|
فؤاد
الركابي .. الذي واجه الموت واقفاً على رجليه
بقلم
هارون
محمد
يعد فؤاد
الركابي، واحداً من المع السياسيين العراقيين في عقدي
الخمسينات والستينات، لعب أدوارا مهمة في قيادة التيار القومي الوحدوي في
العراق،
فهو أول
أمين سر للقيادة القطرية لحزب البعث أيام كان حزباً قبل تحوله الى
العشائرية والفئوية والدكتاتورية، وهو أول من تصدى لميشيل عفلق بعد أن كشف عن
توجهاته
الانفصالية، المعادية للتطلعات العربية، وفضح ألاعيبه ومناوراته ضد
التوجهات
القومية والوحدوية، فاشترك مع المناضل الفلسطيني الراحل عبد الله الريماوي
في تعرية عفلق
وبطانته السوداء، في عام 1960.
فؤاد
الركابي.. المولود في مدينة
الناصرية
الغافية على نهر الفرات عام 1931 إنسان ينبض بالحياة، فقد ظل صلباً في
مقارعة
الظلم والقمع وعهود الظلام، وقد رافقته العزيمة منذ بواكير شبابه على طريق
النضال
من اجل مستقبل العراق ومجد الأمة العربية وظل الى يوم اغتياله، متفائلاً
بشعب
العراق مؤمناً بحتمية انتصاره على الذين تسلطوا عليه في 17-30 تموز/يوليو
1968
بمساعدة
سفارات الغرب وشركات النفط الاجنبية والدوائر الاستعمارية.
وقد برزت
الشخصية
القيادية لفؤاد الركابي وهو على مقاعد الدراسة في كلية الهندسة في بغداد،
ونجح
بقدراته الفذة وإمكانياته الفكرية والسياسية الكبيرة، من لفت الانتباه اليه
وهو في تلك السن
الشابة، فاتجهت الأنظار إليه من شباب وطلبة الكليات والمعاهد الذين
كانوا
يشكلون الهيكل الأساسي لحزب البعث في بدايات نشوئه بالعراق فأصبح واحداً من
الوجوه السياسية
التي استقطبت الاهتمام من القوى الوطنية على اختلاف توجهاتها،
وتقديراً
لمكانته وشخصيته هو، وليس لموقع الحزب الضعيف الذي كان يقوده، فقد اختير
ليكون
واحداً من أطراف جبهة الاتحاد الوطني، الى جانب قادة الحزب الشيوعي العراقي،
والحزب
الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، وممثلي التيارات الوطنية
والديمقراطية.
وعندما
أعلنت الجمهورية في العراق صبيحة 14 تموز/يوليو 1958
اختير
فؤاد الركابي وهو ابن السابعة والعشرين من عمره وزيراً لأخطر وزارة حينذاك
وهي
وزارة الأعمار، المسؤولة عن عمليات البناء والتنمية في العراق، ورغم ان
الركابي
لم يبق في هذه
الوزارة غير شهور قليلة، إلا أنه أضفى عليها بصماته من خلال التخطيط
العلمي
المبرمج لمشاريع كبرى تزامنت مع التطورات التي شهدها عهد الثورة، بلمساته
الدقيقة
وفكرة الثاقب ونهجه الوطني، وكان أداؤه فيها مدعاة للدهشة والإعجاب حتى من
خصومه
السياسيين الذين لم يخفوا تقديرهم لقدرات هذا الشاب الوزير.
وفي
سوريا
التي ذهب
إليها لاجئاً عقب فشل عملية اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، تحققت ظنونه
التي
كانت تلازمه منذ سنوات ماضية حول نوايا ميشيل عفلق التخريبية ضد الأمة
العربية،
واكتشف الأدوار الموكولة إليه في طعن الوحدة العربية وسعيه الى توجيه فروع
حزب
البعث نحو منزلقات خطيرة بالضد من الأهداف والشعارات التي كان يرفعها الحزب
فيما
يسمى بالوحدة والحرية والاشتراكية، وأدرك أن عفلق (الزاهد) كما كان يوحي
للمقربين
منه، ما هو إلا ثعلب مخادع يقوم بتأدية مخطط خفي يستهدف تشويه المنطلقات
القومية
التقدمية، ويسعى الى تدمير العمل العربي المشترك.
ولم يكن
الركابي
من أولئك الذين
يهابون مواجهة الانحراف أو يتملقون الى (القائد المؤسس) فانبرى له
مع رفيقه
الفلسطيني عبد الله الريماوي ونخبة طيبة من قيادات وكوادر حزب البعث في
الدول
العربية، ووجّه اليه لطمات يستحقها.
وفي
القاهرة التي أقام فيها منذ
نهاية عام 1959
حتى نهاية عام 1963، كان الركابي الشخصية العراقية المرموقة
والبارزة
التي كانت تحظى باحترام الرئيس جمال عبد الناصر، الى جانب الرموز القومية
الأخرى،
أمثال عبدالرحمن البزاز وفائق السامرائي وغيرهما ممن لجأوا الى
مصر.
وكانت
السنوات الأربع التي قضاها في القاهرة، حافلة بالنشاط والنضال
والعمل
الدؤوب، وكان أيضاً الملاذ لألاف العراقيين اللاجئين والمقيمين هناك، يقدم
لهم
الخدمات والتسهيلات والمساعدات، واليه يعود الفضل في قبول (صدام حسين
التكريتي)
في
المدارس المصرية، وهو الذي لم يكن حاصلاً على الشهادة الإعدادية، فقد كان
الركابي
يعطف عليه وهو الذي تخلى عنه أهله واقاربه وأصدقاؤه، ولكن الحقد البعثي
العفلقي
ظل يلاحق الركابي على الدوام، ففي الفترة التي أعقبت انقلاب 8 شباط 1963،
عاد فؤاد
الى العراق، ولكن أجهزة البعث الامنية والحزبية في مطار بغداد المدني،
احتجزته
ومنعته من الخروج، وجاء اليه وهو في المطار قادة الانقلاب وعلى رأسهم علي
صالح
السعدي ومنذر الونداوي، وحاولوا مساومته، بالسماح له والموافقة على زيارة
بلده
العراق شرط أن
يعتزل نشاطه السياسي، رغم معرفتهم بان الركابي ليس من النوع الذي
يرضخ
للمقايضة على مبادئه والقيم التي يؤمن بها، وكانت نتيجة الحوار القصير الذي
جرى معه
في المطار، وسط المسدسات المشهرة على رأسه، انه رفض طروحات تلامذة عفلق
جملة
وتفصيلا، وأعيد الى القاهرة، تلاحقه بذاءات السعدي وشتائم البعثيين،
والمفارقة
أن أغلب
أعضاء قيادة الحزب في تلك الفترة كانوا ممن حظوا برعايته وعطفه أيام كان في
العراق،
قبل أن يقعوا تحت تأثير شعوذة عفلق ويصبحان أداة في يديه.
وعند
عودته
الى
بغداد، بعد سقوط سلطة حزب البعث الأولى عقب حركة 18 تشرين الثاني 1963، استمر
فؤاد
الركابي لولبا للحركة القومية في العراق، وأبرز قادتها في مواجهة التحديات
والانحرافات التي بدأت تبرز في الساحة السياسية، وقد أحس الركابي منذ
البداية، ان
وزارة
البلديات التي شغلها وموقعه كأمين عام مساعد للاتحاد الاشتراكي في العراق
يعيقانه
عن أداء مهماته الوطنية والقومية والديمقراطية فاتخذ قراره باعتزال منصبه
الوزاري
وموقعه في الاتحاد،، عائداً الى جماهيره التي لم تتخل عنه رغم الاغراءات
والضغوط
الحكومية، وبذل الركابي في تلك السنوات، جهوداً خارقة لتجميع الصف القومي
ووحدة
القوى والأحزاب القومية والوحدوية فكان إثبثاق- الحركة الاشتراكية العربية-
الإطار
الديمقراطي للتيار القومي والناصري في العراق.
وخاض
الركابي معارك
سياسية ضد
السلطة الحاكمة ورموزها خلال سنوات 1965-1968، تعرض خلالها الى السجن
والاعتقال عدة مرات، دون ان يتنازل عن ثباته الوطني ومبادئه النضالية.
ولعل
كثيرون
لا يعرفون أن المقدم عبد الرزاق النايف، مساعد مدير الاستخبارات العسكرية
ورئيس
وزراء انقلاب 17 تموز 1968، عرض على فؤاد رئاسة الدولة ومجلس الوزراء، إذا
وافق على
التعاون معه، ولكن الركابي الوطني والقومي طرد النايف شر طردة، كان هذا
قبل فترة
وجيزة من تحالف حزب البعث مع النايف وجماعته، وتفاصيل العرض كما رواها
الركابي
في مذكرة سياسية قدمها الى الحركة الاشتراكية العربية التي كان يرأسها، جاء
فيها أن
في منتصف نيسان/أبريل 1968 وكان معتقلاً في مديرية الأمن العامة بتهمة
التحريض على
إضراب طلبة جامعة بغداد، جاءه العقيد اسماعيل شاهين مدير عام الأمن
وكالة
يبلغه برغبة شخصية مسؤولة في زيارته دون أن يفصح عن اسم وهوية تلك الشخصية
التي
تبين إنها المقدم عبدالرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية والضابط
المقرب
من الرئيس عبدالرحمن عارف.
وخلال
اللقاء الذي تم في الغرفة
الانفرادية
المحتجز فيها الركابي، اعترف النايف بان الوضع الداخلي في العراق يتعرض
الى
تحديات داخلية وخارجية والمطلوب عمل سياسي عاجل لإنقاذه العراق من مؤامرات
البعثيين
والشيوعيين، ورفض الركابي هذا المنطق، ورد عليه أن نظام عبدالرحمن ضعيف من
داخله
ومهتز وعليه ملاحظات ينبغي على النظام نفسه أن يعالجها، وهنا التقط النايف
الملاحظة، وهمس لفؤاد قائلاً: ولماذا لا نتعاون سوية ونصحح الأوضاع المتردية،
أنت
تكون رئيساً
للجمهورية وللوزراء، وأنا معاونك، ويقول فؤاد الركابي، لم أتمالك نفسي
من الضحك
رغم ظروف الاعتقال القاسية، وأنا استمع الى عرض النايف، فأجبته يبدو يا
مقدم
عبدالرزاق أخطأت العنوان، فأنا مناضل قومي كما تعرف، ولا لقاء ولا تعاون بين
المناضلين وضباط
الأمن والاستخبارات، فلكل منهم طريقه الخاص، وبالنسبة لي لا يمكن
بأي حال
من الأحوال أن يجمعني معك طريق واحد أو مركب مشترك، وأنت تعرف هذا مسبقاً،
ولولا أنني سجين
ومعتقل وغير قادر على عدم استقبالك في موضعي هذا وأنت مسؤول كبير
في
الحكومة، لما أتحت لك فرصة اللقاء بي وتبادل الحديث معك.
عند ذاك
نهض
النايف
–يقول الركابي- ووقف بباب غرفة الاعتقال وقال فكر في العرض ملياً.. فأن
عشرات
البعثيين والسياسيين الآخرين ينتظرون إشارة مني، وإذا كان عندك رأي آخر،
ابلغه
الى العقيد شاهين وسأكون جاهزاً لملاقاتك والاتفاق معك.
ولم
يتردد
الركابي
وهو يسمع آخر كلام من النايف إلا أن يقول له باللهجة العراقية العامة (هاي
قطنة
شيلها من إذنك) في إشارة الى استحالة التعاون معه!
وعندما
حدث انقلاب 17
تموز 1986، كان
الركابي أول من استهدفه الانقلابيون، خشية منه وفزعاً من
نشاطاته،
فقد سعى صدام، الى استمالة فؤاد، أو على الأقل ضمان سكوته على السلطة
الجديدة،
فرفض بأباء وشجاعة كل العروض التي قدمت له، وأصر على مواصلة طريقه النضالي
غير عابئ
بما كان يتعرض له من تهديدات ومحاولات اغتيال.
وسعى
صدام الى
التفاهم
مع فؤاد الركابي فطلب من الشاعر البعثي شفيق الكمالي وكان وزيراً للشباب
ويرتبط
بعلاقات قديمة مع الركابي أن يرتب لقاء يجمع صدام وفؤاد لوحدهما في مكتبه
بالوزارة
عقب انتهاء الدوام الرسمي.
وحدث
اللقاء فعلاً، واختلى الاثنان في مكتب
الكمالي بوزارة
الشباب وكانت في شارع الرشيد مقابل مقسم تلفونات السنك، لأكثر من
ساعة،
وخرج صدام من الاجتماع غاضباً متوعداً فؤاد بنتائج وخيمة، غير أن الركابي
الذي
واجه أزمات وتحديات سياسية عسيرة خلال مسيرته الكفاحية، لم يلتفت الى تهديدات
صدام
وغادر وزارة الشباب وهو غير مبال بزعل صدام ونقمته عليه، ولاحقاً كشف فؤاد
النقاب
عن تفاصيل ما جرى خلال اللقاء مع صدام، فقد تبين أن صدام لوح للركابي بضرورة
أن يوقف
أنشطته السياسية المعارضة للحكم البعثي محذراً من أن أجهزة الأمن
والاستخبارات تترصده وترفع تقارير عنه، وتطالب باعتقاله، فرد عليه فؤاد، انه
يمارس
حقه
كسياسي في اللقاء مع السياسيين الآخرين، والتشاور معهم في قضايا الوطن، ما
دامت
هذه
اللقاءات تجري في صالونات ودواوين سياسية وليست في المعسكرات، وهنا اقترح
صدام
على الركابي أن
يغادر العراق ولو لفترة قصيرة كي تهدأ ضجة أجهزة الأمن حوله كما فعل
العقيد
عبدالستار عبداللطيف وزير المواصلات البعثي السابق، فرفض فؤاد الاقتراح
مؤكداً
لصدام بحسم، العراق بلدي.. لماذا أغادره؟
وانتهى
اللقاء..
ولما عجز
صدام في الحد من نشاط الركابي، أوعز الى ازلامه باختطاف
الركابي
من منزله في نيسان/أبريل 1969 في محاولة لاغتياله بسرية، ولكن أنصاره
تمكنوا
من معرفة تفاصيل اختطافه وتحديد جهة اعتقاله في قصر النهاية، فأصدروا بياناً
بعد ساعات من
اختطافه وزع في جميع أنحاء العراق ووصلت نسخا منه الى خارجه أيضاً،
كشفوا
فيه أبعاد المؤامرة التي تعرض لها الركابي، وحددوا مكان اعتقاله وأسماء
العناصر
الامنية التي اقتادته من منزله، فلم تجد السلطة إزاء هذه المعلومات
التفصيلية غير الإعلان عن اعتقاله بتهمة التآمر عليها.
غواص
البعث
أعور
ومن
المفارقات التي صاحبت الإعلان عن اعتقال الركابي أن الرئيس الأسبق
احمد حسن
البكر ألقى خطاباً عقب اعتقاله بأسبوع واحد قال فيه (أن غواص البعث غاص
وضبط
سياسياً ينشط منذ ربع قرن) فردت عليه بعد ساعات الحركة الاشتراكية العربية
التي كان
الركابي زعيمها ببيان وزع في بغداد ووصلت نسخ منه الى البكر وصدام وبقية
قادة
البعثيين جاء فيه (تبين بالتجربة والملموس أن غواص البعث اعور.. ولا يرى
الأشياء
إلا بعين واحدة).
وشنت
أجهزة الأمن حملات تفتيش ومداهمات لمنازل وأماكن
القوميين
الحركيين في محاولة للبحث عن المطبعة التي أصدرت البيان الذي أثار ضجة
واهتماماً في الشارع العراقي.
وأمضي
الركابي عاماً كاملاً في زنزانات معتقل
قصر
النهاية يلقى العذاب والاضطهاد على يد زبانية صدام من الجلادين بقيادة ناظم
كزار،
فلم تضعف عزيمته ولم تلن جرأته، ووقف أمام رئيس محكمة الثورة، العقيد علي
هادي
وتوت، يدافع بقوة وثبات عن نهجه الوطني ومواقفه القومية، وفند ادعاءات
أسياده،
ولكن الحكم الذي
نطق به وتوت، كان قد صدر منذ فترة طويلة، كما أعلن ذلك محاميا
فؤاد،
وهما نقيب المحامين عبدالوهاب محمود، وعضو قيادة الحزب الشيوعي عامر عبدالله
، رحمهما
الله.
واقتيد
الركابي الى سجن بعقوبة يمضي محكوميته عن تهمة، صارت
موضع
تندر وسخرية في الأوساط السياسية والقانونية والقضائية
العراقية.
عبدالناصر وبومدين يسعيان لاطلاق سراحه
وفي سجن
بعقوبة،
بدأ الركابي، العمل من جديد وتمكن خلال فترة وجيزة من تأهيل الحركة
الاشتراكية العربية بعد الضربات الموجعة التي وجهت إليها، ونجح وهو في السجن
من
لملمة
الصف القومي الوحدوي الذي استهدفه البعثيون وعملوا على إضعافه، منذ أول يوم
تسلطوا
فيه على مقاليد السلطة.
وشعر
صدام وشلته بالخوف من النشاط المتزايد لسجين
بعقوبة،
وتملكهم الرعب من اتصالاته وتحركاته وهو في السجن، فبدأوا بإرسال الوسطاء
والموفدين اليه يناشدونه اعتزال العمل السياسي او مغادرة العراق ورفض الركابي،
المناضل
الصلب، بإصرار هذه الدعوات وأعلن على رؤوس الأشهاد، أنه لن يستكين ولن يهدأ
إلا
بإسقاط الطغمة الفاسدة، وكان احمد حسن البكر، الضعيف الشخصية، الساذج
سياسياً،
قد رفض
تحت تأثير صدام، مساع بذلها الرئيسان المصري جمال عبد الناصر والجزائري
هواري
بومدين لاطلاق سراحه.
ولجأ
صدام الى أحد القتلة المأجورين ويدعى
ارزوقي الدليمي،
الذي فاجأ الركابي في ظهيرة يوم قائض من ايام من تشرين
الثاني/نوفمبر عام 1971 وطعنه بسكين حادة في رقبته، وهرب مذعوراً الى غرفة
مدير
السجن.
وتمالك
الركابي على نفسه، وهو الشجاع الأبي، وذهب ماشياً على رجليه الى
مستشفى
بعقوبة، المجاور للسجن، ولكن الصفحة الثانية من المؤامرة التي استهدفته،
كانت في
انتظاره في المستشفى الذي خلا من الاطباء والجراحين، في ترتيب مدبر مسبقاً،
وظل فؤاد ينزف
والسكين الغادرة في رقبته، ثلاث ساعات متصلة، وسط بكاء ونشيج
الممرضات
والعاملين، الذين كانوا مكتوفي الايدي لا يقدرون على عمل شيء في غياب
الاطباء
والجراحيين الاختصاصيين.
وأسلم
الركابي الروح وهو مسجى على اريكة خشبية
عتيقة في
حديقة مستشفى بعقوبة، والى جواره رفيقه زيدان النعيمي، الكادر القومي
النقابي
المعتقل في السجن معه، الذي لم يتمالك نفسه من هول المشهد فبدأ بالصراخ
بصوت عال
يشتم احمد حسن البكر وصدام حسين وناظم كزار والبعثيين ويتوعدهم بالثأر
والانتقام، وبعد ان اكتشف القتلة ان الركابي لفظ انفاسه الاخيرة، هجموا على
رفيقه
واعادوه
الى السجن وحكموا عليه بفترة اضافية ونقلوا جثمان فؤاد الى منزل والديه
المتواضع
في حي بغداد الجديدة، وزعموا لابيه انه توفي نتيجة شجار في السجن، وفي
اليوم
التالي شيع الركابي الى مثواه الاخير في النجف، وسط موكب مهيب تقدمه الاستاذ
ناجي
طالب رئيس الوزراء الأسبق وحشد من الشخصيات والكوادر القومية والناصرية
واليسارية.
وعندما
جاء يحيى ياسين رئيس ديوان رئاسة الجمهورية ليشارك في
مجلس
العزاء موفداً من قيادة الحزب والثورة (كما قال) انبرت له أم فؤاد.. رغم
المحنة
التي كانت تعيشها وطردته شر طردة بعد ان لعنت من ارسلوه بعالي
الصوت. |