الهاشمي والانحدار نحو الرئاسة الصورية بديلا لطالباني
هارون
محمد
عندما يصعد الحزب
الاسلامي برئاسة طارق الهاشمي هجماته المفتعلة ويرفع من وتيرة اتهاماته الباطلة ضد
الشيخ حارث الضاري،
فانه ينفذ جزء من الاجندة الامريكية التي تستهدف تطويق وتحجيم الاصوات الوطنية
والقومية والاسلامية التي تقاوم الاحتلال وتطالب بانسحاب قواته التي دمرت العراق
وخربت بناه ومؤسساته وقوضت انجازاته التي شادها العراقيون يالدم والتضحيات علي مدي
ثلاثة ارباع القرن، وتسببت بموت اكثر من مليون انسان في غضون اربعة وخمسين شهرا،
منذ نيسان (ابريل) 2003 حسب تقديرات منظمات دولية، وما تزال الآلة الحربية
الامريكية تحصد أرواح المئات من العراقيين يوميا بالتعاون العاملين لديها ممن
نصبتهم رؤساء ونواب رؤساء ووزراء وقادة في الجيش والامن والشرطة والدوائر الحكومية.
والحزب الاسلامي الحالي في العراق هو صنيعة امريكية اخترعته الاجهزة اياها عقب
الاحتلال، فلم يكن للحزب وجود او نشاط في بغداد او المحافظات العراقية، منذ عام
1970 حتي لو اعتبرناه امتدادا لجماعة الاخوان المسلمين، لان قادة الجماعة اعلنوا في
ذلك العام حلها بالتراضي مع النظام السابق، وخرج عدد منهم من مطار بغداد تحت بصر
السلطة للعمل في السعودية واليمن والاردن والخليج، علما بان زعيم الجماعة حينذاك
الدكتور عبد الكريم زيدان كان وزيرا في أول حكومة لانقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 ،
ولم تمارس الجماعة او الحزب أنشطة او فعاليات سياسية، بل وهذه حقيقة موثقة لا يمكن
انكارها، ان قيادات وكوادر الجماعة تعاونت مع سلطات واجهزة العهد السابق في ترويج
سياساته والدعاية له في المساجد والهيئات والمؤتمرات، وبعض هذه القيادات يحتل مواقع
رسمية عالية في رواتبها ومزياها المالية حاليا، ومعروف ايضا ان الاجهزة السابقة
كانت تستعين بكثير منهم في الرد علي افتراءات الملالي الشيعة والمعممين الطائفيين،
وأحدهم نجح في دحض مقولات وخطب قارئ حسيني مشهور، كان يجوب ببضاعته الكاسدة في
اسواق الكويت ودبي ولبنان، وتمكن من كشف مزاعمه عبر مقالات ودراسات منع علي اثرها
ذلك القارئ المعمم من دخول بلدان كان يتردد عليها دوريا، بعد ان اخفقت الحكومة
العراقية وسفاراتها واتصالاتها في تحقيق ذلك. وصحيح ان خلية من جماعة الاخوان
المسلمين انشأت في مدينة (ليدز) البريطانية في التسعينات مركزا حزبيا رأسه الدكتور
اسامة التكريتي باسم الحزب الاسلامي، الا ان الصحيح ايضا ان هذا المركز لم يتمكن من
ايجاد قاعدة او أنصار له داخل العراق وظل نشاطه مقصورا في اطار ضيق، ولم يحرز نجاحا
يذكر، وهذا يعود اساسا الي ان السنة العرب في العراق تأريخيا واجتماعيا، وهم الذين
يتوجه اليهم الحزب الاسلامي وقبله جماعة الاخوان المسلمين، معتدلون دينيا وبعيدون
عن القضايا الطائفية، ولم يسجل عليهم انهم كانوا جزءا من تطرف مذهبي او احتراب
طائفي، لان ولاءهم كان وما زال للوطن وليس للمذهب او الطائفة، وهذا سر قوتهم وصواب
طريقهم ومسيرتهم، اضافة الي ان لا مرجعية طائفية لهم، تفرض عليهم ارادتها وقوانينها
وضرائبها، وهذه السمات والمواصفات هي التي جعلت جماعة الاخوان المسلمين رغم انها من
اقدم الحركات السياسية في العراق، حيث انشأت في نهاية الاربعينات من قبل المرحوم
محمد محمود الصواف، تدور في حلقات صغيرة في المدن السنية العربية وهي مناطقها
التقليدية، ولم تتحول في يوم من الايام الي حزب شعبي او منظمة جماهيرية، او طرف في
الحركة الوطنية العراقية.
ومع ان الدعم الامريكي للحزب الاسلامي بعد الاحتلال وشمل تأسيسه واشهاره وتمويله
واشراك رئيسه السابق الاستاذ في جامعة بغداد محسن عبد الحميد في عضوية مجلس الحكم
الانتقالي الذي شكله بريمر ضمن الخانة السنية العربية، رغم ان الرجل كردي، وتعيين
وزيرين منه في حكومة الاحتلال الاولي، الا ان الحزب ظل معزولا عن السنة العرب الذين
رفضوا مواقفه في تأييد الاحتلال وانخراطه في ما يسمي بعمليته السياسية وتشكيلاته
الحكومية، وفشل الحزب في الانتشار حتي في مناطق ومدن لها طابع اسلامي عام، بل ان
عددا ممن التحقوا به في بداية انشائه انسحبوا منه سريعا وخصوصا بعد انتفاضتي
الفلوجة في عهد بريمر وحكومة علاوي، حيث لعب الحزب دور المتفرج علي مجازر قوات
الاحتلال والمرتزقة ضد ابناء المدينة الباسلة، وكان موقفه الآخر في تأييد الدستور
المشوه الذي وضعه زلماي خليل زاد وشلته من قادة الاحزاب الطائفية والعرقية، دليلا
لا يقبل الشك، بان الحزب لا يختلف عن أحزاب الدعوة والمجلس الاعلي ومسعود وجلال، في
خطابه وتوجهاته، ولم يقدر علي تمييز طروحاته السياسية عن طروحات تلك الاحزاب التي
ظلت تناصبه العداء وترفص التعاطي معه، مع انه قدم تنازلات كبيرة لها، ولاحظوا كيف
يتعامل نوري المالكي مع جبهة التوافق التي يقودها الحزب الاسلامي، وكيف نجح في
اختراقها عبر كسب وزراء يمثلونها الي جانبه كوزير التخطيط علي بابان وهو عضو في
المكتب السياسي للحزب، ولا نريد هنا ايراد الاسباب التي دفعت بابان الي مغادرة
الحزب وجبهة التوافق والعودة عن استقالته من الوزارة، فقد كشف الستارعنها عضو قيادة
الجبهة خلف العليان، مما يؤكد هشاشة قيادة الحزب الاسلامي وخضوعهم الي الاغراءات
والمكاسب الشخصية والامتيازات الانتفاعية.
لقد تأكد بالملموس ومن خلال وقائع واحداث عديدة وكثيرة، ان الاحتلال اوكل الي الحزب
الاسلامي وظيفة التصدي للشيخ حارث الضاري بعد ان صار الاخير مرجعية وطنية ورمزا
عراقيا في مواجهة الامريكان، التفت حوله فئات وقطاعات وشخصيات واسعة من العراقيين،
لمبدئيته وشجاعته وثبات وصحة مواقفه، ورفضه المساومة علي الحق العراقي العادل
بضرورة انسحاب المحتلين وترك العراق ليقرر ابناؤه وقواه الحية، الخيارات الوطنية
التي تنهض بالبلاد وتعيدها الي سابق مجدها وحيويتها ودورها، وتعويض سنوات الخراب
الامريكي والشحن الطائفي والعرقي، والمضحك في الامر ان عداء قادة الاسلامي للضاري
وصل الي انهم باتوا يستخدمون نفس مفردات الغزاة وعملائهم الطائفيين والعنصريين في
التلفيق ضد الشيخ الجليل، دون ان ينتبهوا لغفلتهم وعمق ارتباطهم مع المحتل، انهم
ينحدرون اكثر فاكثر في الرياء والارتزاق، فالشيخ عندما حذر من مغبة الانجرار الي
لعبة الامريكان في تشكيل قوات موالية لهم في المناطق والمحافظات السنية العربية
بحجة محاربة القاعدة، فانه انطلق من ادراك بان هذه اللعبة خطرة علي الشعب العراقي
ومقاومته الظافرة، لان الرئيس بوش واركان ادارته وقادة جيوشه المحتلة بعد ان عجزوا
عن احتواء وترويض المقاومة الوطنية علي امتداد اربعة اعوام ونصف، لجأوا الي انصاف
وارباع الشيوخ وقطاع الطرق من المحسوبين علي السنة العرب، وحولوهم الي شرطة
للاحتلال بعد توزيع الاموال والاسلحة عليهم تحت شعار مواجهة القاعدة التي خدمت هي
الاخري باعمالها وانتهاكاتها المرفوضة المنهج الامريكي الجديد. ولم يدافع الشيخ عن
القاعدة بل أدان اعمالها وأجاز للعراقي بالتصدي لها اذا أساءت له وكلامه واضح
ومحدد، وهو تمني للقاعديين العودة الي جادة الحكمة والصواب، وله الحق في مخاطبة
العراقيين المنخرطين في القاعدة وهم اكثر من تسعين بالمئة من اعضائها والتحاور معهم
وارشادهم الي الطريق الصحيح، وهذه مهمة وطنية واخلاقية، ثم ان مواقف الشيخ ومنذ عام
2004 ضد القاعدة صريحة، فهو اول من ادان ذبحها الرهينة الكوري، واتهامات الزرقاوي
لهيئة علماء المسلمين وتسميتها بالمنافقين وتهديد رئيسها بالقتل ما زالت في
الذاكرة، ولا ننسي الفرح الذي غمر المحتلين وعملاءهم المحليين عندما هاجمت القاعدة
مضارب زوبع في ابو غريب وقتل وجرح اربعة وخمسون من اقارب الشيخ وعلي رأسهم ابن عمه
البطل حارث الزوبعي احد قادة كتائب ثورة العشرين.
ان اتهامات الحزب الاسلامي للشيخ الضاري في هذا الوقت بالتحديد ومحاولة ربطه
بالقاعدة لها اهداف مصلحية مكشوفة، ويتوهم طارق الهاشمي اذا تصور انه قد ينجح في
منافسة الشيخ حارث اعتباريا او وطنيا، حتي لو صدقت وشوشة الرئيس بوش في اذنه في
زيارة الاخير الي قاعدة عين الاسد الجوية في الانبار الشهر الماضي، بانه الرئيس
القادم للعراق بدلا من طالباني العليل بعدة امراض الذي قد يستقيل نهاية العام
الحالي، فالرئيس الذي تنصبه قوات الاحتلال الاجنبي قديما وحديثا، هو مثل الزوج
المخدوع آخر من يعلم وآخر من يحكم، وهو يشبه (فزاعة خضرة) كما في المثل الشعبي
العراقي لا أكثر