على نفس الخطى ! !
د. عبدالكريم هاني
لو عاد اليوم غائب عن الوعي منذ عامين و تجول في بغداد لصدمته أحوال المدينة التي آلت الى الخراب لكنه عندما يفيق من تلك الصدمة سيجد أن الدنيا هي هي و ما زالت على حالها التي كانت عليها عندما فارقه وعيه ثم يبدأ باكتشاف التغيير الشكلي حين يجد أن الإسماء التي كان يعرفها قد تبدلت و كذلك بعض الوجوه ثم يميز الصور التي تملأ الشوارع اليوم و تغطي الجداريات التي أقامها المنافقون قبلا فيكتشف أن الوجوه قد ازدادت و ليس بينها ذلك الوجه , و يكتشف أن عدد الشوارع التي كانت محرمة قد تضاعف مرات و مرات و المناطق المعزولة قد اتسعت و أن لون البدلات التي كانت تعلن عن انتماء أصحابها ( الزيتوني ) قد تبدل , و إن كانت وجوه بعض من يرتديها لم تتبدل! كما لم تتبدل أساليبهم في زجر المواطنين و إرهابهم و إن كانوا قد زادوا على من سبقهم بالتهديد بالأسلحة الموجهة الى صدور العباد و التصرف في كل مكان و كأنهم أسياده , و صار مألوفا أن تطلق النيران عشوائيا إذا ما أخر ازدحام الشوارع موكب الطغاة الجدد .
و لتأكيد أن شيئا لم يتغير أعلنت الحكومة العراقية أنها ستتخذ اجراءات جديدة تسمح لها بمصادرة ممتلكات المتهمين بدعم من وصفتهم بالمتمردين ( أرجو ملاحظة كلمة المتهمين الذين تعتبرهم جميع الشرائع أبرياء حتى تثبت إدانتهم ) . . . هذا الإعلان يعيد الى الأذهان قرارات مصادرة الممتلكات التي كانت تصدر من ( مجلس قيادة الثورة ) الذي يعمل الورثة اليوم على استعادة أمجاده لأنفسهم و لمنظماتهم , تلك القرارات التي كانت تدين الناس على الشبهة و تعتبر المواطن مجرما حتى يثبت براءته, و نسجل لهم هنا أنهم لم يهددوا بتهديمها نسفا على خطى ذلك النظام و خطى سلطة الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة . كما أعلن الناطق باسم الحكومة أن ستتم إدانة أي شخص لا يبلغ السلطات عن أي تهديدات محتملة للأمن القومي ( و مرة أخرى أرجو أن تلاحظوا كلمة محتملة ) , و التي فرضت على كل مواطن للتخلص من الإدانة أن يتحول الى مخبر في أجهزة القمع المتعددة كالمخابرات و الأمن و الأمن الخاص و غيرها و هي القرارات التي بشرنا السادة الناطقون اليوم بأن الأسياد قد قطعوا آلاف الأميال لتخليصنا منها و إقامة مجتمع الحرية و العدل و سيادة القانون , فقد كانت سلطة المخابرات تعتبر من لا يبلغ السلطات عن أي تهديدات محتملة للأمن القومي شريكا في القضية و تعاقبه بنفس عقوبة الفاعل الأصلي .
و امتلأت السجون بأضعاف الأعداد التي كانت فيها قبل ( التحرير ) , و قطعت سلطة ( التحرير ) أشجارا أكثر مما قطع الذين قبلها , و هي ما زالت جادة في اللحاق بمن سبقها في عدد الضحايا سواء في المقابر الفردية أو الجماعية فاستطاعت في العام الأول أن ( تنجز ) ثلث ضحايا ذلك النظام خلال خمسة و ثلاثين عاما , و إذا كان ذلك النظام قد اتهم بإبادة حلبجة فقد تمت إبادة الفلوجة ثم القائم , و ما زالت قائمة المدن و القرى التي قال أحد قادة الجيوش ( الصديقة طبعا ) انها تستحق أن تنال درسا تنتظر دورها !