متى تتحرك الشرعية الدولية لاقتصاص من القتلة
البروفسور كاظم عودة في رحاب الله
بروفسور هيثم الناهي
كالعادة نترقب الأخبار السريعة المؤلمة عن العراق لنتعرف على مَن في القائمة التي
أعدوها دُعاة الاحتلال والناهيقن باسم قوات متعددة الأحقاد على العراقيين الأبرياء.
إذ من خلال تلك الأخبار المؤلمة التي لا بد يوما أن تزهق أرواحنا ألما وحسرة على ما
يدور ويفعل بأبنائنا وإبائنا يمكن أن نعرف مَن قد تم اغتياله أو اختفائه. هذه
العمليات التي لا يمكن أن نصفها تستهدف سوى السياسيين المناهضين لهم لحكم العراق؛
بقدر ما هي مؤسسة ومستهدفة كل الطاقات العراقية بكافة أطيافها. وأتوقع حتى الباعة
المتجولين نالهم قسطا من الأحقاد لإيمانهم بأرض اسمها العراق وحضارة يتصارع عليها
الأتقياء على مر العصور. وما بين هذه الهواجس وتلك الأحزان التي لم تنشف بعد
باغتيال مزهر ناجي الدليمي لاحت فاجعة أخرى في البصرة الفيحاء كان ضحيتها الأستاذ
الدكتور كاظم مشحوت عواد.
قد ببدو اسم الدكتور عواد اسما عاديا كبقية الأسماء والدكاترة الذين تم تصفيتهم ضمن
القوائم التي تستهدف ابناء العراق؛ ولكن الحقيقة المرة انه عالم غير العلماء الذين
نعرفهم. وللتاريخ ما حضرتُ مؤتمرا في السنوات العشر الماضية وما ألقيت محاضرة في
جامعة مهمة من جامعات العالم إلا وانبرى احد اللامعين وسألني هل أنت من البصرة؟
وحين أقول نعم يسألني ماذا تعرف عن الدكتور كاظم عواد؟. فالدكتور عواد في عقول
الغربيين الأكاديميين انه من المع النجوم في كيميائيات التربة وفصل نظائر الأتربة
وقد سجل أكثر من 56 براءة اختراع على مدى السنوات التي عمل فيها بهذا المجال. أما
عن البحوث فكان الكثير من العلماء يحس بالفخر إذا تمكن من إقناع الدكتور عواد من أن
ينشر بحثا معه. لأنه بالتأكيد سوف لا يرد البحث دون نشر؛ مهما كانت النتائج؛ وذلك
لعلم العلماء في هذا المجال لا احد يُعلى عليه.
لقد عكفت مؤسسات كثيرة على إقناعه بضرورة مغادرة العراق لقاء مبالغ باهظة جدا ليعمل
في معاهدها الكبيرة العلمية إلا انه كان يقول إن بلدي أحوج إلي ولعلي أن اعلم فردا
عراقيا بما لدي من معلومة بسيطة أهم من جنان أوربا. لقد عرفته إنسانا نبيلا لم يترك
فرضا من الصلاة إلا وأداها في وقتها وكان قليل الكلام وان تكلم؛ تكلم نظريات يمكن
أن تهدي جيلا لنتائج جمة. أما زهده في الدنيا يصل حد تفريق ما يملك من راتب على
المحتاجين من البصريين دون أن يشعرهم بذلك. وحين التقيت به أخر مرة قبل سنة ونيف من
الأشهر في البصرة الحزينة المتألمة شكا لي باكيا ما حل بأرض النخيل وما يعانيه
أشراف المدينة من حسرة وذل؛ واستطرد يقول لي اعتزلت الناس ولا أريد أن أكون طرفا في
ما يدور. إلا انه كان كثير ما يحز في قلبه ما مر بالعراق من ماسي ومن اضطهاد وصل
فيه حد البكاء حين كان يتكلم عن الإحداث المخزية.
كان استأذنا الفقيد يصرح علانية انه لا يود أن يدعم إلا من هو أهلا لها ومن
البصريين أنفسهم؛ لأنهم هم اعرف بمن يحيط به؛ فلذلك امتدت إليه يد الغدر لتقتله بدم
بارد وتطوى صفحات لامعة لإنسان كانت تتجسد في شخصه معاني الإنسانية والنبل والشرف
والعلم والتحضر والمستقبل. كان يحلم بأن يرى ارض العراق تزرع ذهبا وتنتج تمرا
ويلهوا أطفال العراق ببذرات الحب التي تطعمهم وتنشر في شخصهم أمنيات الحب والاحترام
فيما بينهم. كانت أحلامه للآخرين ولا وجود فيها لأحلامه لان حلمه كان حلم الآخرين.
كثيرا ما كان يحدثنا عن كيف يمكن أن نجعل من الأطفال أهزوجة للأفراح وأغنية
للمستقبل وإكليلا لعروسة هشمها الحزن أيام الدكتاتورية؛ وحرامها الاحتلال حتى من أن
ينار إليها فانوسا وليس زينة للاحتفال. هكذا عرفته وهو يدندن بين حين وأخر بصوت
رهيف هاديء تتراقص من اناسمه سعفات النخيل التي دمرها الحرب. فهو كان أكثر ما يحب
أن يسمح تراتيل حضيري أبو عزيز وهو " يقول: على درب اليمرون أريد اكعد ونادي؛ بلكي
أحبابي يمرون ما تكلي يا حداي" ثم ينهيها بزفرة مملوءة حزنا بقوله " إيه كلام ألي
راح ما يعود؛ ولكن ألي أنهدم ينبني".
كان كاظم من أكثر المعادين للذين ينهبون ثروات العراق النفطية وكان كثيرا ما يقول
"لا النفط يباع ولا الماء يهدر؛ والله لو كان بيدي لزرعت العراق نخلا بنخلا كي لا
نموت" وعلى الرغم من بساطة المعنى إلا انه فلسفة بحالها لأنها تحتوي في داخلها
منهاجا اقتصاديا كبيرا. فالنخلة كما وصفها رسول الأمة (ص) " أكرموا خالتكم النخلة"
لا منها التمر غيرها من مشتقات الحياة وأتوقع فقيدنا كان يهدف أن يبعد الاستعباد
عنا بسبب النفط لتبقى ديمومة الحياة في العراق حتى وان نضب النفط. هذا هو كاظم عودة
والله لو تكلمت كتبا عنه سوف لا يوفي مقامه العالي من الناحية العلمية والإنسانية
فلذا لا بد أن تنتفظ الإنسانية لعلمية المتحضرة لنعيه قبل أن ننعيه نحن. لأنه ساهم
مساهمة فعالة في بناء صرح علمي أساسي لبقاء الإنسانية ولكن يدا ليست إنسانية امتدت
لترديه مقتولا مقطعا مرميا في مكان بإحدى طرقات البصرة؛ لا لشيء سوى لأنه عالم يريد
أن يمد يدا العون لإعادة بناء بلاده بعد أن دمرته الحروب والاحتلال في وقت واحد.
السؤال المطروح إمام الحكومة العراقية وفصائل الإعدام التي تطال هؤلاء النخبة؛ هو
أنكم تدعوننا للعملية السياسية كما تسمونها وتدعوننا للديمقراطية السلمية كما
تصورنها؛ وبالتالي هل معنى ذلك تدعوننا لتقتلوننا بدم بارد دون نحيب وبكاء وعليل.
أما كانت المسؤولية الملقاة عليكم البحث عن الجناة التي طالت أياديهم إلى هؤلاء
الأبرياء. أنا على يقين أنكم تعرفونهم وإنهم منكم. تدعون أن المقاومة إرهابية ولا
تريد الجلوس معكم والدخول كما اسميتوموها بالعملية السياسية؛ وبالتالي هذا الشهيد
مزهر الدليمي يدخلها معكم بكل أمان وما إن حانت فرصة لكم حتى تمت تصفيته. فيا تُرى
كم منا انتم تريدون أن تقضوا عليهم ليكون العراق بأياديكم رهن إشارة الاحتلال.
قبل سنة بدأ مسلسل الاغتيال في لبنان وأقامت الولايات المتحدة الأمريكية الدنيا
وأقعدتها وفتحت تحقيقا دوليا وأصدر عنان قراراته التي لا نريد أن نسهب فيها لان
الكل يعرفها. ولكن نفس المسلسل وبأشراف أمريكي يظهر في العراق الا ان الدولة
والولايات المتحدة الأمريكية على حد سواء تتفرج. أما كان ينبغي لكوفي عنان أن يتدخل
ويفتح تحقيقا لما يدور في العراق من اغتيالات طالت الإشراف والنبلاء والأكاديميين
العراقيين دون سبب يذكر. في الحقيقة سوف لا يكون هذا ويبقى حلما نود يوما أن يتحقق
لسبب بسيط؛ لان حكومة الجعفري وشلة الإنس فيها تحاول تصفية الرموز الوطنية بكافة
الوسائل بنفس الصورة التي يقوم بها سميه شارون لانهما على نهج وعلى درب واحد. هذا
الدرب هو تفتيت العراق وإهانة العرب وتمزيق الإسلام وبقاء الاحتلال والالتزام به
كالعبيد.
الانتخابات التي يتشبثون بها لا لخدمة العراق؛ بل لغرض إنجاز ما يريد أسيادهم؛ وفي
الواقع الذي تتلوث يداه بالقتل لا يمكن أن يتركه لان القاتل لمرة واحدة لا يتردد في
ان يقتل شعبا وبالتالي سواء كان الجعفري أو جواد المالكي (نوري) لا يرعوون في أكمال
القائمة التي بحوزتهم والتي ستطال الكثيرين ما لم تتوجه الأنظار إلى المؤسسات
الدولية ومطالبتها بإيقاف نزيف الدم. هذا النزيف ربما سيطال حتى جهاز الكومبيوتر
الذي يشجب قتل العراقيين ويحرمه لان القتل أثما كبيرا. ولا ادري كيف يمكن لأحدهم أن
يغفوا ليلا ويداه ملطختان بالدماء.
كنا في المعارضة العراقية وهم معنا حديثنا عن القتل والاضطهاد الذي يعانيه الشعب
العراقي من جراء الدكتاتورية وكثيرا ما كنا نتحدث في هذا الموضوع ونحاول أن نجد حلا
لما يعانيه العراقيين. اليوم أضع الصورة أمامي وأقارن أحاديث كلا منهم في السابق
وبما يقترفه من جرائم طالت الأبرياء. فوصلت إلى نتيجة إن القتل هو هدف سياسي للوصول
والبقاء في السلطة. أما جراح الشعب ودمائهم لا احد يرعاها؛ المهم البقاء في السلطة
حتى ولو سالت دماء نصف العراقيين. وبهذا الصدد اذكر في ابريل من عام 1986م قال طه
الجزراوي سواء وقفت الجرب مع إيران أو لم تتوقف نحن لا نهتم إذا بقي من العراقيين
خمسة ملايين. يكفينا حكمهم. وبالتالي فأنا أرى إن هذه الأحلام لم يتمكن الجزراوي
والدكتاتورية من تحقيقها فأخذ جواد المالكي وإبراهيم الجعفري وصولاغ وسعدون الدليمي
وعلي الدباغ وحسين الشهرستاني على عاتقهم تنفيذ هذا الأمر. لأننا بإحصائية بسيطة
وفق ما نطق به خبيثهم الأكبر جورج بوش إذا كان في العراق هناك 30 ألف قتيل كل سنة
من جراء الإرهاب و70 ألف قتيل من جراء القصف الأمريكي و50 ألف قتيل من جراء التعذيب
والمعتقلات فإننا نرى انه خلال خمس سنوات سوف يكون العراق اقل من خمس ملايين.
وبالتالي فمن يحكمنا ألان لا يختلف دكتاتورية وقتلا وتهشيما واعتقالا عن ما كان
يعانيه العراقي أيام صدام وزمرته.
الواجب ألان أن ينهض العراقيون وان تساعدهم المؤسسات الدولية لفضحهم مثل ما تم فضح
بينو شت الأرجنتيني وميلوسفج الصربي؛ قبل أن ننتهي إلى كارثة لا مكن حسبان نتائجها.
ألان لا بد من تدخل المجتمع الدولي لخلاص العراق من مرتزقة لا يعرفون إلا القتل
والتهديد واستدراج الآخرين لقتلهم وتصفيتهم كي لا ينطق أحدا في المستقبل بعروبة
العراق وإسلام أبنائه وتبقى الساحة خاوية لهم. دعوة لكل الشرفاء لإنقاذ العراق من
همجية العصر بما تمليه عليهم الإنسانية وما يمليه عليهم التحضر ليعيش هذا الشعب في
أمان بعد أن اخذ القتل طورا من تاريخية الحضاري.
البصرة (13 كانون الأول/ديسمبر) وكالة (آكي) الإيطالية
للأنباء - عثرت الشرطة العراقية على جثة الدكتور كاظم مشحوت عواد عالم كيمياء
التربة العراقي المعروف ملقاة على قارعة الطريق. وأفاد مصدر في قيادة شرطة البصرة
أن الجثة تم العثور عليها مقطعة الأوصال وثبت أنها تعود للدكتور عواد الذي اختطفته
جماعة مسلحة بزي وسيارات شرطة قبل أيام من منزله. وتأتي هذه العملية ضمن سلسلة
العمليات التي تستهدف الأكاديميين في البصرة، وكان الدكتور عواد قد شغل منصب عميد
كلية الزراعة في جامعة البصرة إبان حكم نظام صدام، فضلا عن كونه احد ابرز العلماء
العراقيين والعرب في كيمياء التربة.