الصبر بين سوق السراجين و اجتماع المجلس الموعود !!

د. عبدالكريم هاني

 

اعتاد الشيخ أن يزور صاحبه في سوق السراجبن ليقضي معه بعض الوقت يتبادلان الحديث بينما يراقب صاحبه يعمل بمهارة في صنع ما يحتاجه الناس قبل أن تكتسح موجة البلاستك هذه الصناعة و تشرد الصناع المهرة الى صناعات أخرى . و كان الشيخ كلما جاء الى صاحبه يجد أحد الزبائن يسأل الصانع عن هميانه , و كان الجواب المعتاد الذي يتكرر دائما أنه لم يستطع إنجازه فيعتذر مبررا التأخير بسبب يختلف كل يوم و يرجو أن يمنحه الزبون بعض الوقت و أن يطيل  صبره عليه . و تكرر هذا الموقف يوما بعد يوم فالزبون يراجع و يسأل  و الصانع يكرر الإعتذار حتى مل الضيف من هذه الحالة و رأى فرصة مناسبة لينصح صاحبه بضرورة المحافظة على المواعيد و احترام الزبائن حرصا على استمرار العمل .

ضحك الصانع و مد يده تحت منضدة العمل و أخرج الهميان قائلا لقد أكملته في اليوم الذي أوصاني عليه الزبون و ها هو جاهز منذ عشرة أيام ! استغرب الضيف من هذا الموقف فسأل صاحبه إذا لماذا تعذب الرجل كل هذا العذاب و تجعله يظن بك الإهمال و خلف الوعد ؟ قال لو أعطيته الهميان فور إنجازه لما انقطع عن إيجاد العيوب فيه , و لاستمر يأتيني يوميا يشكو من عيب جديد , أما الآن فلسوف يطير فرحا و يتنفس الصعداء حين يتسلم الهميان الموعود و لن يشكو مهما كانت وضعية الهميان !

هذه القصة يتذكرها الذين يعرفونها عندما يرون صبر الناس يكاد ينفد في انتظارهم لانعقاد المجلس الموعود الذي قيل انه سيفتح للعراق الجنة على الأرض و يفتح للذين ساهموا في انتخابه أبواب الجنة في الحياة الأخرى أيضا بعد أن تجنبوا نار جهنم بصبغ أصابعهم و إلقاء صكوك الغفران في صناديق الانتخاب , و تنفس الناس الصعداء عندما اجتمع المجلس ليتناول أعضاؤه القهوة ( لا بد أنها كانت مرة ! ) ثم بدؤا في انتظار جديد بينما يوشك أن يمر ربع المدة المقررة لعمر المجلس في انتظار اجتماعه لتشكيل الحكومة الموعودة .

لو اجتمع المجلس في موعده فور انتهاء الإنتخابات , و لو أعلنت الحكومة التي كانت في بال المخططين قبل قدومهم الى العراق و قبل الانتخابات لتكاثرت الشكاوي و الانتقادات أكثر من شكاوي صاحب الهميان و لسمع الناس عن عدم الإنسجام و انعدام الكفاءة و عشرات المثالب , و لنا في ما لاقت الحكومة المؤقتة ثم الحكومة الانتقالية عبرة , و لسمعنا عن رضوخ بعض أقطاب القوائم للإبتزاز الذي قالوا ان بعض القوائم تمارسه عليهم , أما الآخرون الذين قالوا انهم لا يريدون أن يتحملوا أمام الأجيال القادمة مسؤولية التنازل عن مصلحة الوطن فإنهم سيجدون من ينادي بضرورة حل الإشكال مهما كانت الصعوبات لأنهم يرون المهم أن تتشكل الحكومة أي حكومة , و سيرحبون بها ظنا أنها ستخرج بالوطن من هذا المأزق و من حالة الجمود الذي وضعته فيه المساومات .

فاصبروا وستنالون الهميان في آخر لحظة . و الله مع الصابرين .