شكراً لعمرو موسى ومرحى للشيخ الضاري
هارون محمد
من جميع طروحات الاحزاب والاطراف والجماعات التي التقي قادتها ورؤساءها الامين
العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي في زيارته العراقية، تبقي اطروحة الشيخ
الدكتور حارث الضاري هي الارصن والاكثر وطنية وعمقاً، فهو أثار قضايا تهم العراقيين
بلا استثناء، ابتداء من تحديد جدول زمني مكفول دولياً لانسحاب القوات الامريكية
والمتعددة الجنسية من العراق، والاعتراف بالمقاومة الوطنية وادانة الارهاب واعادة
الجيش العراقي بعد تنقيته من المسيئين، وحل قضايا المعتقلين والمحتجزين في سجون
الاحتلال.
ولاحظوا ما تحدث به الاخرون ابتداء من ابراهيم اشقري جعفري وعبدالعزيز طباطبائي
حكيم وانتهاء بمسعود بارزاني وجلال طالباني، فقد أثبت هؤلاء انهم لا يمتلكون
برنامجاً وطنياً ينتشل العراق من محنته الراهنة ويقوده الي بر الامان والتقدم
والبناء، لان الاربعة وخامسهم الجلبي ببساطة شديدة، عراقيون بالاسم فقط، ولا تربطهم
بالعراق وشائح وصلات وارتباطات غير كسب الوقت لبسط النفوذ واللهف وتعزيز مواقع
المحازيب والمؤيدين والاقارب وابناء العشيرة والعائلة، وما بجري في مكاتبهم ومقرات
احزابهم وبيوتهم صفقات ومقاولات، قضايا لا علاقة لها بالعمل السياسي علي الاطلاق.
وعندما تختلف طروحات حارث الضاري عن تلك التي يطلقها الاخرون وخصوصاً الخماسي
الراقص علي اشلاء العراقيين، فان للنشأة والتربية والبيت والاسرة والحرص الوطني
والمسؤولية الاخلاقية والانسانية والسياسية، دورا كبيرا في تحديد التوجهات ورسم
السياسات واعلان المواقف والتصريحات، ولاحظوا مرة اخري هل جاء احد افراد الخماسي
اللئيم علي ذكر الاحتلال وما ينطوي عليه من قهر واضطهاد وتنكيل وتقتيل للعراقيين
يومياً وبالجملة؟ وهل سمعتم واحداً من هذه الشلة قد رفع صوته يحتج او يندد بما حدث
وما زال للعراقيين في الفلوجة والنجف والرمادي وبلدوزر وسامراء والموصل وحديثة
وبهرز وبعقوبة وكركوك والحويجة والقائم والكرابلة وتلعفر وبيجي والبصرة والزبير
وابو الخصيب والمسيب والحلة والاعظمية والمدائن وابو غريب والمحمودية واللطيفية
وجرف الصخر واحياء بغداد الدورة والسيدية والعامرية والمامون والعدل والغزالية
والبياع والمنصور والصالحية والمستنصرية والرحمانية والجعيفر وشارع حيفا وباب
المعظم والكرادتين مريم والشرقية، حيث تداهم البيوت الامنة، ويعتقل الناس، وترمي
جثثهم في الطرقات المهجورة بعد يوم او يومين! وهل تفوه احدهم بكلمة واحدة عندما
تنتهك قوات الاحتلال والوية صولاغي ووحدات ما يسمي بالحرس الوطني وميليشيات وزارتي
الدفاع والداخلية كرامات العراقيين وحرماتهم؟
وتصوروا ان صبية عراقية اصيلة، من اسرة وطنية عريقة في الفلوجة، اسمها (سارة)
تعتقلها القوات الامريكية مرتين في غضون اسبوعين بلا سبب او ذنب دون ان تتحرك
الغيرة في صدور الخماسي المستعرق وتذكير الاسياد الامريكيين بحرمة اعتقال صبية كل
ذنبها انها ابنة مناضل قومي وناصري معروف بنضاله الذي قاده الي الاعتقال اربع مرات
منذ عام 1968 وفي كل مرة يقضي في السجن ثلاث الي خمس سنوات.
طه خلف الجميلي والد سارة، قضي عشرين عاماً من عمره البالغ 58 سنة وهو وراء القضبان،
وكان بمقدوره وهو القومي والسني والفلوجي والجميلي ان يتنازل عن مبادئه ويخفف من
معارضته ويأخذ ما يشاء ويحصل علي ما يشتهي، ولكنه رجل، وتصوروا وهو الجامعي يعمل
سائقاً لشاحنة نقل عندما فصل من وظيفته دون ان يحني رأسه او يتخاذل، وكنت اذوب خجلاً
من عنفوانه عندما كنت أراه في العاصمة الاردنية التي كان يتردد عليها في منتصف
التسعينات قبل اعتقاله الاخير مطلع عام 1999 وقضي فيه اربع سنوات قاسية، وهو يتمدد
تحت شاحنته يصلح اطاراتها، وذات مرة وضعت في جيبه بالحاج ثلاثمئة دولار لشراء ادوات
احتياطية لسيارته، وجاءني الخبر من بغداد انه سلم المبلغ كاملاً الي اسرتي رفيقين
قوميين كانا معتقلين في ذلك الوقت.
هذا هو طه خلف الجميلي.. هل تحرك واحد من الخمسة الكبار واحدهم (طالباني) يعرفه
جيداً ويعرف سيرته النضالية وسأل مجرد سؤال، لماذا هو معتقل مع نجله الاكبر لدي
الامريكان منذ ثلاثة شهور، ولماذا تعتقل ابنته (سارة) مرتين في اسبوعين؟ بالعكس
فانهم يحقدون علي كل انسان عربي يتمسك بقوميته ويتشبت بعراقيته، ويحرضون الامريكيين
علي اعتقاله واضطهاد اسرته وعشيرته.
وثمة حادثة لها علاقة بموضوع اصالة العراقيين ونبلهم، اخبرني بها زميلنا القديم حسن
العلوي يوم امس، ومضمونها ان صحن الستلايات في بيت ابنته الكبري الذي ينزل فيه
للنقاهة من مرض القلب الذي تزايدت حدته عليه هذه الايام، اصيب بعطل فني، وتم
الاتصال برجل لتصليحه، وجاء الرجل وتبين انه عراقي وانهمك في عمله وانجزه علي خير
ما يرام وطلب أجرة ضئيلة، وتعجب العلوي من هذا السلوك الراقي كما وصفه هو، ودفعه
فضوله الصحافي للسؤال عنه وعن عائلته وتحصيله الدراسي وعمله الحالي، ففوجئ بان
الرجل حفيد الراحل الشيخ امجد الزهاوي مفتي الديار العراقية السابق، وانه خريج كلية
العلوم ووالده تربوي عمل ومات في صنعاء قبل عامين واسرته في الاعظمية تعيش مستورة،
وهو يعمل في لندن بمهنة اضطر الي تعلمها للعيش بكرامة.
ويقول حسن العلوي وهو في اندهاش: هل يعقل ان حفيد الزهاوي الكبير احد بناة العراق
الحديث يغادر عمله التدريسي واعظميته الجميلة للعمل مصلحاً للتلفزيونات والستلايت
في لندن؟ وقلت لحسن اريد أغاظته وهو الذي نظّر للشيعية السياسية ودافع عن مظلوميتها
المزعومة، وادرك متأخراً انه مهما فعل وكتب يبقي حسن العلوي البعثي وصديق صدام
ومستشاره في نظر عتاة الشيعة، نعم لأنه واعني به (فني التلفزيون والستلايت) رجل
أصيل وابن بيت محترم واسرة موقرة، وليس من طينة اولئك الذين يلهفون الزكوات والخمس
والتبرعات ويحولونها الي ارصدة وقصور وممتلكات وشركات في قم وطهران وبندر عباس
ولندن والشام ودبي، هذا هو الفرق بين العراقيين الاصلاء والمحسوبين علي العراق زوراً
وبهتاناً.
وعندما يطالب الشيخ حارث الضاري بحل قضايا المعتقلين الابرياء والاعتراف بالمقاومة
الوطنية ضد الاحتلال وادانة الارهاب واعادة الجيش العراقي فانه ينطلق من وطنيته
العراقية وقوميته العربية ودينه الحنيف، ولا يستطيع ان يعزل نفسه وهيئته عن نبض
الشارع والناس في العراق كما يفعل الاخرون الذين حصروا انفسهم في المنطقة الخضراء
بحماية وحراسة المارينز، فهذا الرجل حفيد ذلك الشيخ الثائر ضاري المحمود الذي شيعته
الحشود العراقية من سجنه الي مثواه الاخير في عشرينيات القرن الماضي بتلك الاهزوجة
الشعبية (هز لندن ضاري وبجاها) عرفاناً لجهاده الوطني وتقديراً لوقفته الباسلة ضد
المحتلين الانكليز، وهو ايضاً الاستاذ الجامعي والعالم الجليل الذي صمد بوجه النظام
السابق ورفض الضغوط التي مورست عليه، والاغراءات الكثيرة التي قدمت اليه، وغادر
العراق ليعمل مدرساً في الامارات ويعيل نفسه واسرته وهو شيخ (زوبع) القبيلة العربية
البارزة وصاحبة التاريخ المجيد، مردداً مع نفسه مقولة جده ضاري عندما تعرضت مضارب
ومنازل ومزارع وبساتين الزوبعيين في ابو غريب الي القصف والحرق والتخريب من القوات
البريطانية عقب مقتل احد قوادها الكولونيل ليجمن (هانت يا زوبع.. والصباح رباح)..
هذا هو حارث الضاري سجله ابيض ناصع وسيرته نقية وتاريخ اسرته كله جهاد وتضحيات، فمن
يعادله او يساويه من النكرات والمغمورين وشيوخ الحرب واللصوص ودعاة الفتنة وابناء
العصاة وطارقي ابواب البنتاغون والسي اي ايه والسفارات؟
ولاحظوا مرة اخري كيف قابلوا عمرو موسي وماذا اشترطوا عليه ليشاركوا في مؤتمر
للمصالحة الوطنية يسعي الرجل لعقده، وانصتوا جيداً لطروحاتهم اللاوطنية عندما يدعون
الي عزل المقاومة العراقية ضد الاحتلال ويصفونها بالارهاب رغم ان اسيادهم الامريكان
اضطروا مؤخراً الي تغيير صفة الارهاب عنها وراحوا يستخدمون مفردات المسلحين تارة
والمتمردين تارة اخري. ولاحظوا ايضاً اصرارهم علي ابعاد البعثيين وعددهم سبعة
ملايين انسان عراقي بين كادر وعضو ونصير ومؤيد حسب اعترافات المسؤولين الامريكيين،
مع ان احزابهم لو جمعتها بعضها علي كلها، فانها لا تشكل واحدا من مئة قياساً الي
البعثيين في احسن التقديرات، ولكنه الجزع والخوف علي كراسيهم وامتيازاتهم وارباحهم،
ادراكاً منهم بانهم مؤقتون ويريدون استغلال الوقت المتبقي لهم في السلطة للتربح
والانتفاع.
وتبقي مسألة اخيرة لابد من الاشارة اليها، وهي لا.. نجاح لمؤتمر مصالحة عراقية
والمقاومة الوطنية ضد الاحتلال لا تحضره، ولا جدوي لملتقي سياسي عراقي علي اي مستوي
لا يشارك فيه البعثيون وهم اكبر واوسع حزب جماهيري في العراق، هذه الحقيقة يعرفها
عمرو موسي وتعرفها الدول العربية ويعرفها ايضاً الامريكان. وعندما رحبنا بزيارة
الامين العام للجامعة العربية، فان ترحيبنا جاء وفق قضية واحدة هي التأكيد علي ان
العراق بلد عربي وجزء من الامة العربية، وزيارة عمرو موسي اليه تعزز هذه المفاهيم
التي يسعي مؤيدو المشروع الامريكي والصهيوني والايراني الي تبديدها كما ورد في
مقدمة دستورهم الذي مرر بالفرض الاجباري وزوروا نتائجه في العاصمة بغداد ومحافظات
الموصل وكركوك وديالي والديوانية والسماوة والبصرة لحد الان،كما تؤكد المعلومات
والشهادات الميدانية.
وشكراً للامين العام للجامعة العربية علي زيارته العراقية، ومرحي للشيخ حارث الضاري
علي طروحاته الوطنية.