اللهم لا شماتة

د . عبدالكريم هاني



كان كونتي كونتا صبيا في أول مراحل الشباب حين رست سفينة صيادي الرقيق على شاطئ الأطلسي في غامبيا , و تقدمت عصبة الصيادين يقودهم دليل من أبناء المنطقة في عملية الصيد التي استمرت في الغابات و الأدغال حتى امتلأت السفينة بالصيد و الدليل فخور بوفرة الصيد و هو يؤمل في مكافأة تناسب تلك الوفرة . و كان يمكن أن تمر هذه القصة كما مرت غيرها بدون أن يعرف أحد التفاصيل لولا أن كونتي كان حريصا على محاولة الهرب ليعود الى بلده , و استمر يلقن ابنته هذا الحرص و يقص عليها تفاصيل ما جرى و يؤكد عليها ضرورة أن تلقن أبناءها قصة أبيها و تطلب منهم البحث عن جذورهم و العودة اليها إن لم يستطع أبوها أن يعود بهم .
و بعد قرون من تلك الحادثة كتب أليك هيلي , و هو واحد من أحفاد كونتي ,ملحمة رائعة سماها الجذور ترجمت الى لغات عديدة من بينها العربية و ظهرت في فلم و مسلسلة تلفزيونية شاهدها الناس و كانت المفاجأة التي أضافت على
القصة مسحة الدراما العالية و الحكمة الثمينة أن كونتي قال إن صائدي الرقيق أضافوا ( دليلهم ) الى مجموعة الصيد و صعد مكتوف اليدين الى السفينة التي عبرت بهم جميعا المحيط الى أميركا ليلقى هناك ما لقيه ضحاياه من عبودية و اضطهاد .
قفزت هذه  القصة الى خاطري , و خصوصا السطران الأخيران منها حين سمعت ما أصاب بعض الأدلاء الذين اصطحبوا القوات الغازية على صهوة دباباتها فخورين بالقبعة العسكرية مطرزة بالعلم الأميركي تعلو رأسهم و هم يظنون أنفسهم ( فاتحين ) فشمخت أنوفهم على الناس أكثر مما شمخت أنوف الغزاة حين حسبوا أن الأمر قد استتب لهم  . و امتد هذا الشموخ , و هو معد مع الأسف الشديد , الى مؤيديهم و أنصارهم فبدأوا يتصرفون تصرف الأسياد , يقبلون هذا الأمر و يرفضون غيره بكبرياء و عناد مزايدين بالقوة التي حسبوها قد أصبحت طوع أمرهم فتؤهلهم لنيل ( المكاسب ) التي كانوا يحلمون بها , سواء لأشخاصهم أو للفئات التي دانت لقوتهم بالولاء . و ينسى هؤلاء ( أفرادا و جماعات ) الحقيقة الأزلية أن قوة المرء الدائمة هم أهله و أبناء جلدته , و العاقل من حافظ على الوشائج التي تجمعه بهم لا أن يدمر هذه الوشائج عند أول سراب قوة خادعة و إسناد ليس له وجود إلا في معسول الوعود . ثم جاءت ساعة الحقيقة التي غابت عن دليل غامبيا و أدلاء ( بزيادة نقطة رجاء ) فتح العراق فبدأت سلطات الإحتلال تعامل عملاءها كما تعامل العبيد و تفتح لهم الصفحات التي تغافلت عنها عندما كانت بحاجة اليهم فصاروا يتلفتون يبحثون عن نصير بين الناس الذين اعتزلوهم و تكبروا عليهم عندما كانت أوهام القوة تسيطر عليهم . دليل آخر ( بنقطة أيضا ) اختار قيام السلطات الصهيونية بأبشع حملة إبادة لأبناء فلسطين و تهديم مدن بكاملها بصورة استفزت العالم ( لكنها لم تحرك نخوة في القمة للأسف ) فلم يجد ما يرد به على هذا الموقف إلا عقد اتفاقية جديدة مع أعداء الأمة و الإنسانية و هو يظن , كما ظن دليل غامبيا أن هذا الموقف سوف يعصمه حين تلتفت البلدوزرات الى قصوره و عاصمته تساويها بالأرض لتوسع حدود الدولة الموعودة.
لقد كان الوزير الإسرائيلي أكثر جرأة و إخلاصا للحقيقة و استنكارا لبشاعة الجريمة التي ارتكبتها الصهيونية من
القمة كلهاحين شبهها بجرائم النازية
.
نشر في العدد 23 من جريدة العرب في 2/6/2004