هل كانت حربا يمكن تفاديها؟
د. عبدالكريم هاني
تمر هذه الأيام الذكرى الأربعون لما اصطلح الإعلام العربي على تسميته بالنكسة , و تتسابق الأوساط المختلفة في نشر بعض أوراق نلك الفترة الى حد نشر بعض فضائح أطراف العملية , و تتبارى أوساط من الأطراف التي ساهمت بالحدث بنشر الغسيل مهما بلغت درجة الفضيحة بنشره . يكتب بعض الباحثين من العرب متسائلين التساؤل الذي جعلناه عنوانا لهذه الكلمة , بينما تنبري أطراف على طرفي هذا السؤال فيجيب بعضها بالإيجاب لينتقل الى توجيه اللوم الى القيادة التي "فشلت" في إدارة المعركة بجانبها السياسي و عجزت عن تفادي "الهزيمة" في الجانب العسكري و يتجاهلون دور الشريك الأكبر الذي كان يقف وراء العدوان و الذي جهز كل ما يقتضي له من إعداد و عدد و عدة . و حين كان بعض الذين أحرقهم الألم يصرخون من هول المؤامرة التي كانوا يحسونها كانت الأصوات تتعالى باتهامهم بالخضوع لوهم "المؤامرة" و محاولة تبرير الفشل و العجز . كان هناك شعور رافق بدأ "العاصفة" و حين كانت بوادرها تتجمع أن ما يجري الإعداد له هو "المؤامرة " بعينها مجسمة يتعاون "أطرافها" بجهودهم لإكمال حبكها , كانت بوادرها تشير الى قيادة عراب الشر العالمي يحدوه "الحليف الستراتيجي", أو ربما العكس, و لعب "آخرون" دور الناصح أو المؤيد المغالي بالحماس في أحيان كثيرة .
و تتضح اليوم شيئا فشيئا فيما ينشر مما تدعوه وثائق أو اعترافات تدعي دورا لها أو لعبة لعبها غيرها أبعاد المؤامرة و "أطرافها" لتتضح خيوط كثيرة ساهمت في نسج "الفخ" و بانت حقيقة الطبخة و تكشفت شيئا فشيئا وجوه الطباخين و يتضح من كل هذا أن الشركاء كانوا ثلاث مجموعات : العراب و حليفه, و لفيف من أبناء يعرب كانوا يوقدون نار الحماس و تصرخ أبواقهم في المزايدة على المقاتلين, والفريق الذي ادعى التأييد و الإسناد و تقديم المعلومات المحذرة و النصائح التي أدت الى ما أدت, و إن كان الشك ما يزال يحيط بدور هذا "الشريك" بالرغم من الدور الحاسم الذي كان لأجهزة مخابراته في تأكيد الحشود المزعومة على الحدود السورية و التي كانت أخبارها هي نقطة البداية في كل ما حصل.
و قد تحدث الجميع و ما يزالون يتحدثون عن أدوارهم و أدوار الآخرين عدا الشريك "العربي" في نصب الفخ , هل كان سكوت المريب؟ يلفت النظر حين يستعيد الناس التفكير بعد أربعين عاما في الحملة الإعلامية التي شنتها أطراف "قومية" تستفز و تتهم و تستصرخ العالم ليبادر الى نجدتها من الخطر المحدق بها بينما يحتمي من كانت تسميهم أدعياء العروبة مطمئنين بستار القوات الدولية , و استمر هذا النهيق تردده أطراف "عربية" أخرى حتى أثمر الاستفزاز و التحدي الثمرة المرجوة , و وقعت القيادة في الفخ فطلبت سحب القوات الدولية . لكن ذلك لم يرض المزايدين و لم يحقق المرجو منهم فاستمروا في دورهم الاستفزازي حيث صاروا يشكون و يتهمون القيادة بممالأة الصهيونيين فهي تسمح , على حد قولهم بمرور السفن الصهيونية تحت بصر القوات التي تدعي القومية كما يقولون !
كانت حربا لا بد منها بالنسبة للطرف الأول : يبدو هذا جليا مما تم الكشف عنه حتى الآن, "فالتغيير" الذي حصل قبل سنوات و كان يبدو أول الأمر "انقلابا عسكريا" سرعان ما ينغمر في صراعات داخلية على السلطة لم يلبث أن بانت منه مظاهر توجب القلق حين أخذت علامات التحول الى الثورة تنمو داخله سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا و عسكريا , داخليا و قوميا و دوليا, فقد كان كل يوم يدق ناقوسا جديدا للخطر و تتزايد علامات التوجس و تثير القلق في ذلك المعسكر و في معسكر "الأشقاء" الذين يفترض أن يشكلوا الحليف القوي لهذه الثورة . و إذا كانت هذه القوى القلقة المتحالفة سرا قد نجحت بشراء أمنها بالمال و قضت على الوحدة الوليدة التي قامت تجسيدا للتوجه القومي فإن الخطر مايزال قائما في التوجه لبناء قاعدة عملاقة يتفاعل فيها الكل في داخل حدود الوطن و في أرجاء الوطن العربي الكبير . كان البناء يدق ناقوس الخطر بسبب ضخامة المشروع و نوعية كيانه البشري .
و إذا كانت الامبراطورية العجوز قد قبلت على مضض حين استطاعت هذه "الثورة" أن تنتزع مصر من جسم الامبراطورية بعد اثنين و سبعين عاما من المماطلة فإن الأمر لم يقف عند هذا الحد, لأن "الثورة" تحولت الى حاضنة لثورات التحرر في كل ما تبقى من أجسام الامبراطوريات السابقة , و كان دور هذه "الثورة" في كل مراحل الثورة الجزائرية و في ثورة جنوب اليمن و في نقل اليمن لتقفز من تخلف القرون الوسطى الى القرن العشرين أكثر مما يمكن أن تتحمله جميع الأطراف – العربية قبل الدولية! لذلك كان لا بد من الخلاص من هذا الصداع الذي تنفجر منه رؤوس الجميع وجرى الاستعداد منذ سنوات لهذا الخلاص: بقص "الأجنحة" التي يخشى على المشروع من بقائها, بالاغتيال حينا و بالعزل أوالاقصاء أحيانا آخرى لينفرد أصحاب المشروع و حلفاؤهم في التنفيذ.
يقول "مايكل أوبراين " وهو باحث إنجليزى متخصص فى دراسات الشرق الأوسط، وحاصل على الدكتوراه من جامعة برنستون في كتابه "6 أيام من الحرب: يونيو 1967 وتشكيل الشرق الأوسط الحديث" ان ليندون جونسون ( رئيس الولايات المتحدة جينئذ) كان منحازا تماماً لإسرائيل ومستعدا لفعل كل ما هو ممكن وغير ممكن للخلاص من عبدالناصر.
و في نفس المعسكر
يقول "أمير أورن" مراسل هاآرتس لشؤون الجيش تحت عنوان "رصاص بلا عنوان" على لسان اسحق رابين رئيس هيئة الاركان حينئذ : "هدفنا الأساسي يجب أن يكون توجيه ضربة قاصمة لناصر"، خلال لقاء اللجنة الوزارية للشؤون الأمنية مع هيئة الاركان يوم الجمعة الثاني من حزيران 1967: العدو كان (مصر) و جيش يخضع لنظام يحكمه شخص اسمه جمال عبد الناصر. المهمة كانت إبادة القوات الجوية والمدرعات، إلا أن الهدف الأهم رمى الى إسقاط ناصر الشخص وإخضاعه.
كشف الباحث الإسرائيلي الأهم في السلاح النووي البروفسور "افنير كوهين" في صحيفة "هآآرتس" للمرة الاولى ان اسرائيل استعدت، اثناء فترة الانتظار التي سبقت حرب حزيران العام 1967 لاستخدام السلاح النووي , رغم ان المعروف حتى الان ان التفكير في استخدام السلاح النووي في اسرائيل لم يتم الا في حرب العام 1973 معتبرا ذلك القصة الاكثر درامية في تاريخ حرب حزيران، وهي القصة التي لم ترو بعد، حيث لم تكن اسرائيل تملك في ذلك الوقت سوى منشأة نووية واحدة . ونشرت في السنوات الاخيرة ابحاث عديدة حول تلك الحرب واسرارها، ولكن هذا السر لم يكشف عنه بشكل واضح ولكن تم التطرق بين الفينة والاخرى الى الخلافات بين المستويين السياسي والعسكري الاسرائيلي حول استخدام السلاح النووي.و قد جرى التلميح الى وجود سر مماثل نشر في كتاب جديد في الولايات المتحدة في الشهر الناضي بعنوان "خفافيش في سماء ديمونا" ، ولكن عبر الحديث عن المقامرة النووية للاتحاد السوفياتي في تلك الحرب.
بعد كل هذا يتسابق كتاب و باحثون في محاولة تصفية الحسابات أو "جلد الذات" بينما يقف آخرون موقف الدفاع المبرر لكل ماحصل إذ ليس في الإمكان أبدع مما كان و الكل ينسون عامدين كل ما قامت به القوى الكبرى المهيمنة و يركزون على دور القيادة في عزلة عن كل هذه العوامل ليقول بعضهم ان ما حدث كان إيذانا بفشل "المشروع القومي" , و هو يعلم و لا بد أن هذه الكارثة كانت نتيجة حتمية للتجزئة التي كان المشروع القومي "المتهم" يعمل على التخلص منها , فلو كان المشروع القومي قائما فعلا لما حصل ما حصل , سواء في حزيران الأسود أو في الأيام السود الكثيرة بعده.
ما أحوجنا الى وقفة متأنية نبحث فيها بصورة موضوعية و علمية حاضرنا و ماضينا بعيدا عن التشنج و التعصب نعترف فيها بالخطأ دون محاولة بائسة لتبريره و نضع الحق في نصابه بعيدا عن نظرة مسبقة للأشخاص فنقيم الحوادث و الأفعال لا الفاعلين .
تحية الى كل الشهداء الذين افتدوا الوطن و الأمة بأرواحهم , و تحية لكل من وقف وقفة الأبطال دفاعا عن الحق و الخقيقة , و تحية الى روح بطل هذه الأمة جمال عبد الناصر.
القاهرة في 5/6/2007