أشخاص كما عرفتهم : العميد عبدالهادي الراوي
أحمد الحبوبي
سمعت باسمه عند تعيينه بعد ثورة 14 تموز سنة 1958 عضوا في المحكمة الخاصة التى تشكلت لمحاكمة رجال (العهد البائد) برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي ولم يستمر طويلا عضوا في هذه المحكمة فقد اختلف معها من حيث اسلوب المحاكمات والتداخلات التى تعترض مجرياتها وأحكامها التى تصدرها وسمعت باسمة للمرة الثانية عندما اتهم بمحاولة انقلابية فاشلة ضد حزب البعث وحكومته بعد انقلاب 8 شباط سنة 1963 نتيجة التجاوزات (الحرس القومى ) والمضايقات والملاحقات التى تعرض لها (القوميون) ... وتسربت الى الاسماع عن قيام (تكتلات عسكرية )في الجيش العراقي وكل تكتل اسم احد الضباط وبرز اسم عبد الهادى الراوى كرئيس لأحد هذة التكتلات العسكرية واستطاع ان يقيم علاقة ما مع (حركة القوميين العرب) خاصة بعد ان ساءت العلاقة بين حكومة البعث والتيار القومى
وأعلن ذات يوم عن اكتشاف (مؤامرة ) انقلابية بطلها عبد الهادى الراوى بالتعاون مع حركة القوميين العرب واعتقل الراوى وكذلك (سلام احمد ) المسئول الاول يومئذ عن الحركة وعناصر قيادية اخري عاملوا معاملة سيئة وتعرضوا الى التعذيب من اجل انتزاع الاعترافات ووصلت الى الشارع بعض من هذة الاعترافات عن تشكيلات كان ينوى الراوى والحركة إعلانها بعد نجاح الانقلاب وفيها أسماء الوزارة المنوى تشكيلها ... وذات يوم ابلغني احد منتسبي الحزب الذى انتمى الية ان ضباطين من (جماعة) الراوى يرومان الاتصال بالحزب فالتقيت بهما وكان لقب احدهما (المفتى) والأخر اسمه الأول (خضر) افهمانى انهما مرسلان من (أبو زيد) من اجل التعرف والتنسيق والاطلاع على ما يجري على الساحة السياسية... وظلت علاقتى بهما 17تشرين ثان سنة 1963.
والتقيت بالراوى بعد خروجه من لمعتقل ثم تزاملنا في وزارة (طاهر يحيي) سنة1965 فقد كان وزيرا للزراعة وكان جريئا في طرح إرائه وتوثقت العلاقة بيننا فقد خضنا معا معارك مشتركة مناجل تصحيح الأوضاع وحمل الحكومة على نهج مغاير لما كانت تسير عليه في ظل تسلط عبد السلام عارف وتدخلات الاغيار وصرنا أصدقاء وبعد استقالتي من الوزارة وعودتى الى مزاولة المحاماة كان يتردد على مكتبى أو علة غرفة المحامين بعيدا عن أعين الرقباء لتبادل الآراء في الشئون العامة ...
وتزاملنا فبوزارة (طاهر يحيي) أيضا بعد نكسة خمسة حزيران سنة1967هو وزير للشباب وأنا وزير للعمل والشئون الاجتماعية ... وكانت المسئولية الملقاة على عراتقنا في هذا الظرف العصيب الذى يمر به العراق والأمة تدعونا إلى العمل الجاد من اجل بناء العراق وحشد طاقاته استعدادا للمعركة القومية القادمة وخاض بعض الأخوة الوزراء ومنهم عبد الهادى الراوي معارك طاحنة في مجلس الوزراء كى تكون الحكومة على مستوى هذه المسئولية والوقوف في وجه تدخلات قوى كثيرة همها الأول والأخير مصلحتها الخاصة مستغلين ضعف الرئيس (عبد الرحمن عارف) ... ولما وجدنا أنفسنا عاجزين عن فعل التغيير المطلوب قدمت وعبد الهادى الراوى وأربعة من الزملاء استقالاتنا من الوزارة...
كان العراق أوائل سنة 1968 مسرحا للعمل السياسي واسع وقد نزلت الى الساحة قوي (غريبة) عسكرية مدنية ... وكان الجو ينذر بتغيير مرتقب... وإحساسا بخطورة المرحلة وان الواجب الوطنى والقومى يتطلب المبادرة الى العمل الجدى من اجل المعركة القومية المقبلة مع العدو الصهيونى تنادى بعض الإخوة الى عقد لقاءات مستمرة لإيجاد صيغة نلتقي عندها وتأخد صفتها القانونية... وتمخضت هذه اللقاءات عن قيام (جمعية الصندوق العربي ) مهمتها الأساسية جمع المال من اجل القضية الفلسطينية إضافة الى ممارسة نشاطات اجتماعية أخري وتشكلت الهيئة الإدارية من عبد الهادى الراوى وصبحى مدحت السعود (ضابط شرطة) والدكتور على الهاشمى (أستاذ جامعى) والدكتور(نزار الطبقجلى) (أستاذ جامعى) ومنى... وخلال مدة قصيرة استطاعت الجمعية ان تثبت أقدامها كمؤسسة قومية فقد أكثرت من عقد ندوات واجتماعات لفتت الانظار اليها وساندها كثير من المعنيين ومن مختلف الاتجاهات.
قام حزب البعث بحركته الانقلابية في17/7/1968 ووضع العراق تحت مجهر المراقبة ومنها جمعيتنا الفتية... واندست عناصر غريبة الى الجمعية بحجة الإيمان بهدفها ووجدنا اخبار جمعيتنا تتسرب الى الخارج ... وعند عودتى من سفرة الى خارج العراق بعد 17تموزعلمت ان عبد الهادى قد اعتقل وصبحى مدحت السعود وبعض أعضاء الجمعية بتهمة (التآمر) لأحداث انقلاب عسكري ضد الحكومة ... كما وجدت أعمال الجمعية مجمدة نتيجة الخوف الذى تملك بقية أعضائها ...
وجاءنى الى مكتبى رسول من عبد الهادى الراوى يرجونى التوكل في قضية المحالة الى المجلس العرفي العسكري بعد ان رفض التزكل فيها كثير من المحامين ومنهم من يمت فيهم بصلة قرابة الى الراوي كالمحامى (فريد فتيان) وغيرة ... ذهبت الى (سجن رقم واحد) في معسكر الرشيد حيث كان الراوى معتقلا واستقبلني المسئول عن المعسكر الضابط الملازم (صالح الساعدى) الملقب بصالح الأسود وعندما علم بالمهمة التى جئت من اجلها حتى راح يسب الراوى ويشتمه ويصفة بأقذع الأوصاف فقاطعته قائلا : إننى جئت كمحامى عن الرجل فلا داعي لان تسمعنى رأيك فيه أو كرهك لة خاصة وانه موقوف عندك وتحت حمايتك فسكت على مضض ... ثم طلب من احد الجنود ان تحضر (المتآمر عبد الهادى الراوى ) ... لم يمض وقت طويل حتى دخل الجندى وهو يقود رجلا محنى الظهر ببطء يعاونه على المشى والتماسك كيلا يقع ... وأوقفه امام الضابط وصاح بصوت مرتفع بعد ان أدي التحية (سيدى ... المتآمر عبد الهادى الراوى ) ثم انسحب الباب فكاد ان يقع الرجل بعد أن افلت الجندى يده منة فسارعت الى الإمساك به وساعدته على الوقوف وسلمت علية بكنيته (أهلا أبو زيد) فرفع راسه نحوت وتاملنى مليا ثم انفرجت أساريره وقال (منو... ابو غسان...) وكادت العبرة أن تخنقه ولكنه تمالك نفسه ... ورجوت من الضابط ان يسمح له بالجلوس فرفض قائلا(هذا مجرم ... ومتآمر... ولا اسمح له بالجلوس)فبقيت ممسكا به أساعده على الوقوف وجسمه كله يرتعش ... كان يلبس (الدشداشة) وفوقها (السترة) وتغطى راسه (كوفية) وبرجليه (نعال) ولا ادري هل كان يرتعش منشدة البرد أو الجوع أو مما عاناه في المعتقل من تعذيب فقد كانت الكدمات الزرقاء والسوداء تملأ وجهة وإحدى عينية متورمة وعندما أضع يدى على ظهره يتأوه من شدة الألم فانحناء ظهره دليل على تعرضه لضرب مبرح أصاب فقراته بتلف او عطب ... لم يقو على التوقيع عندما أعطيته القلم ليوقع أمام الضابط على الوكالة التى أعددتها للدفاع عنة أمام المجلس العرفي العسكري فقد كانت يده ترتجف فادنيتة نحو المكتب ومسكت يده كى يستطيع التوقيع فجاء توقيعه غير واضح وصاح به صالح الأسود (اشبيك ما تقدر توقع... وتريد ان تعمل انقلاب...) فسكت ولم يجبه ثم صاح به وقع مرة أخري ... فأعطيته القلم ثم مسكت أصابعه وبصعوبة وقع باسمه على الوكالة التى صادق عليها الضابط ... الذى صاح بصوته عال على الجندى (تعال اخذة لها البومة ) فتقدم الجندى وسحبة من يده الى خارج الغرفة بعد ان شكرنى بصوت خافت لا يكاد يسمع ... وقد شيعة صالح الأسود بقائمة من الشتائم والسباب ختمها بقوله ( اشلون ضابط ... وقائد... والله لا يصلح ان يرعي خمس طليان ...) .
وفي المجلس العرفي عرفت ابعاد القضية وكيف (فبركت) ... فالنظام الجديد ومن اجل السيطرة على الوضع واستمرار حكمة دون هزات قرر تصفية كل من يعتبره من الخصوم ولذلك وضع خطة لاستدراج هؤلاء الخصوم والإيقاع بهم من خلال (فبركة مؤامرات ) وهمية يعدها ويهيئ خيوطها ويجمع أدلتها ... وبموجب هذه (العمليات المفبركة) يتم تصفية الخصوم ... فالنظام لا ينتظر من خصمه ان يتحرك ثم يبادر شل حركتة بل هو الذى يستدرجة الى التحرك ويعد له سلفا (سيناريو) حركته ثم يلقي القبض علية( وبالجرم المشهود) تماما كما فعل مع (عبد الحسين جيتة) و (عبد الهادى البجاري) و(عبد الكريم مصطفي نصرت) و(فؤاد الركابي) إذا هيأ لكل منهم أسباب تصفيته بعد ان حاك له (السيناريو) الخاص به ...وبالنسبة لعبد الهادى الراوى فقد سرب النظام احد عناصره واسمه (إياد الاعرجى ) وادخله الى (جمعية الصندوق العربي) باعتباره قوميا ومؤمنا بأهداف الصندوق القومية بأهداف الصندوق الفوميه ... وسرعان ما كسب ثقة المرحوم صبحى مدحت السعود ( احد أعضاء المؤسسين ) لما كان يبديه من نشاط في الجمعية ... وكانت الخطة (المفبركة للإيقاع بالراوى وجماعته ان يحصل (إياد الاعرجى ) على رسالة من الراوى او من صبحى الى (عبد اللطيف الكمالى ) الملحق الصحفي العراقي في دمشق باعتباره من العناصر القمومية المعروفة والعودة منة برسالة جوابية ومن هاتين الرسالتين (فبركت) قضية المؤامرة ... ولم يجد الاعرجى المسافر الى دمشق صعوبة في إقناع صبحى السعود ان يحرر الرسالة الى صديقة الكمالى (وكانت عبارتها عامة ) ذهب بها الاعرجى الى القصر الجمهورى حيث صورت وعند العودة الاعرجى بكارت من الكمالى ... وليس فية غير السلام ، مر بة على القصر الجمهورى فصور أيضا ... فكانت قضية أبعادها ان الراوى وجماعته طلب مساعدة سوريا من خلال الكمالى لإحداث انقلاب عسكري يطيح بحكومة البعث في العراق ... وتم اعتقال بالإضافة الى الراوى وصبحى ، عناصر ما زالت في الجيش كالضابط (حاتم حسن الياسين) واخيه (مجبل) ضابط شرطة ،واخية( محمد حسن ) ضابط الاحتياط والضابط (سليم المجول) وضابط الاحتياط الطبيب (اياد البير ) خطيب ابنة الراوى ، كما اعتقل بعض الضباط المتقاعدين كالضابط (اسماعيل العبدولى ) وغيرة كما اعتقل مدنيون منهم (مزهر الويس)واستدعي الكمالى من دمشق وادوع الاعتقال هو الاخر واستمعت في جلسات المجلس العرفي العسكري إلى تاوهات وبكاء وصراخ مسجلة على أشرطة تسجيل لمتهمين من اجل انتزاع اعترافاتهم ومن سير المحاكمة كان اتجاه رئيس المجلس (العميد عبد الوهاب القيسي ) الى غلق القضية والإفراج عن المتهمين لعدم وجود قضية من الأساس بعد ان عقدت المحكمة عدة جلسات
ولكن القضية سحبت وأحيلت الى (المحكمة الخاصة )التى كان يرأسها العميد احسان شيت خطاب وعضوية كل من ضابط الاحتياط (راغب فخري) و(محمد فاضل) العضو القيادى في حزب البعث...
وكان الجو هناك مختلف تماما ... وفي جلسة واحدة أصدرت المحكمة حكمها على عبد الهادى الراوى بالسجن لمدة سبعة سنوات وعلى بقية المتهمين بالسجن لمدد مختلفة... ولم يكن باستطاعتها الحكم بأقصى من تلك العقوبة في قضية مهلهلة ضعيفة الحبك فأطلق سراح الراوى بعد ان قضى في السجن بعض العقوبة على أمل ان يدخر لقضية أخري أحسن حبكا وأكثر قناعة يتم فيها تصفيته، وظل الراوى تحت المراقبة الشديدة تحصى عليه حركاته وسكناته ،وعندما تم اعتقالى في 20/1/1970في قصر النهاية بقضية المؤامرة الكبري التى تم إعدام (57)عسكري ومدنى(1) ،سؤلت عن عبد الهادى الراوى وعن علاقتى به... ومتى ظننت أنة معتقل هو أيضا وانه يقبع معى في احدى زنزانات قصر النهاية ... فرثيت لحاله وتأسفت لما قد ينتظره من مصير... وقد علمت بعد ان أطلق سراحى ... ان قريبا لعبد الهادى الراوى (من البعثيين) طلب منة ان يختفي عن الأنظار ويبتعد عن بغداد قبيل شن حملة الاعتقالات التى طالت الكثير من مختلف طبقات المجتمع العراقي بحجة الاشتراك بتلك المؤامرة (المفبركة) ... وهكذا نجا من الاعتقال والتصفية المحتملة ... وأمام إحساسه بالخطر المحدق به ،انه سوف لن يفلت كما فلت سابقا وفشلت المجموعة المكلفة بقتل الراوى في الاستدلال على مكانة لانه كان يقيم مع عائلته في احد الفنادق في الزمالك ،واضطرت المجموعة الى التخلص من المسدسات بإلقائها في النيل .
ولم تيأس حكومة بغداد من اجل الوصول إلى الراوى وباى ثمن فكان ان جندت احد الصحفيين المحسوبين على التيار القومى ،اسمة (عبد الوهاب العبيدى ) وكان يعمل في الصحافة الليبية باعتبارة أحد المعارضين الهاربين من نظام بغداد وراح العبيدى يتردد كثيرا على القاهرة ويتصل باللاجئين العراقيين ووطد علاقته بعبد الهادى الراوى شخصيا حتى وثق به الراوى وكلفه بشراء سيارة له من بيروت وشحنها على ميناء الإسكندرية ..وفي بيروت وضعت المخابرات العراقية خطة لتصفية الراوي.. فطلبت من العبيدى استدرجه إلى بيروت بحجة ضرورة وجودة فيها لإتمام معاملة شراء وشحن السيارة... وتأهب الراوى للسفر إلى لبنان والعودة بسيارته الجديدة ... وحصل أحد العراقيين المقيمين في بيروت على خطة التصفية فسربها الى احد أصدقاء الراوى في القاهرة فادركه هذا قبيل ان يسافر الى بيروت وفشلت الخطة ....وعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران لم يستقبلها الراوى بقبول حسن رغم توجهه الاسلامى ولكنة لم يتخد منها موقفا معاديا ... ولكن وعند اندلاع الحرب العراقية الايرانية سنة 1980انحاز تماما الى جانب العراق رغم علمه ان النظام العراقي هو الذى شن هذه الحرب وانه يديرها لمصحته القوى الأجنبية وأن الضرر سيحيق بكل من العراق وإيران ... ولم يخفف راية المساند إلى العراق في كل مجلس أو لقاء يضم عراقيين أو غير عراقيين ... وأنه مستعد ان يقاتل في صفوف الجيش العراقي ... ودخل في مناقشات ومشاجرات جراء أرائه هذه... ولم يكتف بالتأييد المعنوى فقد قرنه بعمل جدى ونشاط ملحوظ إذ راح يفتش عن ضباط مصريين متقاعدين وإغرائهم من اجل العمل في صفوف الجيش العراقي واختيارهم من صفوف معينة يحتاج اليها الجيش العراقي... ونجح في إقناع أعداد كبيرة من الضباط المتقاعدين في السفر الى بغداد وتقديم خبراتهم للجيش العراقي ،وكان ينسق عملة هذا مع السفارة العراقية في القاهرة التى تزوده بقوائم عن(الصنوف) العسكرية التى يحتاج إليها الجيش العراقي ،ونوعا الأسلحة المطلوبة ... وتوثقت علاقته بالسفارة العراقية وكثرة تردده عليها حيث تبرم بحضوره العقود والصفقات الضابط المسافرين الى بغداد ... ونسى تماما ما يكنه له نظام بغداد من عداء ،وما كان قد خلفه من أثار ما زالت مطبوعة على جسمه ... وكان لابد ان تكافئه بغداد عن هذه الخدمات الجليلة والتى قدمها لها عن اقتناع ..
فعرضت علية العودة الى بغداد وانه سيكون من المقربين ولم أكن بعيدا عن كل ما كان يفعله ولم أناقشه فيما يعمل أو أعاتبة كى تظل لا علاقتنا في حدود الاحترام .. وجاءنى يوما زائرا وقبل ان (يزف) لى الخبر الذى جاء من اجله ... قدم لو مقدمة طويلة عن (الغربة) وتعب الاغتراب والمعاناة وإن (العائلة) لم تستطيع (التأقلم) مع الوسط(المصري) ...وفوجئ به انفجر ضاحكا وقد فهمت ما يرمى إليه وسارعت بالقول :إن للإخوة المصريين كلمة (مأثورة) في هذا المقام (هات من الأخر ) أى بمعنى ادخل في الموضوع رأسا ولا داعي للمقدمات أو اللف والدوران ... هات ما عندك يا أبو زيد ...فسكت قليلا ثم قال (انى راح ارجع الى العراق) ثم أفاض في تفاصيل الاتصالات الى تمت مع النظام العراقي من خلال السفارة العراقية في القاهرة ...وسألت...وماذا تريد منى.. هل جئت مودعا أو طالبا مشورة بعد ان حسمت أمرك !!قال جئت لأقول لك : أننى سأظل ذلك المخلص ،(فقلت مخلص) لمن ... لى ام للقضية التى أمنت بها وناضلت من اجلها وتعذبت وعانيت ما عانيت في سبيلها فسكت طويلا ولم يجب...ولم أرد إحراجه ...لقد حسم أمره وأتخذ قراره ... فقلت له(شايف خير يا أبو زيد..ومع السلامة)... فقال سأتصل بك عند تحديد موعد سفري ..وبعد أيام جاءنى صوته في التليفون يتحدث من الكويت ،فسألته وماذا تفعل في الكويت ..أجاب انه اشتري سيارة يعود بها الى العراق ..وانه كتب لى رسالة ستصلني في البريد..وجاءتني رسالته من الكويت عبارة عن بضعة اسطر يكرر فيها عبارات الود والإخلاص ويعلمني إنه في طريقة الى العراق ، وكأنه يريد أن يقول أنة ذاهب إلى المجهول ويطلب منى الدعاء له (بالسلامة) ... واختفت اخباره ولم اعد اسمع عنه الى ان ابلغني احد الأصدقاء بوفاته فحزنت وحاولت التحري عن أسباب الوفاة فرغم انى كان يعانى من أثار التعذيب في ظهره ورقبته ومعدته الا ان صحته العامة كانت جيدة وكان يرعاها تمام الرعاية من حيث الأكل والشرب فهو لم يشكو من مرض السكر او ضغط الدم او غيرها من الأمراض ...وتسربت أخبار غير مؤكدة أنه مات مسموما...
كان طموح عبد الهادى الراوى طاغيا ... كان يطمح ان يتولى أعلى المناصب،وعمل بجد من اجل هذا الطموح داخل الجيش من خلال التنظيم الذى إقامة وتسمى باسمة او حتى بعد خروجه من الجيش وعمل في السياسة فكان نشيطا ودءوبا من اجل الوصول الى هدفه فوثق علاقاته مع أحزاب وحركات وشخصيات سياسية ، مدنية أو عسكرية ... كان يتطلع أن يكون الأول، ومحط الأنظار...
قليل الكلام ، يجيد المناورة ويحسن توظيف الظروف لخلق (مؤامرة) على المستوى المدني أو العسكري يساعده في ذلك خلق رفيع ونزاهة وسمعة طيبة ... كان متواضعا ،لم يمنعه وضعه العسكري او مركزه المدني من الاختلاط بالناس البسطاء منهم ويسعى إليهم ويتفقد أحوالهم ...ذو نجدة كان متدينا ويكثر من قراءة القران ... قليل الغضب... عف اللسان..كثير التسامح..
... رحمه الله...