الاحتراف السياسي والمنتخب الوطني العراقي
بروفسور هيثم غالب الناهي


لأول مرة منذُ سقوط بغداد الحضارة والعروبة والإسلام بيد تتار العصر؛ تعتلي الفرحة شفاه العراقيين الشرفاء الذين اعتادوا على الفرح والحزن سوية. فبينما كانت تتنقل أفكاري وهواجسي في ساحة الملعب مع اللاعبين وهو يتراقصون بمهارة رغم انف من يريد إن يطمس شموخ العرب من عبيد اللاتي والعزى والدولار راح النشامى يسجلون أهدافهم لعبة بلعبة لتنطلق فرحة ويعلو صياح دون سابق إنذار "…… كول …. كول". ولعلنا كنا على الرغم من النشوة المفرحة التي تتوجت برفيف علم الله اكبر ليحرسهم جميعا من حسد الحاسدين؛ كانت السياسة حاضرة في خاطرنا. ولقد علمونا هؤلاء الجدد على السياسة العراقية والوطنية العراقية لا بد من أن يتقاسموا كل نجاحات يحققها الوطن لتنتهي بالفشل. فرغم تقاسمهم عرش الدكتاتورية إلا إنهم لم يتمكنوا من أن يحافظوا على العراق ليبقى في كيانه التربوي والاقتصادي والعسكري وغيرها من الأمور بما فيها الخدمية منها. هذا السؤال استوقفني ورحتُ اسأل نفسي هل هؤلاء السياسيين الحاكمين بعيدون عن نجاحات ابناء العراق. وهل تناسوا أن يتقاسموا المنتخب الوطني العراقي وتركوهم يلعبون الكرة دون محاصصة طائفية؛ فذاك احمد يرميها إلى صباح وعمر يداولها لعلي ونعيم يصدها للحفاظ على أخيه.
كانت لعبة تجسدت فيها القيم العراقية التي الأصيلة التي تعودنا عليها؛ لا تفرق بين طائفة ودين وبين عرق وأخر إلا بالمهارة وتحقيق النتائج. وبدا لي من أول وهلةً إن الساسة العراقيين لا يعبهون إلى الرياضة لكون السمنة قد أفرطت بهم وكانوا يتصورون حتى الرشاقة عند لاعبينا لا تنجد العراق بفوز لأنهم يفكرون بما تعطيهم سمنتهم من شهية وسمنة مقرفة. وبينما أنا مازلت في حلاوة الفوز وأحدث أطفالي عن الكرة العراقية وإنجازات أبنائها في السابق وكيف عادت بي الذاكرة إلى الستينيات والسبعينيات عندما كان العراق لا يمكن أن يخرج من دورة رياضية إلا وقد تصدرها؛ بينما أنا كذالك لاحت بسمة مختزلة على فمي خوفا على المنتخب الوطني؛ عندما بدأت تهاني السياسيين تنهال عليه بمناسبة فوزه. هذه التهاني جعلتني امتعض وأحس بالخوف على إبطالنا من المحاصصة الطائفية والتي بعضها بما لا يقبل الشك سوف تصب في ارتباطات دولية. ولو تعرض المنتخب إلى محاصصة وكان الدفاع من الائتلاف وحارس المرمى من قائمة علاوي؛ فسنكون بيد قرارات الساسة لحماية حارس المرمى. وما بالك إذا كان المهاجم مزيجا من الأكراد والتركمان وأراد احدهم أن يسجل هدفا ليكسب فيه سمعة شعبية فهل سيكون ساعده مهاجما من عرق أخر أم سيكون مدافعا عن الفريق المخاصم. متاهات ربما يائسة بائسة خلدت إلى فكري وجعلتني أفكر بهذا المستوى؛ ولكن لها دلالاتها الأساسية.
لعل من أهم دلالاتها هي أن تعاونوا واتحدوا سينجحوا ولكن أن تخاصموا وتفتتوا سنكون كالفريق الخاسر لمحاصصاته الطائفية. هذا اليوم نشهد نفس المزيج الرياضي ولكن على ساحة كبيرة ادرايوها ولاعبيها إضعاف ما كان نتوقع ولكن كلهم هجوم ودفاع وحراس مرمى على فريق واحد لا يمكن أن يدافع عن نفسه ونتائجهم تفتي لهم. فعلى الرغم من الحالة التي يصفونها بالديمقراطية إلا إنهم يريدونها دكتاتورية صارخة صارمة إما أن تنتخب قائمتهم وإما أنت فاجر فاسق يقام عليك الحد. إنها بالفعل بداية تفتيت العراق ووضع العراقيين بما فيه فريقهم الوطني في محاصصة سياسية تنتهي إلى تمزيقهم قانونيا.
النجومية مهمة جدا وممتعة كنجومية المنتخب الوطني العراقي؛ ولكن هناك نجوميات تحتاج إلى تدقيق لأنها هجومية شمعية بمجرد أن تلمس الحرارة تتمزق. ولعل من الأخبار السياسية المضحكة هو ما نراه من تسارع عقيم ما بين هذا وذاك من السياسيين الذين مازالوا يلعطون بساطيل الاحتلال. ولعل أهم مزحة عشتها في نهاية هذه السنة ولربما لا أجد أقوى منها بعد أسبوعين ونيف من الأيام هي زيارة احمد الجلبي إلى الشخصيات الدينية التي يحاول من خلالها أن يلصق طابع الشرف السياسي بواسطة التشبث بعباءتهم. وهو الشخصية التي لا تحب الدين ولا تؤمن به أبدا؛ فعلى مدى أكثر من اثني عشر سنة في لندن وهو بقربنا وبجوارنا كان لا يعرف أين القبلة ليصلي ولا أتوقع انه يعرف كيف يتوضأ وكم ركعة يصلي الفجر؛ ولو كان كذالك فهو مرشح ليخوض مسابقة برامج الأطفال مع الإذاعي العراقي القديم رحمه الله عمو زكي ولربما سوف يمنحه جائزة تكون إما سرقة بنك جديد أو إلصاق تهمة بشخص بريء أو اغتيال شخصية مهنية علمية مهمة بإيعاز من إسرائيل. .فمن العار أن يحاول أن يغسل شيئا من تاريخه المشكوك بأدائه الوطني والاجتماعي والأدبي بشخصيات دينية دون الاعتماد على نفسه. في واقع الأمر أتوقع إن الإنسان عندما يكون أصيلا هو أكثر الناس معرفة بشخصه وبمن يلف حوله من إخوان الصفا وخلان الوفا. إلا انه يعرف جيدا بأنه لا يمكن أن يرتقي أكثر مما كان عليه في الأردن والذي كان نهايته قصة مأساوية راح ضحيتها أكثر من 12 ألف مودع عراقي ضاعت أموالهم. فهذه التجربة قد كررها في العراق ونحن اليوم لا ندري في منصبه هذا ما يعادل كم بنك من بنك البتراء قد تم جنيه سرقة.
لقد حاول احمد الجلبي وشلته التي هي اقرب إلى شلة الإنس من شلة السياسة أن يعدد مناقبه فوجدها كلها مهانات لا يؤمن بها الشعب وسينتهي الانتخاب به لأصوات قد لا تسمح له حتى بالفوز بموقع واحد فقط. ونحن هنا لا نلوم فقط احمد الجلبي بل نلوم إبراهيم الجعفري ومعاونيه من قائمة الائتلاف لإعطاء الجلبي الباع الطويل في تشكيلة الحكم ليهدر ويبدد ما لذ وطاب إليه من الأموال التي تفوق عقودها الخمس ملايين والتي لا يمكن أن تسري إلا بعد توقيعه. فيا تُرى كم من هذه العقود هي حقيقية. ففي تقرير إلى لجنة تدقيق الكونكرس الأمريكي بعد إن فلَ بريمر من العراق مع زوجته التي دبرها إليه موفق ربيعي ومنحه منصب مستشار الأمن القومي لمدة خمس سنوات؛ تقول أن لجنة التحقيق والتدقيق وجدت أن هناك أكثر من 300 عقدا غير منفذ قد تم تسليم أمواله البالغة 8.8 مليار دولار. ويشير التقرير إن هناك تواطئا ما بين بريمر وعلي علاوي الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع واحمد الجلبي الذي كان عضوا في مجلس الحكم. كما إن لجنة البنتاكون للتحقيق المالي وجدت هناك أكثر من 3.49 مليار دولار قد تم احتسابها إلى 196 شركة وواقع الحال إن الأوراق المسلمة لحسابات 247 شركة متعاقدة. هذه السرقات كلها ورد فيها اسمي الجلبي وعلي علاوي؛ وإبراهيم بحر العلوم وموفق ربيعي وحيدر العبادي فكيف يمكن أن يحاسب الجعفري الفاسدين إداريا وهو يحميهم.
المثل العراقي حاميها حراميها ينطبق على الحالة ألان فكيف تمكن الجعفري من أن يقبل في حكومته مجموعة من اللصوص مثل علي علاوي وإبراهيم بحر العلوم واحمد الجلبي. فإذا كانت المحاصصة تحتم عليهم ذلك فنقول ما الذي يمنع أن تكون حتى السرقات محاصصة سياسية طائفية وألا لماذا هذا التمسك بالشخصيات الفاسدة والتي تحاول أن تحكم العراق لمدة أربعة سنوات أخرى. نحن هنا لا نريد أن يجيب إبراهيم الجعفري على سؤالنا بقدر ما نريد الناخب العراقي أن يجيب عليه على الرغم من إننا ضد أي حالة سياسية تحت مظلة الاحتلال الأمريكي التعسفي الهمجي. وإذا كان لا بد للعراقي من أن يختار فندعوه أن لا ينتخب السراق والفاسدين والذين يريدون أن يرموا العراق إلى الهاوية. لكي يبقى المنتخب الوطني العراقي دون المحاصصة الطائفية ليدخل في نفوسنا الفرحة مرة أخرى وفي كل دورة.