الديموقراطيةهذه الكلمة الحائرة

 

عبدالكريم هاني

                                                                                                             

كنا مانزال في المرحلة الإبتدائية عندما سمعنا كلمة الديموقراطية لأول مرة و قيل لنا انها تعني أن يتولى الشعب أمره فيكون اختيار الحاكمين بالإنتخاب و يقوم بالحكم من يحوز الأكثرية في تلك الإنتخابات , و كان هذا التعريف  في خضم الحملة الإعلامية التي رافقت فترة الحرب العالمية الثانية فقد كانت تتغنى بها وسائل الإعلام الغربية حين كانت تعلن أن النازيين و الفاشست أعداء الديموقراطية و أن جبهة الحلفاء , التي تشكلت من غلاة الدول الإستعمارية و التي كانت في ذلك الحين تسيطر على أغلب بقاع الدنيا , تقاتل ضد الدكتاتورية و لنشر الحرية التي لم تنعم بها قبل ذلك الشعوب الخاضعة لامبراطوريات تلك الدول بل كانت تئن تحت نيرها  . و كانت تلك مفارقة عجزت أدمغتنا عن فهمها .

و حين هاجم هتلر الإتحاد السوفييتي تحالفت قوى الإستعمار ( الديموقراطية! ) مع هذا الإتحاد الذي كانت تتبادل التهم   معه , و بدأت تغض الطرف عن الدعاية الشيوعية, بل و تشجعها و تمهد لها السبيل أحيانا . و بدأنا نسمع تعريفا جديدا للديموقراطية   ( الحقيقية هذه المرة ) و هو دكتاتورية البروليتاريا , و كنا نقف حائرين أمام تزاوج الديموقراطية مع الدكتاتورية فلم تستوعب أدمغتنا هذه العلاقة بين النقيضين , فكانت تلك هي المفارقة الثانية .

و علمنا من كل هذا  ان الديموقراطية لها أكثر من معنى و وصف و قال البعض انها كالقماش يمكن أن يفصل حسب الطلب , دشداشة أو صاية و زبون أو بدلة أوربية . واليوم سمعنا وصفا جديدا للديموقراطية , فقد أصبحت بقدرة قادر دكتاتورية  الأكثرية التي يجب وضع حد لها ! و البديل الذي يقفز الى الذهن هو ( ديموقراطية ) الأقلية بلا شك لأنها ستكون الديموقراطية الحقة .

ثم جاءنا ( قانون إدارة الدولة في المرحلة الإنتقالية ) و الذي يدعوه الناس قانون بريمر ( هذا ليس غريبا فالمتبع في الولايات المتحدة أن تدعى القوانين بأسماء النواب أو الشيوخ الذين اقترحوها ) وفي المادة الحادية و الستين ( فقرة ج ) يمنح ثلثي عدد المصوتين في أي ثلاث محافظات سلطة تعطيل أي قرار توافق عليه بقية المحافظات مما يعني إمكانية وضع البلاد في طريق مسدود .

اعتذار لا بد منه : في رسالة نشرتها جريدة الوطن الغراء في عددها المرقم 58 في 29/2 اقترح السيد عبدالمحسن العبيدي أن نكتب عن ( ما كان يجري على الساحة السياسية في الفترة التي سبقت نظام الدكتاتورية ) وهي فترة كنت أتمنى دائما أن أكتب عنها لكن الظروف اليومية في عراق اليوم لا تدع لنا مجالا للإختيار , إذ تفاجئنا كل يوم بجديد يصح عليه القول العراقي المشهور ( تحير العدادة شتكول !)

نشر في العدد 65  من جريدة الوطن في 18/3/2004