أن تصيبوا قوما بجهالة

 

 عبدالكريم هاني

 

دهشت للسهولة التي تحدث بها السيد سعد الخزرجي إذ يرمي بثقة كبيرة تهمته بوجه التاريخ مستهينا بالحقيقة و عقلية القارئ فيقول " ذلك أن العمولة التي قدمتها شركة "ايراب" الفرنسية لاستثمار الكبريت كانت من نصيب طاهر يحيى و دخول شركات أميركية قدمت عمولة أكبر له و لشركائه البعثيين , و وقعت العقد و هذا هو السبب الرئيسي لتغيير نظام عبدالرحمن عارف." فاذا كانت العمولة الأميركية قد قدمت " له و لشركائه البعثيين , و وقعت العقد" فأين دور طاهر يحيى في هذه القضية؟ و كيف يستلم طاهر يحيى العمولة من شركة لم تربح الرهان ؟

يدفعني الوفاء للحقيقة و التاريخ الذي يسحق اليوم بأقدام أدعياء البطولة و أعداء الحقيقة و للرجل النزيه الأمين طاهر يحيى الذي تعاونت على تشويه سمعته كل أبواق أعدائه و أعداء العروبة لأبين ما مر أمامنا في مجلس الوزراء في تلك الفترة و ما اطلعت عليه خارج المجلس أيضا :

عندما دخلت الوزارة في تعديل وزاري في  كانون الثاني عام 1968كانت قضية استثمار الكبريت قد طرحت و تقدمت شركات عالمية بعروضها التي احيلت الى لجان متخصصة للبت فيها , و بعد الدراسة بقي في الساحة ثلاث شركات , اثنتان فرنسية و ثالثة أميركية , و جرى استبعاد واحدة من الفرنسيتين بعدئذ واستمرت المنافسة بين الشركتين الباقيتين و التي دخلت فيها أطراف متعددة لفترة طويلة . كانت الشركة الأميركية يمثلها احد المستثمرين الذي يحضى برعاية " الفرسان الثلاثة " والبكر ( قبل وصوله الى الحكم ) بينما كانت الشركة الفرنسية تتمتع برعاية أحد السياسيين ( خارج السلطة المباشرة ) .

استمر الصراع و تأخر صدور قرار بهذا الأمر , و كان الراي يميل الى احالة الموضوع الى الشركة الفرنسية لأسباب سياسية , فقد كانت العلاقات العربية الفرنسية عموما تمر بأحسن أوقاتها خصوصا بعد موقف فرنسا ديغول عند وقوع عدوان حزيران و ما بعده , و لم يكن لأي وطني يرى مواقف أميركا المؤيدة لذلك العدوان أن يقبل أن يفتح الباب لشركة أميركية بينما مازالت دماء المقاتلين العرب الذين حصدتهم أسلحة أميركا بأيدي الصهيونية لم تجف بعد . تعلل " أنصار أميركا " بأن العرض الأميركي أحسن من وجهة النظر المالية من العرض الفرنسي , و كانت هذه حجة قوية تمسكوا بها بقوة رغم أن الفرق لم يكن يتجاوز ربع مليون دينار .  وفي أحد الأأيام استدعاني المرحوم طاهر يحيى و قال لي : أبو هاني لقد تعبت , لم أعد أثق بأحد , كلما جلسنا لبحث الأمر اشم رائحة المنفعة في المواقف و تغلف هذه المصلحة كل قرار , ثم فتح خزانة حصينة في غرفته و أخرج منها ملفين سلمني اياهما و طلب مني دراستهما و اعطائه رأيي في هذه القضية .

وجدت أن موضوع الاستثمار يتكون من قسمين رئيسيين : الأعمال الفنية و أعمال الانشاآت التي تنقسم الى ثلاثة أقسام : الإنشاآت في الحقل , و خطوط السكك و القاطرات للتحميل و النقل , و أرصفة الميناء المطلوبة . و اقتنعت بعد دراسة طريقة استخراج الكبريت و تسويقه أن من الممكن القيام بكل تلك العمليات وطنيا لأن الشركات كانت تعرض استثمار مبالغ لا تتجاوز ثمانية عشر مليون دينار ( و أرجو أن يعلم القارئ أنني أكتب من الذاكرة ) و تبقى قضية الأعمال الفنية التي لم تكن مستحيلة الإداء . و اقتنع طاهر يحيى بهذا الإقتراح لأنه يخلصه من  الصراع  كما أنه ينسجم مع اتجاهاته و رؤيته لاقتصاد العراق . انقسم مجلس الوزراء الى كتلتين : واحدة تؤيد الإستثمار الوطني و الثانية تميل الى منح الإمتياز الى الشركة الأميركية بحجة أن عرضها هو الأحسن ( ماليا )  و بين الكتلتين كتلة مائعة أكبر من كلا الكتلتين . و أوفد وزير الصناعةالمرحوم خليل ابراهيم حسين الى بولونيا لمفاوضة الشركة البولونية لتقديم المعونة الفنية و معاونة العراق في استثمار ثروته وطنيا . و استمر الأخذ و الرد , ثم حسم الأمر عندما تبين أن الشركة الفرنسية اتفقت مع اللشركة الأميركية فرجحت كفة الإستثمار الوطني  الى أن تقدم الفرسان الثلاثة لحسم الموقف لصالح أميركا يوم 17 تموز . الطريف أن وزراء الكتلة الثانية دخلوا جميعا وزارة النايف التي تشكلت فور الإنقلاب !

انني أوافق السيد سعد أن هذه القضية كانت سببا رئيسيا لتغيير نظام عبدالرحمن عارف , و لكنها لم تكن السبب الرئيسي أو الوحيد , فقد كان هناك أيضا موضوع استثمار النفط وطنيا و كان السبب الأهم هو نجاح العراق في إزالة العقبات من طريق إقامة الجبهة الشرقية من الأردن و سوريا والعراق و تعيين قائد عراقي لتلك الجبهة ( ألقى فرسان البعث بهذا القائد رحمه الله في قصر النهاية ثم " ذابت " الجبهة و لم يعد يسمع لها صوت.)

بغداد في 9/7/2003

نشرت في جريدة الحياة – العدد 14729

في 22/7/2003