وفي الليلة الظلماء يفتقد جمال عبد الناصر

امير الحلو


عن الكاتب عادل بن حمودة عن الكاتب محمد حسنين هيكل انه قال:
دخل الرئيس الامريكي ليندون جونسون على بعض السفراء العرب في قاعة استقبال وزارة الخارجية في واشنطن، كانت مشاعر القلق تسيطر على الجميع بعد نكسة حزيران1967، وكان هناك تصور لدى بعضهم ان هذا اللقاء مع السفراء العرب الذين بقوا في واشنطن بالرغم من قطع العلاقات بين بلدانهم وامريكا، والرئيس الامريكي سيخفف من حدة التوتر، واعتبر السفراء العرب ان اللقاء مع جونسون مناسبة للتحدث معه والتعبير عن مشاعرهم ازاء العدوان الصهيوني ، لكن الدهشة سرعان ما استبدت بهم حين دخل جونسون وهو يمسك بوثاق من الجلد يقود به كلبه الذي يسبقه الى الدخول، ثم جلس وكانت بداية حديثه لـ(ذهولهم) موجهة الى الكلب (بيجل)قائلاً له بالحرف الواحد:(اسمع يابيجل حكاية رجل شرير تشاجرمع جاره الطيب متصوراً ان هذا الجار لا يستطيع الرد عليه ، ولكن الجار الطيب يابيجل استجمع كل قواه وضرب جاره الشرير لكمة قوية طرحته على الارض..له الحق يابيجل، اليس كذلك؟ لماذا يحق لأصحاب هذا الجار الشرير ان يشتكوا للآخرين؟
ماهو رأيك يابيجل؟، ثم قام جونسون وبيجل يسابقه، لقد كان كلبه الاثير الذي اهدته اليه صديقته اليهودية (ماتيلدا كريم).
سؤالي هل علينا ان نعتب على جونسون؟ للجواب عن هذا السؤال ننقل عن المصدر نفسه الحكاية الآتية التي نشرها هيكل في مقالته (بصراحة) يوم21نيسان1967.
*بعد ان قرر جمال عبد الناصر عقد صفقة سلاح (سوفيتية)  بعد لقائه في باندونج في نيسان1955بـ(شو آن لي) رئيس وزراء الصين، تقرر (اميريكاً) ان يأتي جورج الن مساعد وزير الخارجية الامريكية الى القاهرة وكان في جيبه انذار مكتوب من جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكية الى جمال عبد الناصر بوقف صفقة الاسلحة او التعهد بعدم تنفيذها والا..
وعندما وصلت (ملامح) الرسالة الى عبد الناصر طلب من وزارة الخارجية المصرية ان تبلغ (كيرمت روزفلت) المسؤول عن متابعة الموضوع في السفارة الامريكية بالقاهرة برسالة مصرية مضمونها:
1.ان الرئيس جمال عبد الناصر سوف يستقبل جورج الن.
2.ان الصفقة مع السوفيت اصبحت امراًواقعاً لا يقبل البحث او المناقشة خصوصاً مع اي طرف اجنبي.
3.ان مصر ليست مستعدة لسماع انذار اميركي فضلاً عن قبوله، واذا حدث في اثناء مقابلة جورج الن مع جمال عبد الناصر ان بدر منه ماقد يفهم منه ولو بالتلميح على انه انذار فأن الرئيس جمال عبدالناصر سوف يدق الجرس على مكتبه ويستدعي  تشريفات الرئاسة ويطلب منه ان يسحب جورج الن الى طريق الباب  مطروداً.
4. بعدها فان الرئيس جمال عبد الناصر لن ينتظر رد فعل اميركي ، بل انه سيقوم من جانبه بالاعلان الفوري عن قطع كل العلاقات مع اميركا.
وعندما دخلت طائرة جورج الن الاجواء المصرية اتصلت به السفارة الاميركية في القاهرة وابلغته قبل الهبوط بما يأتي: (ان الموقف  في القاهرة قابل للأنفجار ومن رأينا ان لاتظهر اي تلميح او تصريح من كلامك مع الصحفيين في المطار انك تحمل تهديداً او انذاراً الى عبد الناصر) ونفذ جورج الن النصيحة وسأل: هل يستطيع ان يطردني من مكتبه؟
اجابوه: نعم يستطيع .ذهب الى مقابلة عبد الناصر  ولم يخرج من جيبه رسالة دالاس المكتوبة مستعيضاً عنها برسالة شفهية قام هو باعدادها في حينه تتحدث عن الرغبة في تحسين العلاقات مع مصر وان لا تحدث مضاعفات من شأنها الاساءة اليها وخرج مساعد دالاس من مكتب عبد الناصر ..منكسراً.
*وعندما لم تسنح الفرصة لعبد الناصر ان يطرد مساعد وزير الخارجية الاميركية شاء القدر ان يتيح له الفرصة بعد تأميم قناة السويس وبدء استعدادات بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني لشن العدوان الثلاثي على مصر عام1956، فقد ارسلوا (روبرت منزيس ) رئيس وزراء استراليا على رأس لجنة  لتهديد عبدالناصر وبدا (منزيس) من لندن باطلاق تصريحات تتضمن التهديد والوعيد ، فرد عليه عبد الناصر بالقول:"لست مستعداً لقبول بغل استرالي يرسله ايدن لكي يخيفني" وعندما استقبل عبد الناصر الوفد يوم3ايلول 1956برئاسة منزيس قصد ان يقابلهم في مكتبه بصفتهم زائرين وليس وفد مفاوضات ، فقد جلس عبد الناصر على مقعده بينما وضعت امامه خمسة كراسي لممثلي الدول الخمس المشتركة في الوفد ، وبعد ان طالت المناقشات وتعقدت ركز منزيس نظره على وجه عبد الناصر وقال له: (ان عدم الوصول الى اتفاق هو الذي سيكون بداية المشكلات) ، وكانت نبرة التهديد واضحة في لهجة (البغل الاسترالي) فمد عبد الناصر يده ليغلق ملفاً كان مفتوحاً امامه وقال لمنزيس: يظهر لي اننا سنواجه مشكلات في كل الاحوال ، واذا كان كذلك فلنواجهها من الآن ونحن مستعدون لمواجهتها..انني قبلت التحدث معكم في مفاوضات حرة فاذا احسست بالتهديد فان واجبي يحتم عليّ ان اطلب وقفها، ووقف عبد الناصر مغادراً المكتب وسط محاولات منزيس القول بانه لم يقصد اي تهديد!
*يا ابا خالد ..  وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.