حول الحاجة إلى «كتلة تاريخية» تجمع التيارات
الرئيسية للأمة
د. خير
الدين حسيب
أولاً: مقدمة
تواجه الأمة العربية شعوباً وأنظمةً سياسيةً، مأزقاً شاملاً، لم يعد التغيير فيه
ممكناً على الطريقة السابقة، أي على طريقة الثورة الشعبية، أو طريقة الانقلاب
العسكري. فتكاد تكون الثورة الإيرانية آخر أنماط الثورة الشعبية، بينما لم يكن
ممكناً للانتفاضة الشعبية في أندونيسيا، وهي حالة خاصة، أن ترحّل الجنرال سوهارتو
دون تحييد الجيش، ودون الدعم الأميركي لهذا التحييد. ولكن ما يهمنا هنا الحديث عن
الحالة العربية. إذ كانت الحركات الوطنية العربية أحد عوامل التسبب في الانقلابات
العسكرية، بسبب قصر نفسها، واعتقادها أن اللجوء إلى مؤسسة الجيش بوصفها مؤسسةً
وطنية مركزية، يمكن أن يختصر عملية التغيير. لكن الأنظمة العربية تبدو اليوم في
الوضع الراهن، من دون إنكار تفاوت الحالة بين هذا القطر أو ذاك، وكأنها قد أخذت «لقاحاً»
أو اكتسبت مناعةً ضد «الأمراض» الفتّاكة التي تهددها، أي بصورةٍ رئيسيةٍ ضد الحركات
الشعبية وضد الانقلابات العسكرية على حد سواء. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، يأتي في
مقدمتها توسع دور الدولة الاقتصادي، وتكريس السيطرة على الإعلام، ومضاعفة حجم وقوة
الأجهزة الأمنية... إلخ. وبالتالي بات من الصعب تصور قيام ثورة شعبية في الوطن
العربي على طريقة الثورة الإيرانية، بل حتى على طريقة الحالة الاندونيسية الخاصة،
التي لم تنجح لولا الدعم الخارجي الأميركي لتحييد الجيش، وبالتالي نحن هنا إزاء دور
العامل الخارجي.
ومأزق الشعوب العربية بات يكمن على الأقل في أن الحل إما أن يأتي من الداخل أو يأتي
من الخارج، بالاستعانة بقوى خارجية في عملية التغيير الداخلي. وتجربة العراق تبين
لنا نتائج الاستعانة أو الاعتماد على العنصر الخارجي. فما هو الحل البديل من
الاعتماد على هذا العامل الخارجي؟
كما أن عملية التحرر الوطني من الاستعمار وتأسيس الدولة القطرية في الوطن العربي،
بعد الحرب العالمية الأولى والثانية تحقق بفعل «كتلة تاريخية» جسّدها تداعي النخب
التي اندفعت لعمل وطني شامل وامتزجت عبرها مراحل التحرر الوطني بمتطلبات البناء
الاجتماعي.
ثانياً: على المستوى العربي
لم يعد خافياً على أي مراقب محايد حجم الحملة التي تستهدف القومية العربية والإسلام
معاً باعتبارهما إطارين للتوحيد والتواصل الحضاري في منطقة تمتلك حيوية استراتيجية
فائقة بالنسبة إلى القوى الطامحة إلى الهيمنة على مقدرات العالم اليوم. وإذا كانت
هذه الحرب لم تتوقف يوماً واحداً، ومنذ قرون، ضد العروبة والإسلام، إلا أنها تميزت
في هذه المرحلة بأمرين بالغي الخطورة:
الأمر الأول: انها تأخذ طابعاً بالغ الحدة والشراسة، على المستويات الأمنية
والعسكرية والسياسية والثقافية، حيث تجري باسم «الحرب على الإرهاب» حرب استئصال
جسدية وفكرية وتربوية ضد الأمة تصل إلى استهداف مباشر للعقيدة الدينية والهوية
القومية.
الأمر الثاني: انها تأخذ حالياً طابع الحرب المباشرة على التيار القومـــي العربي
والتيار الإسلامي في آن معاً، بعد أن سعت ولعقـــود خلـــت لاستخدام الصراع بين
التيارين كإحـــدى الأدوات الرئيسية في حربها على العروبة والإسلام.
وإذا كانت الشراسة التي تتسم بها هذه الحرب يمكن تفسيرها بمدى الصلابة التي تواجه
بها الأمة مخططات أعدائها، وبعمق الروح الجهادية التي تتجلى في كل مواقع المقاومة
في الأمة العربية والإسلامية، فإن مرد الاستهداف المزدوج للتيارين القومي العربي
والإسلامي يعود إلى أن التيارين قد نجحا في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع بداية
التسعينيات، في بناء قدر من علاقة تفاعلية وتكاملية بينهما أدت إلى سد الكثير من
الثغرات التي طالما نفذ منها أعداء العروبة والإسلام من أجل ضربهما معاً.
ولقد وقف وراء هذا التطور الإيجابي في العلاقة بين التيارين الإدراك المشترك
لقواهما ورموزهما الأبرز، للمخاطر الجسيمة التي تواجه الأمة، وللتطور الخطير في
مستوى المجابهة مع الأعداء، ولا سيما حين بدأت بعض الدوائر الغربية، الفكرية
والسياسية والثقافية، تعتبر صراحة أن الخطر القادم، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، هو
ذلك المتمثل بالإسلام والعروبة، وتتصرف فعلاً على هذا الأساس.
وقد واكب هذا التطور دخول التيار اليساري العروبي إلى دائرة التيار القومي في عملية
بدأت في النصف الأول من الستينيات وتعززت كرد على الهجمة التي تعرضت لها الحقبة
الناصرية في مصر، ولم يعد بين التيار القومي العربي والتيار اليساري العروبي أية
خلافات جوهرية تتعلق بالمستقبل، ولكنها، إن وجدت، تتعلق بالإرث التاريخي للتيارين
وأحداث التصادم بينهما في الماضي، وهي عقد وترسبات لا يمكن شطبها مهما بُذل من جهد
حولها، وكل ما يمكن عمله هو الاستفادة من عبرة تلك الخلافات للمستقبل.
٭٭٭
لماذا الكتلة التاريخية
إن قيام «الكتلة التاريخية» بين التيارات الرئيسية في الأمة: التيار القومي العربي،
والتيار الإسلامي العروبي، والتيار اليساري العروبي، والتيار الليبرالي الوطني
العروبي، والتي توصّل «مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي» إلى إدراك أهميتها، لم
يعد في اللحظة الراهنة أحد الخيارات المتاحة أمام الأمة فقط، بل بات خيارها الوحيد
لمواجهة الهجمة التي تستهدف وجودها وهويتها واستقلالها ومواردها في آن معاً.
فمسيرة التلاقي بين هذه التيارات ينبغي أن تستمر في كل اتجاه، وفي كل ساحة، وعلى كل
مستوى، وفي كل إطار عمل، وفي كل انتخابات نيابية أو بلدية أو نقابية، لا كمجرد
تعبير عن الإحساس المشترك بالمخاطر التي تواجه الأمة، بل أيضاً كتعبير عن مستوى
النضج الذي وصلت إليه قيادات الأمة، ومفكروها، ومناضلوها بعد مسلسل التجارب المريرة
التي مرت بالأمة، والتي كان الانقسام والتناحر بين قوى الأمة وتياراتها، بل داخل
هذه القوى والتيارات نفسها، هما العنوانين البارزين والسببين المباشرين لتلك
النكسات.
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، فإننا نقترب من تحقيق مهمات التحرير والتغيير
والتطوير في الأمة بقدر ما نتقدم على طريق توحيد تيارات الأمة وطاقاتها.
إن الطريق إلى تعميق التحالف بين هذه التيارات، وهذا ما تستدعيه كثيراً اللحظة
الراهنة، يستدعي التذكير بالمهام المرحلية التي أقرها المؤتمر القومي ـ الإسلامي
الأول وقطع شوطاً في تنفيذ بعضها، وتعثر تنفيذ البعض الآخر، وهي مهام يمكن
الاستفادة منها والعمل من أجلها في إطار التيارات الأربعة:
فعلى صعيد التفاعل الفكري:
1 ـ السعي إلى تنظيم سلسلة من الندوات والحوارات على المستوى القومي بين هذه
الأطراف حول القضايا الفكرية التي تهمهما، وفي مقدمتها صياغة المشروع النهضوي
العربي بجميع أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، بما
في ذلك مواضيع «العلمانية» و«تطبيق الشريعة»، ويعد مركز دراسات الوحدة العربية ندوة
فكرية لمواصلة الحوار الفكري بين هذه التيارات خلال خريف عام ,2007 في مصر أو لبنان.
2 ـ السعي إلى تنظيم حوارات على المستوى القطري بين هذه التيارات الأربعة للخروج
بتصورات مشتركة منبثقة من حاجات المواجهة للتحديات المطروحة في كل قطر.
3 ـ بذل كل الجهود للارتقاء بمستوى الخطاب، خاصة في أجهزة الإعلام، بما يساعد على
دفع الحوار وإثرائه، وتركيزه على القضايا والمصالح الأساسية للأمة مع العمل على فتح
المنابر الإعلامية المتوافرة للأطراف المختلفة وحتى توحيدها، جزئياً أو كلياً، من
أجل الإسهام في مزيد من التفاعل الفكري بينها.
كما يمكن الاستفادة من توصيات ذلك المؤتمر على صعيد العمل السياسي.
وعلى الرغم من أن تطورات هامة حصلت على مدى العقد الفاصل بيننا اليوم وبين إقرار
تلك المهام، ولا سيما في ظل الاحتلال الأميركي للعراق وما يتطلبه من رفع وتيرة
المقاومة، بكل أشكالها ومستوياتها، ضده، بما في ذلك رفض التعامل مع الاحتلال وكل
إفرازاته ونتائجه وتداعياته، وإنجاز مصالحة تاريخية داخل المجتمع العراقي، وتكريس
الديموقراطية والتعددية كمرجعية للعلاقات بين العراقيين، إلا أن هذه المهام الفكرية
والسياسية ما زالت صالحة حتى الآن لتشكل برنامج العمل الفاعل لتطوير العلاقة بين
هذه التيارات وتطويرها، ونقلها من القوى القيادية والنخبوية إلى مستوى القواعد
الشعبية والشبابية بشكل خاص.
لا شك في أن الحد من حجم الخسائر التي نجمت عن إطلاق المشروع الأميركي على المنطقة
العربية وجوارها الإسلامي، لن يكون ممكناً إلا بالارتقاء بأساليب الممانعة والرفض
بين أطراف الأمة كافةً، وتركيزها في برنامج عملي مشترك. لكن هذا لا ينفي الحاجة إلى
حوار عميق بين تيارات الأمة، وصولاً إلى استيلاد كتلة تاريخية، هو مما تفرضه
أوضاعنا الذاتية. فإذا ما تبصرنا في تاريخنا الحديث في القرن الماضي على الأقل،
فإننا نلحظ أنه تاريخ تعاقُب نخب على السلطة السياسية أو على السلطة المعنوية
المتعلقة بسلطة الإنتاج الفكري والثقافي للأفكار الكبرى. ولقد استهلكنا في هذا
التاريخ أربعة أنواع من النخب: نخبة ليبيرالية خاصة في مرحلة ما بين الحربين، ونخبة
قومية بدءاً من مطالع الخمسينيات، ثم نخبة يسارية ماركسية بعد هزيمة حزيران/ يونيو
,1967 ثم نخبة إسلامية أخذت زخماً واندفاعةً كبرى بعد قيام الثورة الإيرانية.
في كل حقبة من هذه الحقب، هيمنت فكرة محورية أو أساسية بالمعنى الغرامشي لمفهوم
الهيمنة (Hegemony). وكان لها الغلبة بوسائط السياسة أو بوسائط الفكر. في الحقبة
الليبرالية كانت قضية الديموقراطية أو المشاركة أو المؤسسات أو الدستور أو الحزبية
أو التعددية أو غيرها هي الفكرة المهيمنة، ولم تكن النخبة الليبرالية يومئذ معنيةً
بمسائل الوحدة العربية أو العدالة الاجتماعية، وأعقب ذلك لحظة ثانية هيمن فيها
الخطاب القومي الذي سيدخل مفهوم الوحدة العربية في المجال التداولي، وأحياناً
مقترناً ـ كما في التعبير الناصري ـ بمفهوم التنمية الوطنية المستقلة وما في جواره،
كالتحرر الوطني والاستقلال القومي.. وغيرهما. استبعدت في هذه المرحلة شعارات نهضوية
كبرى دشنت منذ زمن الإصلاحيين الاجتهاديين، كان من أهمها قضية الديموقراطية، التي
برر تغييبها بفساد الأحزاب في المرحلة الليبرالية وتشتيتها للأمة، وضرورة رص الصفوف
في مواجهة العدو الصهيوني والاستعمار. ثم تكرر ذلك مع صعود اليسار بعد هزيمة حزيران/يونيو
,1967 حيث أنتج قراءة عدمية لكل التراث الذي سبقه، منطلقاً من فرضية قوامها بأن
المفتاح السحري للتاريخ لحل قضايا الأمة يكون بالاشتراكية، ثم جاء التيار الإسلامي
فغلّب صون الهوية الحضارية للأمة في وجه المسخ والتبديد.
في كل مرحلة من هذه المراحل الأربع، كان كل تيار يحسب نفسه صاحب فكرة صحيحة ووحيدة،
وكان ثمن هذه الرؤية هو إقصاء الآخرين، وترجمة ذلك سياسياً بالاحتراب ما بين هذه
التيارات. أعتقد في ضوء المراجعات الكبرى، والتي كان لمركز دراسات الوحدة العربية
دور كبير فيها، أن الحاجة قد باتت ماسة لإعادة النظر بهذا التاريخ الثقاف ـ السياسي
العصبوي، المنغلق والمتنابذ. لا يمكن القول إن كل نخبة من هذه النخب كانت على خطأ،
لكنها على صواب فقط في ما إذا اجتمعت لا إذا ما تفرقت. وهكذا لم نحقق الديموقراطية
ولا التنمية ولا الوحدة القومية ولا العدالة الاجتماعية، ولم نصن شخصية الأمة من
التبديد والمسخ الثقافي. مع ذلك، لا نستطيع حذف أية مرحلة من تلك المراحل، لكن ما
نحتاج إليه هو خطاب تاريخي تركيبي يعيد تأليف اللحظات الفكرية التي عبرت عنها في
خطابٍ واحد، تجمع عليه كل قوى الأمة. هذا الخطاب التاريخي هو ما نسميه بالخطاب
النهضوي الجديد، الذي تتجاور فيه الديموقراطية والتنمية والوحدة والاستقلال الوطني
والقومي والتجدد الحضاري والعدالة الاجتماعية، وغير ذلك، ولا تتنابذ.
أعتقد أننا نحتاج في السياسة إلى هذه الكتلة التاريخية التي تصهر كل المكوّنات في
قوةٍ واحدة، ونحتاج على صعيد الفكر إلى خطابٍ واحدٍ جامع بين أمشاج هذه الأفكار،
يكون هو خطاب النهضة وخطاب هذه الكتلة وبرنامجها الفــكري الذي تشتق منه برنامجها
السياسي. ففكرة الكتلة التاريخية هي الوجه السياسي لفكرة المشروع النهضوي العربي.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الحوار حولها.
إن هذه «الكتلة التاريخية» لا تلغي الإرث الوطني والقومي للتجمعات (أحزاب، حركات
منظمة... إلخ) بل تؤطرها وتستكمل مقوماتها النضالية. إن قيام «الكتلة» لا يعني
إلغاء ونفي الآخر، بل إضافة طاقة جديدة.
إن مفهوم الكتلة التاريخية، مفهوم مركزي في هذا البرنامج، بدءاً بعنوانها ووصولاً
إلى مطلب قيام كتلة تاريخية بين التيارات الرئيسية في الأمة، وإلى اعتباره خياراً
وحيداً متاحاً أمام هذه الأمة. وكي يكون هذا المفهوم قابلاً للتداول في هذا السياق،
لا بد من تدقيقه. إذا ما استبعدنا الاستعمال المحلي من نوع كتلة برلمانية، فإن
الاستعمال السائد لمفهوم الكتلة التاريخية (Historical Bloc) يشير إلى عوامل وأشكال
الربط بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، بما في ذلك الهيمنة الأيديولوجية، وذلك
في مجتمع معين، في لحظة تاريخية محددة. من هذه الوجهة يبدو استعمال مفهوم الكتلة
التاريخية على صعيد الأمة العربية أو العربية ـ الإسلامية، مثيراً لإشكالات لا يمكن
حلها على صعيد فكري تحليلي. إن العلاقة بين تيارين ليست علاقة إرادية معلقة، بل هي
مرتبطة بظروف مادية، وقوى وحركات اجتماعية، وتيارات فكرية وسياسية أخرى، يمكن
تصنيفها وتحديد مواقعها بدرجة أو بأخرى، في مجتمع محدّد له علاقة معينة، بين مجتمعه
السياسي ومجتمعه المدني، وهو ما يستحيل تحليلياً في مستوى أمة عابرة للمجتمعات.
أعتقد أن مفهوم الكتلة التاريخية كما هو مستعمل في البرنامج، هو أقرب إلى مفهوم «التوافق
التاريخي» أو «التسوية التاريخية»(1) (Historical Compromise)، الذي يعني التنازل
التاريخي المتبادل، أو «التواطؤ التاريخي» بيـن قوى أو تيارات متباعدة أو متصارعة
أصلاً، لكن ظروفاً تاريخيةً معينة تضطرها للتقارب مرحلياً أو لأبعد من ذلك.
هذه الملاحظة حول المفهوم ليست شكلية. فالتسمية هنا تكثيف للتصور، وطريقة للإعلان
عنه. وبصرف النظر عن الرأي في صياغة العلاقة، صياغةً سياسيةً، أرى في المطلق أن
لهذه التيارات الخيار سياسياً بين مفهوم «التسوية» «Compromise» وبين مفهوم «التحالف»
الذي أصبح معتاداً عند الحركات والأحزاب العربية.
ويجب ألا يغيب عنا أن في كل منها تضحية بمشروع طويل المدى، لصالح مشروع عاجل. ويصح
قول ذلك على التيارات الأربعة وبشكلٍ خاص عن التيارين القومي والإسلامي، لأنه لا
يمكن اختزالهما بسهولة في مشروع سياسي. إن لهما بعداً ثقافياً بالمعنى الواسع
للكلمة، هو بمثابة العمق التاريخي الذي لا يؤتمن جانبه من الجانبين. الحذر واضح من
جانب القوميين الذين يركزون على القوى الإسلامية الثورية ذات الطابع المرجعي العربي
والديموقراطي، واستبعاد الحركات الإسلامية ذات المنزع المذهبي أو الديني السري،
المعتمد على الإرهاب، أو ذات المنزع الفاشي. فما هو حذر الإسلاميين عموماً، وحذر
الإسلاميين الثوريين من القوميين؟ أن لا يكون الجواب معروفاً على وجه الدقة، أو أن
يكون قابلاً للتأويل في الحوار القومي ـ الإسلامي، فهذا لا يكلف كثيراً، لكن ألا
يكون كذلك على صعيد مشروعٍ سياسي، فهذه قد لا تخلو من مجازفة محسوبة على المدى
البعيد.
إن مشروع بناء «الكتلة التاريخية» ليس محدداً بساحة قطرية واحدة، بل هو مشروع قومي
لكل الوطن العربي، ويمكن أن يحقق ذلك أيضاً في الساحة النضالية الفلسطينية، كنموذج
آخر إلى جوار النموذج العراقي، كما سيشار إلى ذلك في ما بعد. ومن غير المتوقع أن
يتم هذا اللقاء والتفاعل بين هذه التيارات الأربعة مرّة واحدة تشمل جميع مكونات تلك
التيارات، وفي جميع الأقطار العربية. ولكن أي تقدم ناجح في هذا الاتجاه، في قطر أو
أقطار عربية سيشكل قوة دفع لنفس الاتجاه في أقطار عربية أخرى، كما أن اشتراك
الغالبية من كل تيار من هذه التيارات، في إطار قطر واحد، ستسهم وتساعد في إحداث
التحولات الفكرية والسياسية اللازمة لمن تبقى من مكونات كل من هذه التيارات الأربعة.
ولذلك فإن أي تفاعل ونموذج ناجح لهذه التفاعلات والتحالفات بين هذه التيارات سيكون
مصـدر إشــعاع لها على المستوى القطري والقومي.
٭٭٭
(٭) تمت الاستفادة في إعداد هذه المقالة من ورقة العمل التي سبق أن قدمتها إلى
الحلقة النقاشية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية «حول الحاجة إلى كتلة
تاريخية للأمة العربية» وبعض المناقشات التي دارت فيها، والتي نشرت في «المستقبل
العربي»، العدد ,300 شباط/فبراير ,2004 ص ص 91 ـ .127اجزاء من نص أطول.
(1) نفضل استعمال «التوافق التاريخي» بدلاً من «التسوية التاريخية» رغم أن الأخيرة
هي الأقرب للترجمة العربية للمصطلح الأجنبي، لأن مفهوم «التسوية» في الخطاب العربي
الراهن تشوبه بعض الاشكال والغموض. كما أن تعبير «التواطؤ» كما يرد في الخطاب
العربي الراهن لا يخلو من مفهوم سلبي.