رسالة الى أخ كريم

د. عبدالكريم هاني

 

صديق كريم اعتدنا أن نتشاحن كلما التقينا , و كان سبب المشاحنة المتكررة إصراره على وصف  الناس جميعا بأحط الصفات و أقذع النعوت أخفها الأنانية و سوء النية بينما كنت أصر ان الخير بين الناس أكثر كثيرا من الأمثلة التي يسوقها لإقناعي برأيه و محاولته تغيير رأيي الذي أنادي به فأنا أؤمن أن الخير مطبوع والسوء مصنوع .

اضطرتني ظروف عائلية على قطع شوارع بغداد طولا و عرضا نهار الجمعة بعد الغيث العميم الذي جادت به السماء في الأيام الماضية , ذلك الغيث الذي حوله تعمد التخريب الذي أصاب جميع المرافق العامة في العراق المنكوب بالاحتلال بعد سنوات الحصار و بإهمال من تولى بعض أمره بعد ذلك و انشغالهم بالمنافع و المكاسب و توزيع المغانم على الأقارب و المؤيدين و الأصحاب , حوله الى نقمة على المدينة و أبنائها فأصبحت بحرا متلاطما من مياه المطر و مياه المجاري الطافحة .

 و كانت النتيجة المتوقعة في مثل هذه الأحوال : أن يتوقف المحرك عن العمل و أنت في وسط المياه التي توشك أن تتسرب الى داخل السيارة , و بقيت حبيسا أحاول جاهدا إقناع المحرك بالدوران بينما تتجاوزني السيارات واحدة تلو الأخرى , و تجاوزتني واحدة منها ثم توقفت على بعد أمتار , و عادت الى الخلف و فتح السائق زجاج النافذة يسألني هل  يدفعني بسيارته ؟ أجبت بالإيجاب طبعا, و بينما كان يحاول أن يرتب أمر سيارته فوجئت بسيارة أخرى تصطف خلف سيارتي و تدفعها حتى خرجنا خارج البحيرة , و لم ينتظر الشهم الثاني أن أشكره بل أسرع يكمل طريقه فالتفت الى الأخ الذي كان بجانبي قائلا الحمد لله , الدنيا مازالت بخير !

بعد الظهر كنت في بحيرة أخرى أعمق من سابقتها, و اختار المحرك أن يتوقف مرة أخرى , لكن الطريق كان شبه خال , و اجتازتني سيارة بي أم ثم توقفت في آخر البحيرة , و طال توقفها فترة ثم تحركت و اختفت في احد الطرق الفرعية , لكنني فوجئت بها تعود من الطريق الذي جاءت منه و تتوقف على بعد أمتار مني ثم كان اللا معقول و اللا متوقع : فتح الرجل الباب و نزل يخوض في المياه التي وصلت الى الركبة و الغيث مستمر و فتح صندوق سيارته و أخرج حبلا للجر و اتجه الى مقدم سيارتي يبحث تحت الماء عن حلقة ثبت بها الحبل ! ثم صعد الى سيارته و أخرجني من البحيرة فنزلت أشكره لكنه لم يتحرك بل نزل صاحبه و فتح غطاء المحرك و بدآ يجففان كهربائية المحرك و طلبا مني أن احاول تشغيلها , و ما كاد المحرك يدور حتى أسرعا الى سيارتهما و هما يودعان فصرخت بهما طالبا أن يتوقفا قائلا أهكذا نفترق حتى بدون تعارف ؟ قال أكبرهما سنا نحن أكراد من زاخو تحولنا هنا , قلت هذه الشهامة تستوجب الشكر و يشرف المرء أن يتعرف الى أمثالكم في زمن كاد الناس أن بفقدوا الثقة بإنسانية الإنسان .

أخي أبو أحمد  هذا هو المعدن العراقي الأصيل , هذه الشهامة تكررت أمامي ثلاث مرات في يوم واحد رجاء ان تقنعك أن الدنيا بخير و أن الطيبة صفة أصيلة في بني البشر و في أبناء العراق على وجه الخصوص .

كلمة أخيرة بالمناسبة : نشرت هذه الجريدة يوم الخميس الماضي :" اشتكى أهالي ... الى القائد العسكري الأميركي من التصرفات المشينة و غير اللائقة التي يتصرف بها ( الحرس الوطني ) تجاه المواطنين " , من أين جاء هؤلاء ؟ و من زرع في نفوسهم هذه الأخلاق ؟  يا للعار !