الهرب و النزوح و الهجرة

 

د.عبدالكريم هاني

 

قالت الإبنة و هي تحاول إقناع أبيها : - الى متى تبقى تنتظر يا أبتاه ؟ ان التاس تخرج بالعشرات , فماذا تنتظر ؟ هل تنتظر رصاصة يوجهها أحمق استجابة لتحريض عميل أو مأفون ينعق ليل نهار محرضا على القتل ؟

قال الأب و هو يغالب نفاد صبره أمام الإلحاح الذي مازال يتكرر:- اسمعي يا ابنتي , إن المؤمن لا يخاف الموت لإنه مصير الكل , و لن يعيش امرؤ أكثر مما قسم له كما لن يموت قبل يومه و لقد عشت أكثر مما كنت أطمع ؛ و لست مستعدا أن أعيش لاجئا في أية بقعة من أرض الله , و لست مستعدا أن أطلب اللجوء من ( أشقاء ) تنكروا لعروبتهم و تناسوا تاريخ بلادهم و صاروا يحرمون على إخواننا مجرد العبور عبر بلادهم . إنني , كغيري من أبناء هذا البلد , أشعر أن لي دورا علي إداؤه و هو دور جميع المخلصين : أن نتعاون على التغلب على المحنة لا أن نكون طرفا فيها , و أن نفضح ما يحاك ضد هذا البلد الذي ابتلي ببعض أبنائه قبل ان يبتلي بأعدائه . إن البلد يعاني من مخطط يهدف الى إخلائه        و يتعاون على إنجازه الأعداء القادمون من خارج الحدود مع بعض المغفلين ممن لا يرون الوطن إلا ضيعة يعيثون فيها , وهم لغفلتهم يحسبون أنفسهم منتصرين ! لقد انتقدنا جميعا , و انتقد العرب والعالم , والفاسطينيون بالذات , بل و أبناء النازحين و أحفادهم , انتقد الكل عملية النزوح الفلسطيني عام 1948 بالرغم من تعرض القرى العربية حينئذ لأبشع إرهاب مارسته عصابات المستوطنين بينما سكت العالم على ذلك الإرهاب تحت التهديد باتهامه بمعاداة السامية , و هي التهمة المسلطة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية كالسيف فوق رقاب الكل – حكومات و ساسة و كتابا و أدباء و مؤرخين و ما زالت تخضع الكل للإبتزاز, علاوة على أن فلسطينيي ذلك الزمان اعتقدوا تحت تأثير المبالغات الدعائية العربية أنهم عائدون الى أراضيهم و ديارهم بعد أيام . إن المنفذين لهذا المخطط  يعملون على تحقيق هدفهم بالإغتيال تارة أوبإرهاب الآخرين و تخويفهم و دفعهم للهرب داخليا بالإنزواء و الإنكماش أو بالنزوح أو الهجرة  . و إذا كانت هذه خطة الأعداء فالواجب يدعونا أن نعمل على إحباطها لا أن ننفذ , عن غير وعي , ما يهدف اليه الأعداء . إن البلد بحاجة الى مساهمة الجميع في بنائه و تعويضه عما أصابه من تأخر بسبب ما تعرض له من سياسة هوجاء دفعت به الى سلسلة من الحروب الحمقاء أدت الى هدر دماء مئات الآلاف من شبابه و إفقاره و تبديد ثرواته في مشاريع يعلم الكل عدم جدواها علاوة على دفع مئات الآلاف من أبنائه على الهجرة , كما أدت الى تعرضه الى الغزو مرتين خلال عقد واحد و حصار امتد طوال ثلاثة عشر عاما .  و المؤسف أن القادرين على العطاء و الذين يمكن أن يساهموا في توعية الناس للمخاطر التي تحيق بالوطن هم القادرون أيضا على النزوح  فإذا خرج هؤلاء فمن للناس بعدهم ؟

    (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) صدق الله العظيم .

                4/9/2003

نشر في جريدة الوطن العدد 23 في 23/9/2003