|
التيار القومي في
العراق ومستلزمات النهوض من جديد - هارون
محمد
ثمة
تحركات وفعاليات واتصالات مكثفة في أوساط
التيار
القومي، في العاصمة بغداد والمحافظات العربية، تدعو الى التفاؤل وتبشر
بالأمل في وحدة
الحركة القومية بالعراق، لمواجهة استحقاقات المرحلة الراهنة في
الديمقراطية والتعددية والتنمية، بما يكفل نهوضاً وطنياً يعزز قدرات الشعب
العراقي
في الميادين
كافة ويفجر طاقاته وإبداعاته التي حاصرها واستلبها نظام صدام حسين
ومنهجه
التدميري طوال خمسة وثلاثين عاماً من القهر والآلام
والاضطهاد.
والتيار
القومي في العراق، بما يملكه من تراث سياسي وسجل نضالي
في
مقاومة الدكتاتوريات وآخرها دكتاتورية حزب البعث الانفصالي ورئيسه المنبوذ،
قادر
على لملمة صفوفه
وإنجاز وحدته واستعادة دوره الحيوي في خدمة العراق والأمة العربية،
خصوصاً
وأنه يكاد يكون التيار السياسي الوحيد الذي استهدفه النازلون من (العوجة)
صبيحة ذلك اليوم
الأسود (17 تموز 1968) الذي تسلق فيه العملاء والمغامرون
والمتآمرون، أسوار القصر الجمهوري واحتلوا مقاليد السلطة والحكم، بطريقة
لصوصية
وبتشجيع من
دوائر وأطراف مشبوهة.
ويكفي
التيار القومي في العراق فخراً، أنه
شخص
طبيعة الانقلابيين البعثيين منذ بيانهم رقم واحد، ونبه الجماهير والقوى
العراقية
من مخاطر قدومهم ودعا الى جبهة وطنية واسعة للتصدي لهم ومقاومتهم، محذراً
من مغبة ونتائج
التعاون معهم، بأي شكل من الأشكال، وقد كشفت الأيام والسنوات فيما
بعد، صحة
ما أعلنه القوميون العرب، وصواب توقعاتهم، في الوقت الذي سدت أحزاب وأطراف
وشخصيات سياسية
آذانها، ولم تستمع الى التحذير والنصيحة القومية، فسقطت أسيرة في
فخاخ
نصبها صدام بخبث ونوايا سيئة مسبقاً، تحت ستار بيانات مشتركة وتحالفات صورية
ومشاركات هزيلة
في حكوماته المتعاقبة طيلة عقد السبعينات.
ورغم أن
التيار
القومي، قدم
كوكبة من الشهداء اعدموا أو اغتيلوا في السجون والمعتقلات، وتعرض
الآلاف
منهم الى التشريد والملاحقات حتى في بلدان اللجوء والمنافي، ومورست ضدهم
أبشع
وسائل الترغيب والترهيب، إلا انهم ثبتوا على مواقفهم المبدئية في مناهضة
الحزب
الفاشي وتلامذة
عفلق، فلم يلوثوا أياديهم في مصافحة القتلة، ولم يستجيبوا لإغراءات
المناصب
والمراتب الوظيفية والوزارية، وبقت صفحاتهم بيضاء ناصعة يتباهون بها في كل
زمان، هذه حقائق
ووقائع تأريخية لا تقبل الجدل والنقاش فيها.
وعندما
لجأ
صدام وشلته الى
اختلاق مجموعة رثة عرف أفرادها بالسذاجة والغفلة وحاول أن يضفي
عليها
تمثيلاً قومياً مزيفاً، كان القوميون العرب والوحدويون والناصريون، يقفون
صفاً واحداً رغم
انفراط تنظيماتهم بفعل ما تعرضوا له من تنكيل وتقتيل ومطاردات،
وواجهوا
المخطط الصدامي بصلابة، وتحملوا مسؤولياتهم في تفنيد وسائله القذرة وكشف
أغراضه الدنيئة،
وكانت النتيجة انهم اجتازوا الاختبار باقتدار، وتهاوت ألاعيب
السلطة
المعزولة.
واليوم
عندما يتداعى القوميون العرب الى حشد جهودهم وتعبئة
امكانياتهم، فان مقومات النجاح تنتظرهم، ولا بد من وقفة جادة لمراجعة أحداث
ووقائع
نصف قرن مضى،
فليس من الأنصاف أن تسرق منهم ثورة 14 تموز 1958 وهم الذين فجروها،
وليس من
العدل أن يستغفلهم البعثيون عام 1963 ويأتوا الى الحكم بالقطارات المعروفة،
وليس من الشهامة
أن يتنازعوا ويختلفوا فيما بينهم على مسائل صغيرة كما حدث في منتصف
الستينات، فضيعوا فرص تحولات وإنجازات كانت في الطريق، وليس من المنطقي ولا
من
المعقول أن
يفوتوا اليوم فرصة تأريخية متاحة، لإرساء أسس متينة ورصينة لتيار سياسي
عريض له
جذوره وإمتداداته وحضوره، وهذا يستلزم منهم، مغادرة شعارات الخمسينات
والستينات
العاطفية، ونبذ الأفكار الحالمة والمثالية، والتعاطي مع الواقع الذي
يعيشه
العراق الآن، برؤية تتسم بالعقلانية، وتجنب الوقوع في منزلقات الفرقة
والانقسام التي
قادتهم الى نكسات وكوارث، وان يتمسكوا بالثوابت الوطنية والقومية
التي
تكرس التقدم والتطلع الى أمام بما يخدم العراق وشعبه الصامد الصابر، ويفتح
أمامه آفاق
البناء والعصرنة والإبداع، ليقدم للأمة العربية وهو جزء لا يتجزأ منها،
وللإنسانية جمعاء، مثالاً وقدوة، يثير الاهتمام ويستقطب التقدير.
وستكون
أولى مهمات
التيار القومي في العراق، على الصعيد السياسي والعلاقاتي أن يعزل نفسه
تماماً
عن تلك الجماعات والأحزاب المداهنة والمسترزقة التي تسمت بالقومية والناصرية
في الدول
العربية، وخصوصا في مصر واليمن ولبنان وسوريا، التي تعاون قادتها مع صدام
وزبانيته
وسفاراته، فهؤلاء شاركوا في التآمر ليس على القوميين العرب في العراق
فحسب، بل على
المشروع القومي النهضوي، وطعنوا التضامن العربي، وشقوا الأمة، فليس
قومياً
حقيقياً من أشتغل لحساب صدام، وليس ناصرياً صحيحاً من وقف معه بأي مظهر أو
مناسبة، ويستحق
اللعنة والمقاطعة كل من تخاذل أو ضعف أمام صدام وقبض منه فلساً
واحداً.
وعلى
الصعيد الداخلي، فان التيار القومي هو الرقم الصعب في أي
معادلة
سياسية بالعراق، باعتباره المعبر الفعلي والممثل الشرعي لأكثرية عرب العراق،
يتحمل مسؤولية
تأريخية في مواجهة المشاريع التقسيمية والانفصالية التي تروج لها بعض
الأطراف
والاحزاب المحلية وتستهدف سيادة العراق ووحدة شعبه وأراضيه، وتسعى الى عزله
عن أسرته
العربية وفصله عن هويته الثقافية والاجتماعية والحضارية والتأريخية
القومية،
وتهميش مكانته ودوره العربي، وعلى القوميين العرب أن يقاتلوا من أجل يكون
الشعب العراقي
بقومياته وأقلياته وأطيافه المتنوعة دون استثناء، هو من يقرر خياراته
السياسية، واعتبار صندوق الانتخاب هو المعيار الديمقراطي في حسم القضايا
الكبيرة
التي تمس حاضر
العراق ومستقبله، فالمرحلة التي يمر بها العراقيون اليوم تستدعي
تضافر
الجهود الخيرة لتعويض سنوات الخراب الصدامي ووضع العراق على طريق إستعادة
الإنجازات التي
تحققت بتضحياتهم منذ إنشاء دولتهم الحديثة في عشرينات القرن الماضي،
واستكمال
التحولات التي أجهضت في عهود الدكتاتوريات الغادرة، والاستفادة من الدروس
والعبر والتجارب
المريرة الماضية، لمنع وصول مقامرين جدد يتشبهون أو يشابهون صدام
وزمرته،
مهما كانت الظروف، فالوجود الامريكي والبريطاني مؤقت وزائل، ووعود وتصريحات
جورج دبليو بوش
وتوني بلير موثقة ومعلنة وتشكل الأساس الذي يستند اليه العراقيون في
أدائهم
وتعاطيهم السياسيين في قابل الأيام.
أن
التيار القومي في العراق يزخر
بجمهور
ورموز وقيادات وكوادر لابد أن تتصدى للمرحلة المقبلة، التي تتطلب الإيثار في
العمل وحمل
الأمانة وأداء الرسالة وإغناء المسيرة، والاستعانة بحكمة الرواد، ناجي
طالب
وعارف عبد الرزاق وصبحي عبد الحميد واحمد الحبوبي واديب الجادر وعبدالحسن
زلزلة ومالك
دوهان الحسن، وصبيح الكبيسي، واشراك أصحاب الخبرة والتجربة في العمل
السياسي
أمثال عبدالكريم هاني وهادي خماس وعرفان وجدي ومبدر الويس ووميض جمال نظمي،
ولا ننسى تضحيات
عبدالرزاق الاسدي المناضل القومي الصلب، ووقفات الفدائي زيدان
خليفة
(أبو جمال) ورفاقهما في الداخل، في مقارعة دكتاتورية صدام، فقد بيضوا وجوه
القوميين في كل
مكان، والسنوات التي قضوها في السجون والمعتقلات شهادة عز وأوسمة
مجد،
والمسيرات تبدأ عادة بصعوبة، ولكن بعد بضع خطوات من المسير، يتلاشى التعب
ويذهب العناء،
إذا صفيت النيات حقا.
|