هل
عرفتم بفضيحة الـ 84 وكيل وزارة في بغداد؟
هارون
محمد
عندما عين المناضل القومي والقيادي الناصري صبحي عبدالحميد، وزيراً
للخارجية في حكومة الفريق طاهر يحيي، عقب حركة 18تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، كان
منصب وكيل وزارته شاغراً، الامر الذي اضطره الي دراسة ملفات كبار موظفي الوزارة
والسفراء والدبلوماسيين لاختيار الأقدر والأفضل لهذا المنصب الذي كان كبيراً في ذلك
الوقت.
وبعد بحث وتدقيق، والسيد عبدالحميد معروف بانضباطه العالي، ونزاهته
الصارمة، وقع اختياره علي ثلاثة من أكفأ الدبلوماسيين العراقيين كانوا يتولون
مسؤوليات قيادية في الوزارة وقتئذ وهم: كاظم الخلف ومصطفي كامل ياسين ومحمد كيارة،
ولكنه وقع في حيرة، لانه عندما فاتح الاول وجده يرشح زميليه الثاني والثالث، ولما
اتصل بالثاني رشح الاول والثالث، واجتمع بالثالث فأعتذر.. ورشح الاول والثاني، وقال
انهما اصلح منه.
وخلال اجتماع لمجلس الوزراء حضره الرئيس عبدالسلام عارف، تقدم
الوزراء بترشيحاتهم واسماء من وقع الاختيار عليهم لتولي المواقع الشاغرة في
وزاراتهم، كان صبحي عبدالحميد الوحيد الذي لم يقدم مرشحي وزارته، لانه لم يكن قد
حدد من يكون وكيله في وقت كان وكيل الوزارة في ذلك العهد يتم اختياره من موظفيها
المرموقين والنزيهين وصاحب خبرات وسجل ناصع في الأداء الوظيفي، وعادة كان وكيل
الوزارة هو الذي يتولي المسؤوليات الادارية والتنظيمية وشؤون الموظفين وجميع
احتياجات الوزارة ويقدمها الي الوزير اسبوعياً في تقرير شامل ومركز.
ولما سمع
الرئيس عارف رحمه الله بحكاية الثلاثة الذين كانوا يؤثرون بعضهم علي انفسهم، حرصاً
علي الصالح العام واخلاصاً للعمل الوطني، سره ذلك واسعده، علماً بان ثلاثتهم كانوا
من اصول ومناطق شيعية، وهذا يدلل علي ان الرئيس عبدالسلام كان انساناً كبيراً
وفاضلاً ووطنياً ومن خيار الناس، وليس طائفياً كما يتهمه الشعوبيون والعنصريون
والانفصاليون، فقال للوزير احجزهم و..و.. وقبل ان يكمل جملته، قاطعه الوزير غاضباً
وهو يقول: لن يحدث هذا.. ابداً ابداً، فضحك الرئيس ابو أحمد وقال لصبحي ببساطته
المعهودة (علي كيفك عيني ابو رافد.. خليني اخلص كلامي) وبدأ يشرح خطته وكانت تتضمن
ان يجمع المرشحين الثلاثة في غرفة بالوزارة ويقفل الباب عليهم ويبلغهم بانهم
محبوسون الي ان يقرروا ويختاروا احدهم للوظيفة الشاغرة، طبعاً لم يلجأ الوزير الي
هذا الاجراء الذي يمثل اعلي درجات العمل الديمقراطي، لأن الثلاثة عندما عاد الي
الوزارة كانوا قد اتفقوا فيما بينهم وأقروا احدهم وكيلاً.
هكذا كان يتم اختيار
الشخص المناسب للمكان المناسب في ذلك العهد الجميل، وهكذا كان الايثار يسود بين
الفضلاء والمخلصين، وهكذا كان الاحترام قائماً بين قادة الدولة، فقد كان بمقدور
الرئيس عبدالسلام او الوزير صبحي عبدالحميد ان يصدرا قراراً بالتعيين دون الرجوع
الي المعنيين، نظراً لما لهما من صلاحيات، ولكنهما (أوادم) وأصحاب مروءة، يعرفان
الأصول والحقوق، وهذه الحكاية بما تحمله من معان سامية ومواقف مشرفة تقودنا الي
النقيض منها حدثت قبل أيام في بغداد، من قبل الذين يتصدرون المشهد السياسي الآن،
ممن يسمون باعضاء مجلس الحكم الانتقالي، وهم في الواقع مجرد مستخدمين أجراء لدي
المستمر برايمر، ينتظرون اياماً وليالي حتي يلقوا عليه التحية ويتلقوا ايماءة من
تحت أنفه، هؤلاء الذين رشحوا قبل ستة شهور وزراء (خردة) في حكومتهم المؤقتة، لا
يصلحون للعمل فراشين وكناسين ــ مع الاحترام للمهن ـ في الوزارات التي عينوا
لادارتها، ثم أقدموا علي فضيحة جديدة من ماركة (جلاجل) عندما رشحوا 84 وكيل وزارة،
وهو عدد لم تشهده حكومات دول كبري بما فيها الحكومة الامريكية، التي يخدم اعضاء
المجلس في ملاكها وسلطتها الاحتلالية.
ومن يطلع علي قائمة الوكلاء، من ذوي
الخبرة والمعرفة بالشؤون العراقية وشجونها، لابد ويصدم من الاسماء التي تضمها، ليس
لأن الوكلاء المرشحين (شعيط ومعيط) كما يقول المثل العراق، بل لان اغلبهم من الجهلة
والسفهاء، وبعضهم من اصول ايرانية واذربيجانية وهندية، خصوصاً اولئك الذين رشحتهم
الاحزاب الشيعية والكردية وجماعة احمد الجلبي، والاخير لم يجد غير مرافقيه وحراسه
ومعظمهم من الاجانب والغرباء عن العراق، يرشحهم وكلاء وزارة!
واستناداً الي
المعلومات المتسربة من داخل مجلس (اللغوة) والثرثرة، فان قائمة الوكلاء لم تصدر الا
بعد عراك صاخب بين اعضائه وصل في بعض الجلسات الي الشتم وتبادل الاتهامات فيما
بينهم عند عرض الاسماء، حتي قيل ان نصير الجادرجي هدد بالاستقالة من عضوية المجلس
اذا لم يعين ابنه كامل وكيلاً لاحدي الوزارات، مقتدياً بمحمد بحر العلوم الذي كان
اول من ابتدع لعبة الاستقالة عند تأليف الوزارة المؤقتة نهاية آب (اغسطس) الماضي،
واصر ان يكون ابنه وزيراً لوزارة النفط لا غيرها.
ومن الاسرار ايضاً، ان الجلبي
وفي مشاكسة متعمدة للدكتور اياد علاوي، رشح مرافقه آراس كريم حبيب وكيلاً لوزارة
الداخلية التي يشغلها نوري البدران، وحجة الجلبي الواهية، ان الوزارة يسيطر عليها
البعثيون السابقون ولا بد من وجود وكيل وزارة (شقاوة) من نوعية مرافقه الاقدم يتصدي
لهم، وايده في ذلك جلال الطالباني وعبدالعزيز الحكيم وعزالدين سليم وبحر العلوم،
ورغم ان توصية من مجلس الحكم صدرت بتعيين مرافق الجلبي آراس، وكيلا لوزارة الداخلية
وادرج اسمه في القائمة الثمانينية، الا ان أياد علاوي توعد الجلبي، وقال له أمام
جمع من أتباع الاخير (شوف أحمد.. اذا وصل آراس لباب الوزارة أكسر رجله وأطيح صبغك).
أما ابرز المفارقات في تعيين الوكلاء، فجاءت من جلال الطالباني عندما رشح كرديا
وكيلاً لوزارة الثقافة، وهذا الكردي انسان غير محظوظ دائما، سبق للطالباني ان كتب
تقريراً عنه الي الملا مصطفي البارزاني يقول عنه احد عملاء الحكومة ويزود البعثيين
بالكثير من المعلومات، حدث هذا في السبعينات عندما كان الطالباني مندوبا متجولا
للحزب الديمقراطي الكردستاني في مصر ولبنان، قبل ان يشكل حزبه الاتحاد الوطني
الكردي بتمويل واشراف المخابرات السورية التي شتم حكومتها وقادتها ووزراءها علنا
قبل شهرين، وقد نشر مسعود البارزاني التقرير المذكور بالنص في كتابه الصادر في
اربيل عام 2002 (البارزاني والحركة الكردية التحررية ـ الجزء الثالث) وفي الصفحة
590
لمن يريد التأكد والأطلاع.
وآخر الاخبار التي وردت من بغداد عن قائمة وكلاء
الوزارات تقول: ان المستمر برايمر أهمل القائمة وجمد صدور قرار بتسمية وكلاء
الوزارة المرشحين من مجلس الحكم، لانه وحده صاحب القرار، ونقل عنه انه قال عندما
اطلع علي قائمة الـ84 ان هذا العدد تستوعبه ثمانون وزارة وليس خمسا وعشرين وزارة،
كما في بغداد الآن، وعشر دول وليس دولة واحدة وزيادة في تحقير المرشحين ومن رشحهم،
طلب من مستشاريه (العراقيين) اعداد ملفات عن كل واحد منهم، ونفذ طلبه في اقل من 24
ساعة، بعد ان تسابق المستشارون الذين يتطلعون ويمنون أنفسهم باشغال هذه المناصب عند
انتهاء عقودهم مع البنتاغون والجهات الامريكية الاخري نهاية آذار (مارس) المقبل، في
تبييج المعلومات والاستطراد فيها، وكلها بالتأكيد ليست في صالح الوكلاء المرشحين،
كما ان الحاكم الامريكي استعان ببعثة (سي اي ايه) ببغداد، وهي التي تحتفظ باضابير
كاملة عنهم وعن أسيادهم وأعمامهم وبعضهم مثبت عليه تعاملات مع أجهزة ايرانية
وغيرها، ووضع كل ما حصل عليه تحت اليد، قد يفيده عند اللزوم، وينفعه عند الحاجة،
ويقال ايضا والعهدة علي شهود عين وليس عيان ان برايمر ابلغ مكتبه بعدم استقبال اي
عضو في مجلس الحكم وعدم تلقي مكالمات هاتفية منهم طيلة الاسبوع الماضي، لان مزاجه
تعكر بعد ان اطلع علي اسماء القائمة، والخشية من تفاقم توتره وانفعالاته المجربة من
قبل، وخصوصا عندما يتجهم وجهه وتغيب ابتسامته عندما يحييه اعضاء المجلس (المبجل)
والغالبية منهم تناديه بـ(مولانا أو سيدنا) وخصوصاً أهل العمائم واللحي، ونظراءهم
أصحاب الوجوه الفاقعة!