حريق نهر البارد

 

د.عبدالكريم هاني

 

عتب علي قراء أعزاء  في معرض نقدهم لما أكتب انني أكثر من (التعكز) على أسماء أميركية و أوربية في كتاباتي , و اتهمتني قارئة عزيزة أنني اقصد بهذا ادعاء المعرفة و تتبع كتاباتهم و أقوالهم . و كان جوابي , و ما يزال , أن إيراد الحجة يكون أقوى حينما تستند الى مشاهدات كاتب من خارج المنطقة لا يسهل اتهامه بالتحزب الى فئة أو موقف محلي , و كارثة "نهر البارد" و ما يقال في تفسيرها تقدم المثال الحي على هذا . فما أسهل أن يقال ان مجموعة "فتح الإسلام" تنتمي الى منظمة "فتح الانتفاضة" أو انها تأتمر بأوامر سوريا و تنفذ مخططاتها , و ليس يجدي أن تعلن سوريا أو "فتح الانتفاضة" براءتها من هذه المجموعة مهما قدمتا من أدلة خصوصا مع تصاعد الحملة التي تقودها راعية الإرهاب الدولي ضدها وتنسيق مواقف بعض "الأطراف اللبنانية" مع هذه الحملة, و لكن حين يأتي الدليل من داخل دار العدوان فإننا يجب أن ننظر للأمر بصورة أكثر جدية – فقد شهد شاهد من أهلها.

الدكتور فرانكلين لامب كاتب أميركي له باع طويل في البحث و التأليف في قضايا الشرق الأوسط , و قد دخل المخيم ضمن الفريق الدولي لإيصال المؤونة و الأغطية لنزلاء المخيم الذين منع عنهم الماء و الأغذية منذ أيام بالرغم من اعلان العكس , و كتب في مجلة Counter Punch الأميركية مقالا تحت عنوان "من داخل مخيم نهر البارد , من يقف وراء القتال في شمال لبنان؟"  و لأهمية المعلومات التي أوردها  أجد من المفيد عرض بعض ما كتب في مقاله المذكور.

يبدأ لامب مقاله بنصيحة ينسبها الى المرحوم رفيق الحريري تقول : "في لبنان لا تصدق شيئا مما تسمع و صدق نصف ما ترى فقط". و يذكر أولا أن عدد سكان المخيم هو 45000 و ليس ثلاثين أو اثنين و ثلاثين ألفا كما تذكر وسائل الإعلام. و يقول ان القصف المدفعي على المخيم كان بمعدل 18-20 قذيفة في الدقيقة بين الرابعة و النصف و العاشرة صباحا مما ألحق الدمار بـما بين 15% و 70% في مناطق مختلفة من المخيم ( نشر تقريره يوم 24/5) و قد منع الجيش دخول الكاميرات التي يحملها الصحفيون في محاولة من الحكومة للسيطرة على المعلومات و للتغطية على مدى الدمار الحاصل , و كانت الجثث لم ترفع بعد و أخلي 40%من سكان المخيم بينما رفض الباقون ترك المخيم خوفا من ان.يستهدفوا للقتل أو يفقدوامساكنهم التي تكرر فقدان بعضهم لها للمرة الخامسة أو أكثر. و انتقل المهجرون الى المدارس و غيرها في مخيم البداوي, فوضع 3000 منهم في مدرسة و كان 25 منهم في غرفة واحدة .

يؤكد أبناء "نهر البارد" أن "فتح الإسلام" جاؤوا الى المخيم بين أيلول و تشرين الأول عام 2006 و لم يكن لهم علاقة بأحد في المخيم , و أغلبهم من السعوديين و الباكستانيين و الجزائريين و التونسيين و العراقيين و غيرهم , و لم يكن بينهم أحد من الفلسطينيين باستثناء بعض الطارئين. هنا يتساءل الجميع : ما هي هذه المجموعة و من يقف وراء ظهورها المفاجئ؟ و يجب أن نضع في بالنا أنها ظهرت فور فشل العدوان الصهيوني الأميركي على لبنان و اندحار الجيش الصهيوني أمام المقاومة اللبنانية البطلة بقيادتها الحكيمة و ارتفاع أصوات كثيرة عربية و لبنانية الى جانب العراب تطالب بالوقوف بحزم أمام تنامي التأييد لتلك المقاومة و التيار الذي يمثل مادتها الرئيسة بسبب ذلك النصر. هنا ينبري النادي اللبناني الشبحي العجيب : "نادي ولش"! ليقدم الحل لهذه الأزمة التي تحيط بالمعسكر الخاسر ؛ و هذا النادي يحمل اسم عرابه "ديفيد ولش" مساعد وزيرة الخارجية الأميركية العمة رايس و رجل إدارة بوش في المنطقة.

يسمي لامب أعضاء "النادي" اللبنانيين الرئيسيين من أمراء الحرب الأهلية السابقة فيدعو أحدهم بزعيم الاقطاع و الآخر بالارهابي قائد التنظيم الذي ارتكب مذيحة صبرا و شاتيلا عام 1982 فقتل 1700 من الفلسطينيين و اللبنانيين بالرغم من أنه لم يكن موجودا أثناء الهجوم و المذبحة, و يقول ان رئيس النادي هو الملياردير الذي يقول انه يحاول أن يجمع السنة تحت زعامته .

بدأ رئيس"النادي" قبل سنة بتنظبم خلايا "إرهابية" سنية تقف الى جنب مليشيات عضوي النادي الآخرين اللتين أعيد تسليحهما و هم جميعا يتحرقون لإثارة حزب الله. اختار المجندين من بقايا المتطرفين في المخيمات الفلسطينية ممن سبق أن أخضعوا و همشوا أيام الوجود السوري في لبنان و قد أطلق النادي على أول مليشيا مولها في مخيم "عين الحلوة" قرب صيدا اسم "جند الشام" و هي تسمية لها دلالتها بما توحيه من ارتباط جغرافي , لكن اسمها بين سكان المخيمات هو "جند الست" و هي تسمية لها دلالتها أيضا للعلاقة العائلية التي تربط "الست" برئيس النادي !! فصارت هذه الخلايا السنية الجديدة , و كانت "فتح الإسلام" واحدة منها , تؤمن الغطاء لمشاريع "نادي ولش" ضد حزب الله , كما أن اللوم في أعمالها سيتوجه الى "القاعدة" أو سوريا بكل سهولة . و كان اختيار الإسم ذكيا يجمع بين القاعدة و الفلسطينيين , و كان اختيار مخيم "نهر البارد" قرب طرابلس في الشمال يؤمن التوازن الجغرافي .

و إذا علمنا أن أغلب أعضاء هذه الجماعات هم من السنة و من المعارضين لحزب الله فسنرى أنهم "لقطة" حسب مواصفات البيت الأبيض و يمكن أن ينالوا العون المادي منه بالتعاون مع الممولين من السنة الذين يبذلون الأموال بسخاء لإضعاف حزب الله فلقد أصبح هذا الإضعاف الشغل الشاغل للإدارة الأميركية و أنصارها منذ خسارة "اسرائيل" الحرب في 2006.

و يؤكد الكثيرون ان رئيس النادي يصرف 700 دولار شهريا لكل عضو في المليشيات وذلك مبلغ جيد اذا نظرنا الى اوضاع لبنان الآن .  و حسب ادعاء أعضاء "فتح الإسلام" و "جند الشام" فإن المجموعتين تصرفتا وفق أوامر رئيس "النادي" , فأين الخلل؟ و لماذا هوجم "المصرف"؟ و لماذا هذه المذبحة على "نهر البارد"؟ فقد توقف "مصرف العائلة" عن الدفع لأسباب مجهولة . و حاولت مجموعة فتح الإسلام التفاوض و لو للحصول على مكافأة نهاية الخدمة على الأقل بدون طائل مما دفعهم للشعور بالخديعة فهاجموا المصرف , و قد تضاعف هذا الشعور بعد ذلك عندما اكتشفوا ان المصرف قد ادعى سرقة أضعاف المبلغ الحقيقي الذي أخذوه و شعروا أن "النادي" يريد أن يبتز شركات التأمين لتحقيق الأرباح بدون وجه حق. و تحرك جهاز الأمن الداخلي ضد قادة "فتح الإسلام" في طرابلس غير أنهم اضطروا للإستعانة بالجيش بعد قليل مما دفع المنظمة للرد عليه بقوة لم تستعملها ضد قوات الأمن , و طلبت الحكومة من الجيش أن يخمد "فتح الإسلام" فإن الكل يشعرون باختصار أن هذه المنظمة يجب أن تصمت مهما كان الثمن لأن قصتها اذا رويت على حقيقتها فستكون السم القاتل للنادي و لكل عرابيه و لذلك سوف نرى محاولة القضاء عليها في الأيام القادمة . و يقول لامب انهم قالوا له ان على الجيش أن يدمر كل بيوت "نهر البارد" ليقضي على "فتح الإسلام".

و يعتبر "النادي" الجيش اللبناني مشكلة خطيرة يجب التخلص منها أيضا, فالإدارة الأميركية تحاول إضعافه و تهميشه لتزيل العقبة الثانية بعد المقاومة التي تمنع حتى الآن تنفيذ الأجندة الصهيونية في لبنان. بينما يشعر الجيش أنه قد زج به في صراع أشبه بخلاف داخل العائلة بين جهاز الأمن الداخلي للنادي و المنظمات التي يرعاها . و يزداد التوتر اليوم بينه و بين "النادي".  

لهذا جاء  دور الوقّاد الدولي الذي سارع لإقامة جسر جوي ينقل الأسلحة و العتاد للجيش لأن نتائج المعركة تؤمن الفائدة للمخطط العام مهما كان ميزان القوة بين الطرفين , و لعل المذبحة في "نهر البارد" تكون مدخلا لجر سوريا الى النزاع, أو لعلها تعالج الخلل الذي أصاب المخطط في  تموز 2006  بالرغم من اندفاع نفس "وقاد الحروب" لتموين قوات العدوان الصهيوني بما قيمته 210 مليون دولار من وقود الطائرات ليساعد المعتدين , و ظل يمنع كل حديث عن قرار دولي  لوضع حد للعدوان  بالإضافة الى إقامة جسر جوي ينقل القنابل " الذكية" و الغبية فيما ادعاه من حفظ السلام في المنطقة ,  و كرر هنا نفس اللعبة التي لعبها في الصومال ثم  في غزة  بتشجيع أحد طرفي الصراع و تزويده بالسلاح بصورة مستعجلة و التي تشجع الحرائق و تزودها بالوقود حتى لو اتسعت و أحرقت العالم ما دامت تضمن تخريب معسكر الأعداء.

"و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة."

القاهرة   31/5/2007