا ان كانت عملية (تسويق) الجلبي من جديد هي صفقة بين القناة الفضائية ورئيس هيئة الاجتثاث في اطار الدعاية والعلاقات العامة، ام انها تأتي ضمن سياقات مصالحة سعودية اردنية مع الجلبي..!
وعلي الجانب الآخر يواصل اياد علاوي اتصالاته مع الاوروبيين هذه المرة، لمساعدته علي ازاحة نوري المالكي من رئاسة الحكومة الحالية ودعمه لتشكيل حكومة تكنوقراط وغير مسيسة وبعيدة عن المحاصصات الطائفية والعرقية ـ حسب وصفه ـ ففي غضون ثلاثة اسابيع زار مقر الاتحاد الاوربي في العاصمة البلجيكية مرتين برفقة زميله في الكتلة النيابية عدنان الباججي، والمعلومات القليلة المتوافرة عن الزيارتين لا تبشر بخير، علي اعتبار ان الدول الاوربية ليست لها اهتمامات بالعراق ما دام محتلا من الامريكان، ودورها يشبه دور الامم المتحدة، مراقبة عن بعد واصدار بيانات بالمناسبات فقط ، ونقلا عن مناوئين لعلاوي في بغداد فان الذي شجع رئيس حركة الوفاق علي التوجه نحو اوروبا هو روبرت بلاكويل الدبلوماسي الامريكي السابق الذي تعاون مع الاخضر الابراهيمي في ما سمي بعملية نقل (السيادة) الي العراق في منتصف العام 2004، وكان قد تقاعد من منصبه كمستشار لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في مطلع العام الماضي واسس شركة للعلاقات العامة في واشنطن يتردد ان من زبائنها الجدد اياد علاوي الذي تعاقد معها لتقديمه الي الرأي العام الامريكي والصحافة والتلفزة والكونغرس هناك، ويقال بهذا الصدد ان بلاكويل يسعي الي توظيف علاقاته السابقة مع المسؤولين الاوروبيين بما يخدم مصلحة اياد واعادته الي رئاسة الحكومة بعد اقالة او استقالة حكومة المالكي رغم ان الاخير سخر من مساعي علاوي للعودة الي رئاسة الحكومة ووصفها بانها حرث في بحر.
وعموما فان الحديث عن تشكيل حكومات تكنوقراط في العراق الآن وفي ظل أجواء يتسيدها ملالي ومعممون وقادة ميليشيات وفرق موت، مسألة عبثية او مسرحية تجريبية جديدة ضمن صيغ وأشكال التجريب التي مارستها سلطات الاحتلال منذ نيسان (ابريل) 2003 الي يومنا الراهن، ثم من يقبل من العلماء والخبراء والاكاديميين الحقيقيين الذين يحترمون انفسهم وسمعتهم وكفاءاتهم بالعمل وزراء في مثل هذه الحكومات؟