الحياة للذاكرة العربية

 عندما يفرض الشعب قراره

حسين الربيعي

 

ان احداث التأريخ لايمكن فصلها عن بعضها ، لاسيما اذا ما كانت تلك الاحداث تتصل بتأريخ شعب او أمة بعينها ، فبالقدر الذي يعزز النصر قوتها وكيانها ، فأن الانتكاسات والاحباطات اذا ما حللت ودرست وفحصت بشكل علمي ، فأنها تتحول من مردوداتها السلبية المحبطة للآمال والهمم الى منطلقات للوثوب والمسير والمواجهة . ولاهمية الموضوع خصوصاً في هذه المرحلة السابحة في ثقافة الرضوخ التي تتسع وتتفاقم ضمن اجواء الردة والانبطاح لارادة القوى الخارجية المعادية لشعبنا وتاريخنا وحضارتنا وقيمنا وثقافتنا . فأن استعادة بعض مراحل التأريخ القريب والبعيد المتصلة بالحركة الشعبية في وطننا الكبير.. باعتبارها الحركة صاحبة الارادة التي حققت وفرضت ارادتها في سبيل عروجها نحو تغيير معادلة النكسة الى النهضة والتحرير والسيادة .يكون ذو فائدة ونفع لغرض اعادة الحياة للذاكرة العربية .

وقد يكون الحال الذي تمر به امتنا.. من هيمنة امريكية.. وصهيونية.. واحتلال لقواتهما لاقطار عربية (فلسطين والعراق). وتجارب سياسة تحت غطاء "الديمقراطية" هدفها الحقيقي.. فرض احزاب او شخيات لادارة "العملية السياسية" لصالح القوى المستفيدة من خيراتنا وثرواتنا "قوى النفوذ العالمية" وكذلك تحقيق الفرقة والتجزئة عن طريق الترويج بحجة هذه "الديمقراطية" لثقافات الامارات والملكيات والمشايخ ولو على شبرٍ من الارض. وسرقة مكتسبات الامة وربطها بعجلة الهيمنة الامبريالية .

وعليه..ولاستخلاص بعض النتائج ، نحاول ان نستعيد ذكرى النكسة التي تعرضت لها امتنا اثناء حرب حزيران 1967 بما انجزته هذه النكسة من آثار سلبية كادت ان  تطيح بكل المقومات القومية والتحررية لامتنا ، لولا نهوض شعبنا وفرضه ارادته لوقف اول ناتج من نتائج هذه النكسة ، وهو عزل القيادة التاريخية عن جماهيرها وفرض شروط الاستسلام عليها .ولقد كان الموقف الشعبي المتمسك بالقيادة التاريخية لها، قد ادى  للامساك ببنيان الامة من الانهيار، انها 9و10 حزيران ـ يونيو 1967

كان موقف جماهير امتنا عموماً وابناء مصر بشكل خاص رفض الاستقالة التي قدمها الرئيس عبد الناصر جراء تحمله مسؤولية النكسة كما جاء في نص الاستقالة التي جاءت تحت ظروف الحرب الخارجية التي حققت انتصارلها بالتواطء مع القيادات العسكرية التي تحيك خيوط المؤامرة في الداخل لغرض الامساك بامور الدولة باعتبارها هدفها الحقيقي القائم واذا كانت كلمة تواطء كبيرة وعمومية فان الذي لامفر من استخدامه ان هذه المجموعة قد تغافلت.. او اغمضت عينها عن العدوان الخارجي لغرض تعزيزمواقفها للاستحواذ بالسلطة والهيمنة على الدولة .

وعلى العموم فان خروج الملايين من ابناء مصر والامة العربية (خرجت جماهير بغداد بعد سماعها خطاب الاستقالة مباشرة وتجمعت بشكل تلقائي وسارت بتظاهرات كبيرة باتجاه السفارة المصرية دون تخطيط مسبق واستمرت في تواجدها امام السفارة حتى تراجع المعلم الخالد جمال عبد الناصر عن استقالته).

 قد وضع هذا الموقف الجماهيري  نهاية مأساوية "للنصر الأسرائيلي" ، خصوصاً وأن موشي دايان لم يجني من أنتظاره لمكالمة هاتفية من عبد الناصر سوى الخيبة والفشل ، خصوصاً ان عواصم الأمة العربية ومدنها قالت كلمتها الواحدة : لا للأستقالة ، لا للهزيمة .. نعم لعبد الناصر ، نعم للتحرير .

وكان من نتيجة هذا الموقف الجماهيري .. تعهد سوفيتي بأعادة بناء القوات المسلحة العربية وأرسالها وفد على مستوى عالي للقاهرة ،وكان من نتيجة الموقف الجماهيري تضميد"الجرح ألأكبر في قلب عبد الناصر" الذي "لم تؤثر فيه الهزيمة العسكرية بألقدر الذي آثر فيه تآمر المحيطين به من رجال الجيش السابقين وشماته الذين كان يضعهم في خانة ألأصدقاء"

عبد المجيد فريد .. من محاضر اجتماعات عبد الناصر العربية والدولية 1967ـ1970 ومن نتائج الموقف الجماهيري عقد مؤتمر لقمة الصمود في القاهرة في تموزـ يوليو 1967 الذي ضم نور الدين الاتاسي (سوريا) عبد الرحمن عارف (العراق) هواري بومدين (الجزائر) اسماعيل الازهري واحمد محمد محبوب (السودان) . لدعم موقف الجمهورية العربية المتحدة والرئيس عبد الناصر بشكل خاص .

ومن نتائج الموقف الجماهيري . مؤتمر القمة العربي في الخرطوم ، ولاءاته الثلاث (لاتفاوض، لاتنازل، لااعتراف بأسرائيل) .
(كانت لحظة نزول عبد الناصر من طائرته في الخرطوم ـ للمشاركة في مؤتمر القمة ـ لحظة تأريخية لم اشهد لها مثيلاً من قبل . لقد انهارت كل الترتيبات التي فضت لجنة الاستقبال اياماً في اعدادها ، وسقطت كل الحواجز التي اقامتها اجهزة الامن ، وتعالت الهتافات بحياة البطل وبحياة العروبة وبالُثأر من امريكا واسرائيل . وراح موكب عبد الناصر يتهادى في شوارع الخرطوم وسط بحرهائج من البشر . لقد خرجت العاصمة المثلثة كلها تستقبل عبد الناصر دون ان تدرك انها كانت السبب المباشر في اخراج عبد الناصر من جو الهزيمة الذي كان يعيشه ، ودون ان تدرك ايضاً انها قد منحته القوة من اجل الانعطاف في اتجاه طريق الصمود والردع والمقاومة) . عبد المجيد فريد . اوراق عبد الناصر السرية

ولقد كانت من نتائج هذه المواقف الجماهيرية .. ان حدد عبد الناصر عدوه الحقيقي

"بالنسبة للمستقبل ، انا شايف ان اعدائنا دائماً حيكونوا الامريكان" عبد الناصر في حديثه مع بودغور في القاهرة 22 تموزـ يوليو 1967 .

"المهم ان الواضح لنا الان هو عدونا الاساسي :الولايات المتحدة الامريكية" نفس المصدر السابق.

ومن نتائج المواقف الجماهيرية .. "حرب الاستنزاف التي شنت بنجاح عبر قناة السويس .كما ان "جمال عبد الناصر لابد ان يكون قد شعر بقدرمن الرضا عندما وقع فيما بعد خطه علمية "جرانيت رقم 1 " وهي الخطة التي استعدت قواتها لعبور قناة السويس على خمس محاور ، كما ان عملية اعادة التماسك السياسي والاقتصادي تجلت في وقفة جماهير الشعب المصري وراء هدف ازالة آثار العدوان."  محمد حسنين هيكل خريف الغضب وهو ما حقق نصر تشرين اكتوبر 1973 فيما بعد .

"لكنه في امره لبدء العمليات للفريق "احمد اسماعيل " طلب اليه في الواقع تنفيذ خطة "جرانيت رقم 1". هيكل وهو يتحدث عن السادات في ـ خريف الغضب  .

واذا كانت التجربة الناصرية بقيادة عبد الناصر قد انتهت ، فان التجربة الناصرية لاتزال ماثلة للعيان وفاعلة على ارض الواقع بغير عبد الناصر وبقيادة غيره . فعبد الناصر خلقته المواقف الجماهيرية وكان معبراً عنها "واذا كان صحيحاً ـ على حد تعبير "لينين" ـ انه ليس هناك ما يصح تسميته برجل ثوري ، وانما هناك ما يمكن تسميته حالة ثورية ، وان الثوري في الحقيقة هو رجل يستطيع ان يشعر بهذه الحالة وان يتفاعل معها وان يتحرك فيها ـ فأن "جمال عبد الناصر" بهذا الوصف واحد من هؤلاء الثوريين .ولعله كان يدرك هذا بأحساسه حين وصف دوره ذات مرة قائلاً "انني لست زعيم حركة وانما انا تعبير عن هذه الحركة ).نفس المصدر السابق

وحينما نقول ان هذه الحركة مستمرة .. بغير قيادة عبد الناصر .. وتحت قيادات ليست بمستوى عبد الناصر .. الا انني متفائل من المستقبل .. فحينما تفرض الشعوب آرآئها ومواقفها يكون من نتائجها آفاق جديدة نحو مستقبل جديد .. لابد ان يكون فيه كلنا عبد الناصر .

وعلى سبيل المثال .. اذكر بالموقف الشعبي العراقي الذي فرض ارادته ضد قرار لمجلس الحكم الذي كان يآتمر بأمر برايمر .. حين رفض العراقيون قرار هذا المجلس تغيير العلم العراقي لعلم شبيه بالعلم الصهيوني ، بل ان العلم العراقي الذي يمثل الوحدة الثلاثية والذي اقر بعد توقيع اتفاقية الوحدة الثلاتية بين مصر وسوريا والعراق عن طريق مرسوم جمهوري اصدره المغفور له عبد السلام عارف .ارتفع فوق المنازل وفوق المساجد وعلى مقدمات السيارات وفوق صدور العراقيين ورسم فوق الدفاتر والكتب والصحف ، وتعلق به العراقيون في منازلهم وغرفهم الخاصة . وعليه فقد كان ان فرض العراقيون رأيهم على السلطة المحتلة واتباعها ومر قرار التبديل دون ان ينال من كرامة العلم العراقي .. بل انه عزز هذه الكرامة وامدها بالقوة .

وثانيهما تمسك العراقيون بخيار المقاومة والتي تواصلت واتسعت مسيرتها وتعززت يوماً بعد يوم (لقد راهنوا على خلو المناطق الجنوبية ومناطق الفرات من المقاومة في حين ادعوا ان المقاومة سنية .. فجاء الرد .. بصراوياً .. وكربلائياً ونجفياً وسماوياً .. وكذلك في العمارة والناصرية في عمليات عسكرية فائقة الدقة استهدفت قوات الاحتلال وآلياته .. اخرها تحطيم آليتين في كربلاء وقتل جنودهما ).

وعزمهم على تحقيق السيادة والاستقلال بعد ان حققت المزيد من الفشل لمخطط الاحتلال والمتعاونين معه . فالعروبة التي ارادوا طمسها في العراق .. اصبحت الملاذ الوحيد من هذه الفوضى والتمزق الداخلي (لقد شهدت مدينة البصرة ابشع صورة في حرب الميليشيات التابعة للائتلاف للاستحواذ على اهم ركائز السلطة ـ الثروة النفطية) وهاهي الحكومة العراقية ـ تحت تأثير الموقف الشعبي  تضطرلان تستنكر على لسان رئيسها المجزرة الامريكية التي ارتبكتها في حديثة وترفض (الحكومة العراقية) نتائج التحقيق الأمريكي بشأن مجزرة الاسحاقي ..بل وتقرر تشكيل لجنة عراقية للتحقيق فيها .. وسوف تظطر الحكومة العراقية لاحقاً تحت مطرقة الموقف الجماهيري المتمسك بخيار المقاومة الوطنية للطلب "بخجل" من القوات الأمريكية "المتورطة في الحرب ضد العراق" لوضع جدول زمني للأنسحاب "ولو" بشكل رمزي .

وسوف يسقط مسؤولون .. ويصمد آخرون بسبب قربهم او بعدهم عن الموقف الجماهيري .. وسوف ينقلنا هذا الموقف من الحالة التشاؤمية من العملية السياسية بما تحمله من اورام سرطانية متعددة ..الى موقف الطموح والثقة بان المستقبل حليف الارادة الشعبية القومية التحررية ..وعلى حد قول الاخ المناضل كمال شاتيلا في لقاء له في الفضائية السورية .. (ان العروبة ستنتصر) . ان تجارب امتنا .. وتجارب الثورة الناصرية .. تلقي على كاهل المؤمنين بالامة وبالتجربة الناصرية مسؤولية كبرى بأعتبارهم الطليعة الثورية.. ان تحدد لجماهيرها معالم الطريق الذي به تفرض ارادتها وتحقق كرامتها المستهدفة وتستعيد المبادرة لامتلاك قرارها وثرواتها ومستقبلها . ان ذلك ما تعلمناه من الدرس الجماهيري الذي ردت به جماهيرنا نتائج النكسة في 1967 وحولته لقاعدة انطلاق جديدة ولذخيرة حية في معركة الحياة التي تدور رحاها بين الشعب وقيادته الحقيقية وبين اعداء البشرية من امبرياليين وعصابات صهيونية وعملاء لهم في الداخل يتآمرون على ابناء جلدتهم .

 

فألف تحية لذكرى "انتفاضة"  9 و10 حزيران ـ يونيو 1967

   والمجد والخلود لشهداء امتنا  العربية.

  الناطق الرسمــي

  للتنظيم الشعبي الناصري في العراق