رؤية عربية من الداخل

حديث مع الدكتور خير الدين حسيب حول حاضر ومستقبل العراق ... العراق إلى أين؟(1-2)

مقدمة

تنشر "العرب اليوم" على حلقتين المقابلة التي أجرتها قناة المستقلة في لندن في 19 أيلول الحالي مع مدير عام مركز دراسات الوحدة العربية الدكتور خير الدين حسيب وفيها يتحدث عن حاضر ومستقبل العراق.

وقد ارسلها لنا الدكتور حسيب وننشرها على حلقتين.

الدكتور خير الدين حسيب أرحب بكم مرة ثانية في قناة المستقلة.. أهلاً وسهلاً بك.

 

حسيب: الأخ هاشمي شكراً كل على هذه الفرصة المتاحة للحديث حول العراق... إلى أين؟ في ضوء التطورات التي حصلت خلال الشهرين الماضيين.. وبخاصة جلسات الاستماع في الكونغرس لتقرير ديفيد بترايوس (1) وتقرير راين كروكر (2) وتقارير أخرى.

* كان الانطباع لدى الكثير من الناس وفي وسائل الإعلام أن الرئيس بوش حقق ما يريد من خلال جلسات الاستماع لتقريري بترايوس وكروكر, والديمقراطيون فشلوا في فرض أي تغيير جوهري على السياسة الأمريكية في العراق, ما هو تقييمك لذلك؟

حسيب: أولاً يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هناك من الاستراتيجيين من يعتقد أن الإعلام في الحروب يشكل الآن نصف الحرب, وبوش تهيأ لهذه المرحلة, فقد زار العراق مع وزير الدفاع ووزيرة الخارجية وطبخا مع راين كروكر وبترايوس الاتجاهات العامة للتقرير. صحيح أن بترايوس قال إنه لم يطلع الرئيس الأمريكي على التقرير ويأخذ موافقته, ولكن العملية تم طبخها في بغداد, ولا حاجة إلى إطلاعه عليه.

التقرير الذي قدمه بترايوس واحد من عدة تقارير قدمت في الفترة ذاتها. وهناك تقرير قدمته لجنة الاستخبارات القومية التي تضم 16 مؤسسة استخبارات (3), وهناك التقرير الذي قدمه المراقب العام للحسابات بشأن الأوضاع في العراق (4), كما إن هناك التقرير الذي قدمه المعهد الأمريكي للسلام (5), و"تقرير اللجنة المستقلة بشأن قوات الأمن العراقية" (6), وتقارير أخرى (7) صدرت خلال الأشهر الأخيرة, ومنها تقارير الاستراتيجي الأمريكي أنتوني كوردسمان.

لنأخذ تقرير بترايوس نفسه ونرى إلى أي مدى يعكس صورة العراق الحقيقية. بترايوس استخدم الإحصاءات والرسوم البيانية... الخ, ولكنه أخذ فترة قصيرة, وهي بضعة أسابيع, فإلى أي حد تعكس هذه الفترة حقيقة التقدم الذي حصل؟ زيادة القوات الأمريكية بدأ في شباط الماضي (2007), والتقرير يغطي الفترة حتى منتصف أيلول الماضي, فإلى أي حد تمثل الأرقام التي أعطاها الواقع للفترة كلها؟ لقد كان المعدل الشهري لخسائر الأمريكيين 69 قتيلاً و533 جريحاً خلال عام .2006 وخلال سبعة أشهر ونصف من عام ,2007 أي خلال فترة زيادة عدد القوات (Surge), كان المعدل الشهري لخسائر الأمريكيين 93 قتيلاً و588 جريحاً (8), أي أن المعدل الشهري لخسائر الأمريكيين البشرية في العراق بعد زيادة عدد القوات منذ شباط 2007 أعلى مما كان عليه خلال عام 2006 بنسبة 45 في المئة تقريباً في عدد القتلى وأكثر قليلاً من 10 في المئة في عدد الجرحى. وإذا قارنا المعدل منذ الاحتلال الأمريكي حتى الآن, نرى أن المعدل الشهري للقتلى كان 69 قتيلاً والجرحى 509 جرحى, مما يعني أن معدلي عدد القتلى وعدد الجرحى خلال عام 2007 بعد زيادة القوات الأمريكية هما أعلى من معدلي عام ,2006 وأعلى من المعدل من أول الاحتلال حتى تاريخ تقديم التقرير. بترايوس أشار إلى أسابيع قليلة فقط, وأعطى صورة مضللة عن الواقع, وكذلك فعل البنتاغون, الذي يقدم تقريراً فصلياً عن الأوضاع في العراق (9), وقد قال في الصفحة 19 من آخر تقرير له قدمه قبل أيام: "إن مجموع الحوادث التي بادر العدو (يقصد المقاومة) إلى تنفيذها في أيار وحزيران كان الأعلى وفي المرتبة الثانية من حيث العلو بالتتابع بالمقارنة مع أي هجمات منذ .2003 وبلغت الهجمات ضد قوات الائتلاف أرقاماً قياسية في حزيران, وارتفعت نسبة مجموع الهجمات الموجهة إلى قوات الائتلاف إلى أعلى مستوياتها منذ كانون الأول ,2005 ومثلت 73 في المئة من مجموع الهجمات. أما الهجمات ضد القوات العراقية فقد انخفضت قليلاً في حزيران, ولكن المجموع يقارن مع المستوى الذي كان في الأشهر الستة الماضية"...

ثم يقول التقرير في ص ,20 وأنا أقتبس: "ما برحت قوات الائتلاف (الاحتلال) القوات المستهدفة في معظم الهجمات, في حين استمرت قوات الأمن العراقية والمدنيون في تكبد أغلبية الإصابات".

ومن تقرير مراقب الحسابات الذي أشرت إليه سابقاً (10), وأقتبس ما يلي من الاستنتاجات الواردة في صفحة 13: "حتى تاريخ 30 آب ,2007 قامت الحكومة العراقية فقط بتحقيق ثلاثة من المعايير »بصورة كاملة« وأربعة منها بصورة جزئية, ولكنها لم تستجب لتحقيق 11 من مجموع 18 من المعايير التشريعية والأمنية والاقتصادية »التي حددها الكونغرس«. ولم تنفذ الحكومة العراقية الالتزامات التي تعهدت بها ابتداء من حزيران 2006 لتحقيق تقدم في الأمور التشريعية والأمنية والاقتصادية التي ستساعد في المصالحة الوطنية بين الأطراف المتقاتلة. وهناك وبشكل خاص عدم تحقيق تقدم في مراجعة تشريع اجتثاث البعث الذي يمكن أن يساعد في تحقيق مشاركة سنّية أكبر في الحكومة...". ويقول التقرير, وأنا أقتبس أيضاً: "والمصالحة قد أسست على أساس خفض العنف. وفي حين أن خطة بغداد الأمنية قد قصد منها تخفيض العنف الطائفي إلا أنه من غير الواضح فيما إذا كان العنف قد انخفض. ومن الصعب قياس مثل هذا العنف لأن نوايا القائمين به غير معروفة بوضوح. والمعايير الأخرى مثل عدد الهجمات التي قام بها العدو تبين أن العنف بقي عالياً حتى نهاية تموز 2007".

وفي تقرير آخر من اللجنة المستقلة التي ألّفها الكونغرس لتقييم أداء القوات في العراق (11), وأنا أقارن ذلك مع تقرير ديفيد بترايوس المشار إليه سابقاً, ورد أن: "القوات الأمنية العراقية لن تكون قادرة على تنفيذ مسؤولياتها الأمنية الأساسية بصورة مستقلة خلال فترة الـ 12 - 18 شهراً المقبلة". وبالنسبة إلى الشرطة الوطنية العراقية, يوصي التقرير بحلها, إذ يقول: "إن الشرطة الوطنية قد أثبتت أنها غير فاعلة عمليا, وأن الطائفية في هذه الوحدات تحدّ بصورة أساسية من قدراتها على توفير الأمن. وهذه القوة غير قابلة للاستمرار بشكلها الحالي". ويضيف التقرير قائلاً: "إن الشرطة الوطنية يجب أن تُحَلْ ويعاد تنظيمها تحت إمرة وزارة الداخلية تحت اسم مختلف وأن تصبح منظمة أصغر وبمسؤوليات عالية التخصص... الخ".

* هذه مجموعة تقارير أمريكية, هل ما زالت فيها معلومات أخرى؟

حسيب: هناك تقرير الاستخبارات الأمريكية (12) الذي يمثل آراء 16 مؤسسة استخبارية أمريكية, حول احتمالات الاستقرار في العراق. يقول التقرير في عنوانه: إن المصالحة السياسية خادعة.. ويشير أحد استنتاجات التقرير إلى ما يلي: "وعلى كل حال فإن مستوى العنف بشكل عام, بما في ذلك الهجمات والإصابات بين المدنيين, تبقى عالية; والمجموعات الطائفية العراقية تبقى غير متصالحة; والقاعدة في العراق تحتفظ بالقدرة على القيام بهجمات ذات سمعة عالية, وحتى هذا التاريخ فإن القادة السياسيين العراقيين لا يزالون غير قادرين على الحكم بفاعلية...". ويمضي التقرير قائلاً: "إن مستوى التمرد والعنف الطائفي سيبقى عالياً وستبقى الحكومة العراقية تكافح لتحقيق مصالحة على المستوى الوطني وتحسين الحكم" (13).

وجاء في تقرير الجنرال بترايوس في جلسة الاستماع في الكونغرس, وفي معرض تقييمه للواقع العسكري في العراق: "كانت لنا في الماضي تطلعات لا يمكن بكل بساطة تحقيقها.. إنني أشعر بالإحباط في كل يوم أمضيه في العراق لعدم إحراز تقدم كاف على صعيد المبادرات التشريعية... والعراقيون أنفسهم يشعرون بالخيبة". ويضيف محذراً: "لن تكون هناك لحظة واحدة يمكننا إعلان النصر فيها" (14).

ويقول أنتوني كوردسمان في أحد استنتاجات تقريره المعنون: "التمرد »المقاومة« العراقي والعنف المدني: التطورات حتى أواخر آب 2007", والمشار إليه سابقاً: "ومع ذلك فإن القوات الأمنية »العراقية« لا تزال قليلة العدد, وقليلة الاستعداد, ولا تزال تعج بالولاءات الطائفية".

كانت تلك مجموعة من التقارير المختلفة الصادرة خلال فترة شهر والتي تزامنت مع تقارير ديفيد بترايوس والسفير كروكر, وبالتالي فإن الإدارة الأمريكية إضافة إلى سفر الرئيس بوش ووزيري الخارجية والدفاع إلى بغداد للالتقاء مع بترايوس وكروكر وموظفين آخرين, حيث طبخوا التوجهات العامة لتقريريهما, فإنهم إضافة إلى ذلك خصصوا للتقريرين يومين بجلسات الاستماع لهما في الكونغرس.. وخصصوا بشأنهما يوماً آخر للصحافيين, مع فضائية "فوكس نيوز" فقط, وسلطوا الأضواء عليهما, بينما أتت الإشارة إلى التقارير الأخرى في سياق الأخبار ولم تُعط فرصة مماثلة لمناقشتها وتسليط الضوء على ما ورد فيها, رغم ما تحمله من تناقض مع استنتاجات شهادة بترايوس أمام الكونغرس, كما بينت.

..إعلامياً, نجح بوش في تقديم صورة غير موضوعية إلى الكونغرس والرأي العام الأمريكي, وجاءت نتائج استطلاعات الرأي العام الأمريكي بعد هذه التقارير لتؤكد عدم قناعة الرأي العام الأمريكي بتقارير بترايوس وكروكر والرئيس بوش.

يقول بعض الإخوة عني إنني متفائل, وأنا في الواقع أستند في تفاؤلي إلى ما تورده التقارير الأمريكية, ومراكز الأبحاث... الخ, وأنظر إلى الصورة بشمولية. إنني أتفهم مشاعر العراقيين وغيرهم الذين يعانون الإحباط واليأس نتيجة ما يحصل يومياً في العراق, لأنهم كمن في غابة ينظر إلى الشجرة الكبيرة التي أمامه فقط ولا يستطيع النظر إلى الغابة ككل.

لدى الرئيس بوش اهتمام بمجموعة من الأهداف المتناقضة. فهو أولاً يريد أن يحسن صورته في التاريخ بعد أن يترك الرئاسة. يهمه ما سيقوله التاريخ عنه وعن صورته, التي هي إلى الآن سلبية, ويحتاج إلى إنجاز شيء ما يحسّن تلك الصورة. وفي الوقت نفسه يحتاج إلى أن يساعد الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية القادمة. ولكن ما هو الشيء الذي يمكن أن يحققه لهذا الغرض؟ إنه يحاول أن يحصل على هزيمة "مشرفة" في العراق.. أي انسحاب مع حفظ ماء الوجه.. وحتى الآن هم يدرسون مشاهد (سيناريوهات) مختلفة لهذا الغرض, فهناك كلام حول الاستعانة بجيوش عربية.. أو جيش سوري بصيغة مختلفة, في حال تركوا العراق. لكن هذا الهدف (الهزيمة المشرفة) والانسحاب يتعارضان مع الوضع في إيران.. فالإدارة الأمريكية, ويشاركها في هذا الأمر حتى الكثير من الديمقراطيين, لا يمكن أن تسمح بإيران نووية تمتلك سلاحاً نووياً, وتعتبر هذا خطراً على المصالح القومية الأمريكية في الخليج. وهناك محاولات لتسوية سلمية مع إيران حتى الآن, فالوكالة الدولية للطاقة الذرية وصلت إلى اتفاق أولي مع إيران لاستكمال الإجابة على بعض الأسئلة وتوضيح بعض الأمور غير الواضحة, ولكن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي هاجما معاً السيد محمد البرادعي, رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية, بسبب هذا الاتفاق.

ويوم 18/ 9 قالت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إنه لا يحق للبرادعي التدخل في الأمور السياسية, وكأنما الأسلحة النووية ليست قضية سياسية.. والسؤال هو أن أمريكا حين غزت العراق لم تكن تفكر في الخروج منه أو الفشل والانسحاب, فقد حلت الجيش العراقي والقوى الأمنية, وأسست لها قواعد في العراق على أمل البقاء فيه.. والآن إذا أجبرها فشل خطتها على التفكير في الانسحاب من العراق, فإن إيران موجودة بكامل جيشها, ناهيك عما يقال حول قدراتها النووية, فإنها تشكل خطراً على المصالح الأمريكية في الخليج, بالإضافة إلى إمكانية حصولها على الأسلحة النووية, حيث السباق جارٍ بين التسوية السلمية وبين الضربة الجوية لإيران, مع العلم أن هناك اختلافاً واضحاً بين ما كان عليه وضع العراق سابقاً قبل الاحتلال, حيث كان لديه جيش كبير مدرب وذو خبرة قتالية أثبتها في الحرب العراقية - الإيرانية, ولكن هذا الجيش قد تم حله وغير موجود الآن ولا سلاحه, وبين وضع إيران حالياً. إضافة إلى ذلك, فإنه في حالة غزو العراق, لم تكن فرنسا وألمانيا موافقتين على احتلال العراق, وكذلك روسيا والصين. أما في حالة إيران, فإن هذه القوى كلها لا تريد أن تمتلك إيران أسلحة نووية. ولا ننسى أن مجلس الأمن سبق أن فرض مرتين وبالإجماع عقوبات اقتصادية على إيران, والآن هناك محاولة ومداولات حول فرض عقوبات أخرى, كما أن هناك كلاماً عن أن دول الاتحاد الأوروبي ستفرض عقوبات اقتصادية فردية على إيران وبمعزل عن مجلس الأمن وأن الولايات المتحدة ستفعل ذلك أيضاًً (عقوبات الراغبين). ولذلك فإنه ما لم تستطع إيران أن تصل إلى حل لمشكلتها النووية على طريقة كوريا الشمالية أو على طريقة ليبيا أو أي وسيلة أخرى (مثل إنشاء مركز دولي تحت الرقابة لتخصيب اليورانيوم, وتقوم إيران بتخصيب اليورانيوم فيه) بحيث يطمئن الغرب كله وكذلك روسيا والصين إلى أن إيران لن تستطيع امتلاك السلاح النووي, فهناك احتمال أن تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة جوية إلى إيران خلال الفترة المتبقية من رئاسة الرئيس بوش. وهناك معلومات وتقارير مختلفة تتحدث عن تحديد ما بين 1200 - 2000 هدف في إيران لضربها بهدف إعاقة عملية تطوير أسلحة نووية من قبل إيران (15), إلا إذا كان لدى إيران إمكانية سريعة لصنع قنبلة نووية, مستفيدةً من اليورانيوم المخصب الذي قيل بعد انحلال الاتحاد السوفييتي أن كميات منه قد بيعت في الأسواق سراً, وهذا غير مؤكد. وفي التجارب السابقة المماثلة, كانت أمريكا معارضة للهند وباكستان وكوريا الشمالية حول امتلاك أسلحة نووية, ولكن بعد أن امتلكت هذه الدول السلاح النووي نشأ أمر واقع واضطرت الولايات المتحدة إلى الاتفاق معها. وبالنسبة إلى هذه الدول الضعيفة, قد يكون امتلاك السلاح النووي الوسيلة الأساسية لإيقاف العربدة الأمريكية, ولكن من دون ذلك أهوال!

* وما علاقة ذلك بمستقبل الاستراتيجية الأمريكية في العراق؟

حسيب: واضح أنه إذا انسحبت أمريكا قبل أن تحل مشكلة إيران فإن موقفها سيكون ضعيفاً تجاه إيران وستبقى إيران أكبر قوة إقليمية مسلحة في الخليج. لذلك فإنها تريد حسم القضية الإيرانية سلماً أو حرباً قبل التوجه إلى معالجة هزيمتها في العراق. ويتكلمون مؤخراً, وربما من باب الإعلام, وربما عن نوايا حقيقية, عن وجود أمريكي طويل الأمد في العراق على غرار كوريا الجنوبية, وهذا كله سيتوقف ليس على ما يحدث داخل أمريكا فقط وإنما على ما يحدث وسيحدث في العراق نفسه. وهناك كلام عام للمرشحين الديمقراطيين للانتخابات حول الانسحاب من العراق, ولكنهم عموماً لم يبلوروا حتى الآن سياسة واضحة للانسحاب الأمريكي, ويستعملون هذا الشعار لأغراض انتخابية داخلية للهجوم على سياسة الإدارة الحالية الجمهورية فقط. كما سيعتمد الانسحاب من العراق, في الوقت نفسه, على القوى السياسية المناهضة للاحتلال والتي تسعى إلى تحرير العراق وإقامة نظام ديمقراطي, وإلى أي حد هي قادرة على إقامة جبهة أو تحالف بينها في هذا المجال والتنسيق مع المقاومة الوطنية المسلحة. ولهذه الأسباب كلها, يبدو أن الرئيس بوش قد يعمد إلى تأجيل اتخاذ قرار نهائي بالانسحاب من العراق حتى نهاية مدة رئاسته, ويترك ذلك إلى الرئيس الأمريكي القادم, إلا إذا فرضت التطورات في العراق عليه غير ذلك, وهو أمر ممكن ويعتمد على تلك التطورات داخل العراق وداخل الولايات المتحدة نفسها.

السيد علي خامنئي صرح قبل ثلاثة أيام بمناسبة حلول شهر رمضان في خطبة هنأ فيها الشعب الإيراني على التقدم الكبير الذي قال ان إيران حققته بحيث أصبحت القوة الرئيسية في الشرق الأوسط, وقال إن الأمريكيين حاولوا تغيير الحكومة الوطنية الصديقة لإيران الموجودة في بغداد وفشلوا. هذا كلام خامنئي في إشارته وثنائه على الحكومة التي وصفها بالوطنية في بغداد, وكان السيد المالكي وفي زيارته لدمشق قال: إذا أمريكا أرادت أن تتخلى عنا.. فللعراق أصدقاء يمكن أن يتجه إليهم.

واليوم نشرت صحيفتا الأهرام والسياسة حواراً مع محمد الدايني, عضو البرلمان العراقي وداعية حقوق الإنسان المعروف, وهو يقول زاعماً أن مسؤولين كبار في الحكومة هم أعضاء في جهاز إيراني لمدة طويلة, وأن السفير الإيراني الحالي في بغداد مسؤول رفيع المستوى في تلك الأجهزة, وهو رئيس مزيف يحكم العراق فعلياً وبارتباط كامل بالحكومة الإيرانية, فالإيرانيون على ما يبدو من هذا التقرير هم أقل شيئا شركاء في حكم العراق, وإذا أخذنا كلام خامنئي في ظاهره فهم أقوى من أمريكا داخل العراق.

حسيب: لا أعتقد أنهم أقوى من أمريكا داخل العراق, أما أن لديهم نفوذاً قوياً داخل العراق فهذا صحيح في رأيي; وأنهم يؤيدون ويريدون بقاء حكومة المالكي, هذا صحيح أيضاً; وأن المالكي يستعين بهم لتخفيف الضغوط الأمريكية, فهذا صحيح كذلك.

للأسف الشديد, وبالرغم من تطلعات الكثير من العرب الذين ينظرون إلى إيران بصفتها عمقاً إسلامياً للأمة العربية, فإن موقف إيران من احتلال العراق وبعد احتلال العراق وتعاونها مع مجلس الحكم المؤقت, وما تقوم به داخل العراق, وبخاصة الجنوب وحتى في غيره, كل ذلك أدى إلى إثارة مشاعر كثيرة ليس داخل العراق فقط, ولكن عربياً أيضاً, ضد سياسة إيران وتصرفاتها وسياساتها في العراق, وأمريكا تحاول أن تستغل هذه المشاعر التي تولدت نتيجة سياستها لتأليب الأنظمة العربية على إيران تمهيداً لتوجيه ضربة جوية لها, كما فعلت في العراق.. الآن أمريكا تسير بالسياسة نفسها التي اتبعتها مع العراق في تأليب الرأي العام والدول الأخرى ولكن مع الفارق الذي سبق أن أشرت إليه.

في حال العراق كانت هناك دول كثيرة لا توافق على غزو أمريكا للعراق, بخاصة دول أوروبية وروسيا والصين, أما في حال إيران فإن كل هذه الدول لا تريد أن تمتلك إيران أسلحة نووية, ولكنها تختلف في كيفية مواجهة ذلك, فالاختلاف هو حول الوسائل وليس حول الهدف, ولا تستطيع إيران أن تعوّل على روسيا والصين لمنع توجيه ضربة أمريكية إليها, لأنهما, إضافة إلى فرنسا وألمانيا, لم تستطيعا منع أمريكا من غزو العراق واحتلاله.

لو كنت أنت مسؤولاً إيرانياً, أو أي واحد آخر, وهو محل النخبة الإيرانية الحاكمة, ووجد أن حلفاءه العراقيين الذين احتضنهم ودعمهم أيام المعارضة يحكمون في بلدهم, ووجد أن دولة جاره, جاءه منها عدوان كبير عام ,1980 الحرب العراقية - الإيرانية, فعندما تتوفر لهم فرصة للهيمنة على أمورها حتى لا تصبح مصدر خطر مرة أخرى عليهم, لا يلامون, ثم إن الإيرانيين لديهم حافز آخر.. أمريكا تستهدفهم علناً وتهددهم, فإذا سكتوا حتى تستتب الأوضاع لأمريكا في العراق فسوف يكونون الهدف الثاني, وبعض الناس يقولون إنها »إيران« تنتقم من العراق, وتحيّد جبهة خطرة عليها.

حسيب: إن سياسة الحقد والانتقام في العلاقات الدولية, هي, في رأيي, سياسة غير ناجحة ولا تخدم المصالح الإيرانية في المديين المتوسط والطويل. أمامنا الاتحاد الأوروبي الذي يضم دولاً أوروبية دخلت في صراعات وحروب بعضها ضد بعض, وكان عدد القتلى بالملايين, ولكن مصالحها المستقبلية جعلتها تتعاون, وهي الآن في اتحاد أوروبي.

وبغض النظر عن تبريرات أو عدم تبريرات الحرب العراقية - الإيرانية, فإن هذا الموضوع انتهى, وهو موضوع من الماضي, ومهما ناقشناه لا نستطيع أن نغير ما حدث في الماضي وليس أمامنا إلا أن نأخذ منه العِبرَة وأن نتطلع إلى المستقبل... العراق سبق وأن غزاه المغول وغيرهم, ولكنه خرج من تلك الغزوات منتصراً في النهاية.. الاحتلال الأمريكي احتلال قد يطول أشهراً أو سنة أو أكثر ولكنه سينتهي حتماً, أما العلاقة مع إيران فهي شيء مختلف لأنها دولة جارة, ومحاولة الهيمنة على العراق لا يمكن أن تدوم. ودعنا نأخذ بعين الاعتبار, أن اتهام الشيعة العرب (وأنا آسف لاستخدام تعابير شيعة وسُنة, وهي كلمات غريبة عليّ وثقيلة على لساني) بالولاء لإيران أمر يعتبره ويعده العرب الشيعة إهانة لهم.. مذهبياً قد يكونون من المذهب نفسه, مع وجود اختلاف حتى داخل المذهب أيضاً, لكن الشيعة في العراق وفي غالبيتهم الساحقة عرب وولاؤهم هو للعراق, وقد أثبتوا ذلك خلال الحرب العراقية - الإيرانية. كما أن مواقفهم الوطنية معروفة منذ ثورة العشرين. فإيران لا تستطيع سياسياً أن تعتمد طائفياً على العراق ومن مصلحتها إعادة النظر في ذلك.

* ما هو تقييمكم للقوى السياسية في العراق.. الحكومة والمعارضة والمقاومة؟

خير الدين حسيب: كانت أمريكا أن تُقيم العملية السياسية وأن تؤدي هذه العملية إلى قيام حكومة موالية لها تتوصل معها إلى اتفاقية أمنية للانسحاب من المدن والبقاء في القواعد. وفي هذه الفترة تقوم بتدريب الجيش وقوات الشرطة لتحل محلها عند انسحابها من المدن إلى قواعدها العسكرية في العراق, ويصبح دورها الإسناد الجوي للقوات العراقية بشكل أساسي.

وبالنسبة إلى العملية السياسية, فقد فشلت فشلاً ذريعاً; إذ إن الحكومة الحالية تحكم في المنطقة الخضراء فقط, وبحماية أمريكية, ومعظم الوزراء لا يستطيعون الذهاب إلى وزاراتهم, ونصف الوزراء مُستقيلون, وحتى الائتلاف الذي كانت تستند إليه الحكومة بدأ يتفكك, حيث انسحب من الائتلاف حزب "الفضيلة" و"التيار الصدري", اللذان كان المجلس الأعلى الإسلامي يضمهما في حزب الدعوة. كما انسحبت كتلة "التوافق" والقائمة "العراقية" و"التيار الصدري" من الحكومة الحالية, وأمريكا غير قادرة حتى على إقامة حكومة بديلة من هذا الخليط; فالعملية السياسية فشلت.

بالإضافة إلى أنه كان المفروض أن تشكَّل لجنة لإعادة النظر في ما يسمى "الدستور" وإدخال تعديلات عليه, كما نص "الدستور" على ذلك, وأن تقدم اللجنة تقريرها خلال 120 يوماً من تاريخ تشكيلها. وها هي سنة تقريباً مضت حتى الآن واللجنة لم تقدم التقرير النهائي, حيث هناك خلافات بينها تركتها للمجلس.. والمجلس مدد عمل اللجنة إلى آخر السنة مع أن المفروض أن تنتهي منها خلال 120 يوماً, وبعدما تبت الحكومة والبرلمان التعديلات المقترحة, يجب أن تعرض هذه التعديلات على الاستفتاء خلال 90 يوماً, وإذا ما قررت ثلاث محافظات وبأكثرية الثلثين رفض تلك التعديلات يُرفَض الدستور كله. إذاً العملية السياسية فاشلة, والحكومة غير قادرة على القيام بمسؤولياتها الأساسية في توفير الأمن والخدمات, ولا اللجنة الخاصة بتعديل الدستور أنجزت عملها, ولا مجلس النواب ناقش تعديلات الدستور رغم انتهاء المدة المحددة, والاستفتاء معطل, لذلك فإن عملية تعديل الدستور متوقفة (16).

وإضافة إلى ذلك, أخفقت هذه الحكومة مع قوات الاحتلال في تحقيق الأمن في العراق... فالأمن في العراق متدهور.. أنا ذكرت لك بعض الإحصائيات حول الأمن في العراق, وثمة إحصائية إضافية أعدتها وكالة أنباء الأسوشِيتد برس عن أن التعزيزات العسكرية الأمريكية في العراق فشلت في تحقيق أي إنجاز ملموس على صعيد الأوضاع الأمنية, حيث تضاعفت محصلة ضحايا الهجمات الطائفية الدموية التي تجتاح العراق, كما أن العمليات العسكرية المتعددة لم تنجح في تحجيم المليشيات. وأشارت الإحصائية إلى أن نصيب بغداد من الضحايا ما زال أكثر من نصف قتلى العراق برغم العمليات العسكرية الواسعة التي تنفذها القوات الأمريكية هناك وبرغم نشر 30 ألف جندي أمريكي إضافي منذ شهر شباط الماضي (17).

هذا ناهيك عن الهجرة إلى خارج العراق وفي داخله بعد الاحتلال, فقد تجاوز عدد العراقيين الذين اضطروا إلى الهجرة من العراق المليونين, ويقدر عدد الذين هاجروا داخل العراق من منطقة إلى أخرى بحوالي مليونين, أي تجاوز المجموع الملايين الأربعة. فأي حكومة تؤدي إلى هجرة هذا العدد الكبير من المواطنين يجب أن تستقيل, ولكن هذه "الحكومة" باقية, "والحكومة" والأمريكان يتحدثون عن هذه المسألة وكأنهم غير مسؤولين عن ذلك (18). إن السبب الرئيسي لهذه الهجرة الواسعة هو فقدان الأمن والتجاوزات الطائفية الأخرى. وعلى "الحكومة" وقوات الاحتلال المسؤولة عن الأمن في العراق أن تعالج السبب الحقيقي للهجرة حتى يعود العراقيون إلى بلدهم, بدلاً من أن يحاولوا ترتيب بعض أوضاع المهجرين في الأردن وسورية ومصر. فبأي مقاييس ديمقراطية وحتى غير ديمقراطية في العالم يمكن تبرير هذه الهجرة؟ هذه حكومة فاشلة.

هذا ناهيك عن الخدمات, حيث خدمات الكهرباء متدهورة.. وفي بغداد الناس يحصلون على الكهرباء لمدة ساعتين في اليوم, وأحياناً تنقطع الكهرباء لأيام (19).. والمياه لا تزال في معظمها غير نقية, الأمر الذي جعل الكوليرا تنتشر, أولاً في المنطقة الكردية في العراق, حيث هناك, بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية, 16 ألف حالة.. والحكومة تقول إنها مشتبهة فيها وغير ثابتة.. ثم انتقلت الكوليرا إلى بغداد, حيث أُعلنَ في (18/9) عن وجود حالتين تم اكتشافهما في بغداد وربما تنتقل إلى مدن أخرى وسط تكتم رسمي (20).. فالخدمات غير متاحة, وأسعار البنزين ارتفعت أكثر من 50 مرة, والأسعار مرتفعة, ونسبة البطالة عالية (21).

هذا بالنسبة إلى العملية السياسية, أما بالنسبة إلى القوات الأمريكية التي من مسؤوليتها أن تفرض الأمن, فقد بلغ عدد قتلاها (3773) والجرحى حوالي (28) ألفاً (22) حتى تاريخ 17/9/,2007 ونصفهم غير قادرين على العودة إلى الخدمة في القوات الأمريكية, وأكثر من ثلثهم مصابون بأمراض عقلية (23), كما ازدادت حالات الانتحار بينهم (24). وتجاوز عدد الذين فروا من الخدمة الـ 4000 جندي. ويواجه الجيش الأمريكي صعوبة في تطوير العدد اللازم من الجنود (25).. والقوات الأمريكية غير قادرة على أن تدرب قوات عراقية كافية لتحل محلها (26). وفي أحد التقارير أن الوحدات العراقية من الجيش العراقي, التي كانت قادرة على العمل منفردة, تراجع عددها, كما يفتقر "الجيش العراقي" الذي أنشأه الأمريكان إلى السلاح (27).

فبالتالي العملية السياسية فاشلة والجيش الأمريكي تزداد خسائره, والأمريكيون عجزوا عن تشكيل قوات أمنية عراقية تستطيع أن تحل محلهم, وليس لديهم خيار غير الانسحاب آجلاً أم عاجلاً.

(29/9/2007)