مثلث العز .. بيضّ وجوه العراقيين والعرب

 هارون محمد




حسنا فعل ذلك المواطن العراقي، وهو يقف وسط الحرائق وآثار الموت التي خلفها العدوان الامريكي في سامراء في الأول من الشهر الحالي، عندما صرخ بعالي الصوت، يدعو أعضاء مجلس الحكم الانتقالي المذعورين والمختبئين، في القصور المحصنة والمحمية بدبابات ومدرعات المارينز في بغداد المحتلة، ليشاهدوا الضحايا الأبرياء الذين سقطوا برصاص المعتدين الامريكان، فصاحب الصرخة يدرك بالتأكيد، أن العملاء واللصوص والسماسرة والمرتزقة، يفتقرون الي الحس الوطني، وليس في نفوسهم بقية شرف أو آدمية، ولكن الرجل السامرائي أطلقها مدوية متعمدا، ليلطم بها رؤوس ووجوه المتهافتين علي خدمة قوات الاحتلال والمؤيدين لجرائمها والمتشفين بانتهاكاتها.
فما حدث في سامراء حاضرة العروبة والإسلام، وحاضنة الإمامين العسكري والهادي عليهما السلام، وجارة السيد محمد أبي الكرامات، وعاصمة الخليفة المقدام مجيب النخوات ومغيث الأحرار المعتصم بن الرشيد، هو جزء من الحملة التي تستهدف السنة العرب في العراق ، أهل الثبات والرباط، ومناطقهم التي تتفجر ثورة وغضبا، ضد المحتلين ومن والهم وسار تحت إمرتهم، والحدث يعكس أيضا حجم الخوف الذي يسيطر علي العدوانيين ومدي جزعهم من أصحاب الإرادة والعزيمة، المقاومين الشجعان، الذين يضحون بالدم، دفاعا عن عروبة العراق وسيادته وحرية شعبه، وحفاظا علي القيم الوطنية والهوية القومية، والتراث النضالي والحضاري والإنساني لهذا البلد العربي الأصيل.
فسامراء بوثبتها الشجاعة، وتضحياتها الغالية، تسجل مفخرة جديدة للعراقيين والعرب، وهي بذلك تضيف عزا وكرامة، لكل مدن العراق، ابتداء من بغداد المجد، مرورا بالموصل أم الربيعين، وكركوك الصبر والصمود، وتكريت صلاح الدين، وديالي الشموخ، وفلوجة الشهامة، وأنبار الأنصار، وهي المناطق التي تذود عن حمي العراق الآن، ضد المحتلين ومقطوعي الجذور والانفصاليين والانعزاليين والطائفيين والشعوبيين والمستعرقين الخائنين، نيابة عن مدن العراق الأخري، بصرة الزبير وشط العرب، والناصرية أم ذي قار وعروس الأهوار، والنجف أرض الطهارة والأيمان، والكوفة دار علي إمام التقاة وسيف الإسلام اليعربي الهاشمي كرم الله وجهه، وكربلاء ساحة الفداء ومدينة سيد الشهداء الحسين عليه السلام، والحلة سليلة بابل والجنائن المعلقة، والديوانية أم القادسية الخالدة وثورة العشرين المجيدة، وكوت الإمارة والمضايف، والعمارة الكريمة الأصل الطيبة الأهل ، وكلها كفت ووفت في أول المنازلة، وأعطت دروسا للغزاة، في أكثر من موقعة ومعركة.
وهنا لا بد من الإشارة الي أن ما جري في سامراء، من عدوان مرتب مسبقا، يندرج ضمن مخطط مكشوف الأغراض، مفضوح الأهداف، تشارك فيه أطراف وأحزاب وجماعات ودكاكين معروفة بانخراطها في مشاريع أمريكية وصهيونية، تستهدف عرب العراق باعتبارهم المكون الأساس والركيزة، لهذا البلد، الركن في الأسرة العربية، والمحور في المنظومة الإسلامية، وتسعي الي تصنيفهم مذهبيا ومناطقيا، وتقسيمهم الي أشكال هندسية، مثلثات ودوائر وأقواس ومربعات، بقصد تفتيت صلابتهم واضعاف إرادتهم وتهميش هويتهم التأريخية والثقافية والحضارية والاجتماعية القومية، لصالح أهداف لم تعد خافية علي أحد.
ومن حسن الحظ أن من يدور في فلك هذا المخطط الذي فاحت رائحته الكريهة منذ شهور قليلة، سممت أجواء العراق، أناس مشوهون في خلقهم وأخلاقهم وعليهم مائة ملاحظة ومسألة، تتصل بتوجهاتهم وصلاتهم السابقة والحالية، والدوائر الأجنبية التي يرتبطون بها، يلاحظ انهم وجدوا متنفسا وتشجيعا من هراوة بول برايمر ودبابات جون ابي زيــــد وريكـــــاردو سانشيز وتهديدات رامسفيلد ومجموعته القبيحة فـــي البنتاغون، ليسوقوا أكاذيبهم وتلفيقاتهم، وينفثوا أحقادهم علي العراق والامة العربية، في محاولات تتسم بالخبث والوقاحة، حتي أن بعضهم انحدر الي شتم العراقيين بطريقة فجة، ووصفهم بأنهم لا يصلحون لحكم أنفسهم ولا يرضون بعراقي يقودهم، واقترح أن يتم استيراد اسرائيلي من اليهود المهاجرين الي الكيان الصهيوني، لا يهم إن كان اسمه حسقيل أو الياهو، ليحكـــم العراق، هكذا دون خجل أو إحساس بذرة ضمير.
وكان للسنة العرب في العراق، النصيب الأكبر من بذاءات أصحاب الألسنة العوجاء والتعليقات الهوجاء، فقد تعرضوا الي أوصاف وتسميات مصدرها اللوبيات الصهيونية في أمريكا وأوربا ووسائل إعلامها ، فأطلق عليهم اسم (المثلث) مع أن مناطقهم تشكــــل أكثر من ثلثي مساحة العراق، كما هو معـــروف وموثـــــق، وسموا أيضا بالشراذم مرات والعصابات والإرهابيين مرات أخري، ولم يسلموا من التحريض العدواني عليهم، وكل ذنبهم انهـــم وقفوا ضد الاحتلال الامريكي، وتكاتفوا لمقاومته، وتصدوا لغطرسة وصلف قواته، وعبروا بصدق وشجاعة عن إرادة الشعب العراقي وحقوقه العادلة في الحياة الحرة الكريمة، بعيدا عن الهيمنة الاجنبية والاملاءات الخارجية والاستبداد والتسلط والدكتاتورية.
ومن المحزن أن يتم نشر الكثير من هذا الهراء والتهريج في بعض الصحف السعودية التي تصدر في الخارج، حتي يخيل للمراقبين والمتابعين، وكأن توجيهات وأوامر من قيادات سعودية في الرياض جاءت الي هذه الصحف، لشتم السنة العرب في العراق تحديدا، والتقليل من مكانتهم ودورهم، وتسفيه مقاومتهم، وترديد الاتهامات الامريكية ضدهم، وتكرار مفردات تسيء الي تاريخهم ومنزلتهم وحياتهم وأعرافهم، وإلا ما معني أن يكتب واحد من أيتام ناجي الحديثي، أيام كان مسؤولا عن محطة مخابرات صدام في لندن، في صحيفة سعودية الهوية والتمويل والتوجيه، مقالات متهرئة الجمل والعبارات، يتهكم فيها علي السنة العرب في العراق، ويوجه إليهم سبابا رخيصا، ويقول عنهم انهم شراذم وأقلية، ويختلق عنهم روايات وحكايات معيبة تطفح بالغمزات المفبركة، والتلميحات اليهودية الظاهرة ؟
وتنشر صحيفة سعودية أخري، سلسلة مقالات لأحد مخبري برزان التكريتي وفاضل البراك، يمتدح فيها برايمر وسياساته وإجراءاته الاستعمارية، ويشيد بقسوة قواته علي سكان ومناطق ما يسميه (المثلث المشوه الأضلاع)، وتمضي طبعة بغدادية لصحيفة سعودية أخري في ترويج بيانات سلطة الاحتلال الامريكي، وابراز تصريحات قادتها، وتسويق مفاهيم الغزاة، حتي وصل بها الأمر، أن تنشر إعلانا بربع صفحة لقائد إحدي الفرق العسكرية الامريكية المحتلة لإحدي مناطق السنة العرب، يهنيء فيها بطريقة ساخرة ومبتذلة، سكانها الذين يخضعون لسلطته، بشهر رمضان ويتوعدهم إذا أقدموا علي عمل ضد وحداته خلال الشهر الفضيل، علما بان صاحب هذه الصحيفة من أرباب السوابق في خدمة برزان التكريتي وطارق عزيز وناجي الحديثي ولطيف نصيف جاسم وعدي صدام، حول ملاك خدمته لآل سعود، وصار قلما مؤجرا لهم، سبق ان مولوه قبل سنوات خمس، بمائة ألف دولار، لنشر كتاب سيئ العنوان والمضمون والشكل، يتعرض فيه الي القامة القومية الشامخة، ورفيق القائد جمال عبد الناصر، الكاتب والمفكر الأستاذ محمد حسنين هيكل، بعد أن استعان بمدرس مغمور وشحاذ علي أبواب جامعات الأردن والإمارات لمساعدته في جمع مادته من المغالطات والأكاذيب واللغو، والطيور علي أشكالها تقع.
وعموما.. فان الاحتلال غمة ستزول لا محالة، بفضل المقاومة الوطنية والقومية التي يخوضها العراقيون الاصلاء، والهجمة علي عروبة العراق ليست جديدة، فقد جربها حكام وسياسيون سابقون، وكانت النتيجة انهم فشلوا وحصدوا الخيبة والخسران، ولا يضير ان يشتم عرب العراق من قبل المحتلين ووكلائهم وأذابهم، فهذا شرف لكل عراقي يعتز بأرضه وميراثه الوطني والقومي، ويتمسك بسيادة بلده ووحدة أمته، ولا يضير أيضا إذا وصف السنة العرب في العراق، وهم طليعة المقاومين، ورؤوس رماحهم، بالشراذم والأقلية، أو المثلث، فانه إذا كان كذلك فهو إذن، مثلث العز والكرامة، بيض وجوه العراقيين والعرب، وسود وجوه المتعاونين مع الأمريكان، من المتخاذلين والمتهاونين والمنافقين والأفاقين.