مسكين يا وطني ... أبناء العقارب أيضا

د.عبدالكريم هاني

 

نشرت الصحف قبل مدة قصة متقاعد أرمل له في الحياة ابنة وحيدة يعيش معها على معاشه في داره التي يملكها . و باختصار شديد فإن الإبنة أخذت أباها في " زيارة" الى مدينة أخرى و تركته في إحدى دور رعاية المسنين هناك و عادت تقول انه في زيارة لبعض أقاربه. وعاد الأب الى مدينتهم القديمة بعد مدة و اتجه الى حيه القديم بدافع الشوق و ليسأل عن ابنته التي انقطعت عن زيارته , و فوجئ بأصحابه يشيحون عنه فزعا كلما صادفه واحد منهم الى أن اكتشف أصل الحكاية , فقد نعته ابنته للجيران بعد أسابيع من عودتها و أعلنت الحداد عليه و أكملت معاملة استلام معاشه و نقل ملكية الدار الى اسمها. ذكرتني هذه الواقعة بقصة العقارب , فقد سبق لي أن كتبت قبل أكثر من عامين كلمتين تحت عنوان أبناء العقارب , اشرت فيهما الى ان العقرب تحضن بيوضها داخل بطنها و حين يفقس البيض يبدأ الأبناء بأكل بطن أمهم حتى يخرقوه و يفتحوا لأنفسهم الطريق الى العالم الخارجي على جثة أمهم , و إن المرء ليحير في هل أن موقف هذه الفراخ عقوق بحق أمهم أو أن البشر أشد عقوقا بحق ذويهم ؟

سقت هذه القصة  للمقارنة مع جيل "القادة" الذي استعجل القفز على جثة الوطن و تفنن في إيجاد نقاط ينخر منها "بطن" الوطن ليمص دمه . إدعت السلطات في احد البلاد الاسكندنافية أن الآلاف من جوازات السفر العراقية تصدر من ممثلية العراق هناك ( هل اسمها سفارة ؟ ) و تمنح الى افراد لا علاقة لهم بالبلد , و تعلم كل الأطراف أن بعض سفراء زيباري يزودون "بعض" ابناء سوريا و ايران بالجوازات "بالكوم"  و يضيفون اليها تعيين مسقط الرأس في منطقة معينة من العراق الذبيح لضمان تغيير الوضع الديموغرافي لهذه النقطة .

و اشتكت احدى الجهات الأمنية في بلد عربي انها تكتشف آلافا من "العراقيين" يراجعون دوائرها حاملين الجوازات العراقية و هم لا يحسنون اوليات النطق بالعربية ,ثم يتبين بعد التحقيق الدقيق أنهم من بلد مجاور تبرعت لهم اجهزة الأمن العراقية بالانتساب للعراق و حمل جوازه لتحقيق أمرين على الأقل : تبديل البنية السكانية في بعض المناطق داخل العراق, و  تسهيل دخولهم الى القطر العربي المقصود للمساعدة في تبديل البنية الاجتماعية في بعض مناطق هذا القطر .

افترضت الإدارة التي نصبها الاحتلال أن الحل يكمن في تبديل الجوازات , فصنعت الجواز الذي قالت انه عصي على التزوير , لكنها تجاهلت ان المشكلة ليست في تزوير الجهاز و لكن في تزوير الولاء و الضمير , فقد اكتشفت السلطات في احد البللاد العربية مكتبا خاصا في أحد الأحياء التي يكثر فيها النازحون العراقيون يبيع كل جواز  G المرموق بستمائة دولار - يا بلاش!

وضعت سلطة عراق الاحتلال لنفسها أيام بريمر هدف الوصول الى تصدير ثلاثة ملايين و مائة ألف برميل من النفط يوميا , و وتدعي بعض الأوساط ان هذه السلطات عجزت عن تحقيق هذا الهدف لأن ارقام التصدير تراوح حول 1,7 مليون برميل يوميا . هذا القول يدل على سذاجة و جهل بالحساب و الأرقام ,لأن الأخبار الرسمية المتواترة تشير الى انتشار الفساد و سرقة مستمرة لجزء كبير من الانتاج في الشمال والجنوب قالوا انه حوالي 300000 برميل يوميا، ، كما يعلم العالم كله بعدم وجود عدادات تسجل كميات النفط التي تمر عبر الأنابيب أو في الناقلات فإذا أضفنا هذا على ذاك على ذلك لتبين للجميع ان الحكومة "المخلصة" قد وصلت الى الهدف الذي وضع لها, و كلها تصدير و فلوس  و الحسود بعينه عود.

و ما دمنا في حديث النفط فلا بأس أن نتحدث عن الإعلان عن قرار"منح" الجارة العزيزة عقد إنشاء أربعة مصاف للنفط في العراق , و نتساءل ببلاهة : هل سبق هذا القرار إعلان عن مناقصة عالمية أو اقليبمية لإنشاء هذه المصافي؟ و هل يعلم صاحب هذا القرار أن العراق سبق أن أنشأ مصفاة للنفط في بعض الأقطار العربية؟  و لكن لماذا نتساءل و قد سبق لـ"مزايد" آخر أن منح "إخوانه" عقد طبع الكتب المدرسية بحجة سرعة التنفيذ في الوقت الذي تأكل البطالة أبناء العراق؟ و كلاهما لم يلحق سيدهما الذي بدأ نشاطه السياسي بإصدار الحكم على العراق بتعويض الجارة شقيقته بمبلغ مائة مليار دولار مكافأة لها على إطالتها أمد الحرب ست سنوات بعد موافقة العراق على قرار مجلس الأمن رقم 589 و إيقاف القتال و الانسحاب الى الحدود الدولية للطرفين و أصرت "القيادة الشقيقة" على الرفض و إطالة أمد الحرب.

توالي قوات الاحتلال بين حين و آخر منع المركبات من العبور على جسر وسدة سامراء بحجة وجود شاحنة مفخخة على الجسر لتفجيره , ويسود ابناء مدينة سامراء الشك و القلق  ان قوات الاحتلال تنوي فعل شيء خطير، وقصة الشاحنة المفخخة مختلقة لا اصل لها، وإنما هي تمهيد لجريمة اخرى من جرائم الاحتلال تنوي اقترافها ثم الصاق التهمة بالارهابيين حسب اصطلاح هذه القوات خصوصا بعد مسلسل نسف الجسور و قصفها كما حصل لجسر الصرافية , و اذا كانت قصة جسر الصرافية قد "عبرت" و شربها العالم فإن كذبة مشابهة لا يمكن ان تنطبق على هذا السد . ومما يثير الشك في وجود نية مبيتة ضد السد ما ورد عن بعض أفراد من الشرطة المسؤولين عن حمايته من ان غواصين أمريكان ينزلون كل يوم الى الأسفل ولا احد يعلم ما يفعله هؤلاء الغواصون عند قواعد السد, و لذلك لا يستبعد أن نسمع يوما عن انهيار السد بفعل "حزام ناسف" ليكمل حصار مدينة سامراء و عزلها و لا يهم ما يحصل للمناطق الأخرى جنوب السد من الغرق او مسح بعضها بالكامل فذلك يكمل ما يتحدث به الذين لا يحسنون الظن بالاحتلال و الذين يظلون يتذكرون بيكر و يُذكّرون الآخرين به عندما هدد قبل عدوان 1991 بإعادة العراق الى عصور ماقبل الثورة الصناعية او ربما العصر الحجري , فهم يرون أجزاء المخطط يكمل بعضها بعضا يوما بعد يوم , هذا المخطط الذي أحسن وصفه دنيس هوليداي منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية حين استقال احتجاجا على استمرار الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة و صفق له عملاؤها فقال "اننا في طريقنا لتهديم مجتمع كامل فهي ببساطة عملية مرعبة غير قانونية و لا أخلاقية."

 يعيد العراق اليوم تجربة فترة عاشها قبل 85 عاما حين كانت سلطة المندوب السامي البريطاني تضغط على القائمين على الحكم لإنجاز النقاط التي كانت تمثل جوهر سياسة الاحتلال البريطاني و أهدافه و هي إبرام المعاهدة التي قدمت بريطانيا مسودتها و اتفاقية لاستثمار النفط قدمت مسودتها أيضا و إبرام دستور يعترف بالانتداب البريطاني في مسلسل ابتزاز واضح كان التهديد بفصل ولاية الموصل عن جسم العراق أداة تحقيقه. و اليوم يتعرض العراق لنفس الابتزاز إذ تطلب الدولة المحتلة الجديدة نفس الطلبات بعد تغليفها و تزيينها بمسميات جديدة و تستمر الضغوط على أركان الحكم التي أقامها الاحتلال تارة بالزيارات المكوكية يقوم بها مسؤولون أميركان و تارة باستدعاء نظرائهم من العراقيين الى واشنطن. فالمطلوب نفس المطالب الثلاثة: دستور جرت صياغته عبر المحيط يؤمن تحقيق شروط المحتل لتأمين حليفه الستراتيجي , و إضفاء الشرعية على قواعد عسكرية تضمن استمرار السيطرة على المنطقة , و بيت القصيد تشريع قانون للنفط تمت كتابته و تزويقه هناك أيضا يسهل للشركات التي تحضى بالرعاية نهب ثروة العراق النفطية طوال المستقبل المنظور و غير المنظور و التهديد نفس التهديد : سلخ "ولاية" الموصل و تقسيم الباقي من أرض العراق. و يتسابق الأركان المذكورون على إرساء هذه البنود و تشريعها مادامت منافعهم مستمرة و انابيب "الخير" تتدفق بالعطاء. و ليس بيدنا بعد هذا الا أن نقول لهؤلاء كما قال الشاعر قبل هذا :

كلوا يا ايها الســــادة               كأكل الســادة القادة                

كلوا لا ترهبوا الدهر              فـأم الدهـر   *****

و اذا لم تكن الأم التي انجبت هؤلاء الأبطال هكذا فماذا يمكن ان تكون؟

 

القاهرة 22/5/2007