هل كانت فاجعة جسر الائمة حدثا عابرا؟

هارون محمد

واهم من يعتقد أن قتل أكثر من ألف عراقي في فاجعة الأربعاء الماضي علي جسر الأئمة بين الاعظمية والكاظمية كان حدثاً عابراً أو عرضياً كما حاول وزير داخلية حكومة المنطقة الخضراء ببغداد باقر صولاغي تصويره بطريقة فجة استهان فيها بتلك الأرواح البريئة التي زهقت وأغرقت، ولم يحترم مشاعر الاف الأسر التي نكبت وفجعت، عندما راح (يخيط ويخربط) كما يقول المثل الشعبي العراقي، يساعده زميله في الحكومة وزير الدفاع المزعوم الذي تحول إلي مستخدم لدي وزير الداخلية ينفذ تعليماته ويهز رأسه مؤيداً تصريحاته وموافقاً علي تبريراته العقيمة، واستنتاجاته التائهة.
فقد ثبت من خلال إفادات شهود عيان وناجين ومسارات الكارثة أن العملية مدبرة وليست قضاء وقدراً، كما حاول صولاغي والجعفري وطباطبائي وشهرستاني تسويقه للجمهور العراقي، والأخير عمد إلي تطيير جلسة للجمعية الوطنية طلب عقدها النواب المحسوبون علي الخط الصدري لمحاسبة وزراء الداخلية والدفاع والأمن الوطني وفضح ألاعيبهم.
وتكشفت أبعاد الفتنة التي سعي ائتلاف العجم والهنود والأذربيجانيين إلي إشعالها بين العراقيين من زوار المشهد الكاظمي وأهل الاعظمية، وتفجير حرب أهلية يكون ضحيتها الاف بل ملايين الأبرياء، ولكن الذي حدث من تعاطف وتلاحم بين الطرفين أذهل الشعوبيين والصفويين وفوت مؤامرتهم السوداء، فقد اندفع (المعاظمة) وهي التسمية الشعبية لسكان الاعظمية لإغاثة إخوانهم زوار الكاظمية وراحوا يقدمون الإسعافات ونقل المصابين إلي مستشفي النعمان، وتطوع شباب غامروا بحياتهم من أجل إنقاذ غرقي سقطوا من الجسر إلي مياه دجلة ونجح شاب اسمه عثمان علي العبيدي وحده من إنقاذ ستة رجال وأطفال، وقدم نفسه فداء وهو يحاول إخراج سيدة طاعنة في السن من أعماق النهر، فانتقل إلي جوار ربه شهيداً مصاحباً ألف شهيد راحوا ضحية إجراءات صولاغي وعسف أجهزته الأمنية والشرطوية التي لا تحسن غير التنكيل بالمواطنين وخطفهم وقتلهم.
وفي حسبة بسيطة منذ أن شكل ابراهيم اشقري (الجعفري) حكومته الانتقالية وفيها صولاغي وزيراً للداخلية يفزع المراقب والمتابع للشأن العراقي من حجم الخسائر التي لحقت بالعراقيين حيث ارتفعت معدلات الاختطاف والقتل إلي درجات خطيرة والحكومة منتشية في المنطقة الخضراء دون أن يكترث وزراؤها ومسؤولوها إلي معاناة المواطنين والويلات التي يكابدونها يومياً.
وعندما يطالب وزير الصحة الدكتور عبدالمطلب محمد وهو من الخط الصدري باستقالة صولاغي ورفيقه الدليمي، فانه ينطلق من جملة معطيات تكشف تواطؤ الاثنين في وضع حواجز كونكريتية ثقيلة في وسط الجسر الذي تعرض إلي ضربات صاروخية من الطائرات الأمريكية في حرب ربيع العام 2003 دون تصليحه طيلة العامين المنصرمين، والسماح للمشاة بالسير والمرور علي حافتي الجسر يميناً وشمالاً بممرين ضيقين احدهما للنساء والأطفال والثاني للرجال مع أن اسيجة الجسر من الناحيتين كانت هشة وآيلة للسقوط، وهذه الحقيقة تعرف بها أجهزة صولاغي الذي برر الكارثة بكلام لا يصدقه عاقل عندما قال ان الجسر لم يتحمل تلك الحشود الهائلة مع أن مسؤوليته الوظيفية علي الأقل وليس الإنسانية تقتضي منه منع المرور عليه وإغلاقه وإعلان مبررات ذلك علي الجمهور قبل يوم أو يومين من المناسبة الدينية.
ان وجود باقر صولاغي علي رأس وزارة الداخلية وإشرافه علي ألويتها وقواتها وأجهزتها واغلب عناصرها من ميليشيات بدر الإيرانية التأسيس والتسليح والتدريب، وامتناعه عن تقديم استقالته لإفساح المجال لشخص كفؤ ونزيه وغير مسيس يتولي الوزارة بدلاً منه يعني أن قوات الاحتلال ورديفها المجلس الأعلي الذي ينتمي إليه صولاغي متفقان علي منهج الاستمرار بالتنكيل والتقتيل الذي يطبق علي العراقيين يومياً، ومواصلة نشر الفوضي والخراب في العراق وتنفيذ أجندة الاحتلال بحذافيرها وخاصة فيما يتعلق بإشاعة الفتنة الطائفية والفرقة بين المواطنين، ومما يؤكد ذلك التمسك به والإصرار علي بقائه في وزارة حساسة ومعنية بأمن البلاد واستقرارها وهو الذي لا يفهم في شؤونها وأمورها، وكل معلوماته عنها إنها وزارة تعطي لمن يشغلها صلاحيات الاعتقال والاغتيال والابتزاز وتلقي الرشاوي ومشاركة المحتلين ومعاونتهم والدلالة لهم في الكيد للوطنيين المناهضين للغزو والمعارضين له.
وعندما يدافع ابراهيم اشقري (الجعفري) عن وزيريه صولاغي والدليمي ويشيد بإدائهما وحسن خططيهما ومتابعتهما لكارثة جسر الأئمة التي نكبت ألف أسرة عراقية، فانه يدافع عن نفسه لأنه مسؤول بالتضامن معها ويدرك أن النداءات والضغوط التي تطالب باستقالتهما وطردهما من وظيفتهما تنعكس عليه لاحقاً لذلك فهو يريد الإبقاء عليهما في حكومته التي تشبه عربة متهالكة يجرها حصان هزيل تائه في الطرقات والدروب، لضمان بقائه هو علي رأس هذه الحكومة العوراء في نظرها والعرجاء في سيرها، وإلا ما هي الكفاءة التي يتمتع بها صولاغي في وزارة الداخلية، والأحداث في العراق ومنذ تسلمه الوزارة في تصاعد وتوتر واحتقان وارتفعت أعمال العنف والقتل والاختطاف إلي معدلات رهيبة خلال الشهور الخمسة الماضية، وتحولت قوات وألوية الوزارة التي يفترض بها حماية الأمن في العراق إلي مافيات للسلب والنهب والتهديد والإرهاب، وتصوروا بلداً شرطته من اللصوص والنشالين والقتلة كيف يكون مستقبله ومصيره؟!
لقد أدرك الصدريون أن جريمة الجسر لم تكن قضاء وقدراً كما حاول صولاغي تصويره وإنما عملاً مدبراً، وهذا ما أشار إليه مكتب العلاقات الخارجية في مكتب الشهيد الصدر، موضحاً ان ارقام الشهداء والجرحي والغرقي تكفي لإثبات أن الحادث كان مدبراً ومخططاً له من حيث الزمان والمكان ، فاختيار الزمان كان بدقة لحصد اكبر عدد ممكن من الضحايا العزل الأبرياء نتيجة الزحام والتجمع وفي هذه المناسبة الخاصة لإثارة أكثر من مشكلة وإصابة أكثر من هدف، وطالب البيان الصدري بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتقصي الحقائق حول الحادث وملابساته وأسبابه كما طالب العراقيين بالامتناع عن التصويت علي مسودة الدستور في منتصف الشهر المقبل إلي أن يتم حسم هذه القضية والغريب أن رئيس الحكومة استجاب لهذه المطالبة بتشكيل لجنة للتحقيق ولكن ليست مستقلة كما أرادها تيار الصدر، وإنما حكومية ومن مسؤولي وزارتي الداخلية والدفاع، علي طريقة (تريد غزالاً.. خذ أرنباً).
إن الجرائم والانتهاكات التي تقترفها حكومة الجعفري ووزارة صولاغي ضد العراقيين دون استثناء تقود إلي حرب أهلية لا مفر منها فلا يمكن للمواطنين أن يسكتوا طويلاً وهم بين مطرقة قوات الاحتلال وسندان أجهزة صولاغي، ويواجهون الموت كل ساعة علي مدار اليوم، ورئيس الحكومة محتم في المنطقة الخضراء بحماية الأمريكان واغلب وزرائه منصرفون إلي البزنس والعمولات عن مقاولات وهمية ضمن ما يسمي بحملة إعمار العراق التي تحولت إلي حملة خراب العراق، حتي ان وزراء التحالف الكردي راحوا يجتمعون ويتشاورون فيما بينهم لمواجهة ما يحققه وزراء الائتلاف الشيعي من مكاسب وامتيازات أكثر منهم.
إن استمرار حكومة الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي في التحكم بمصائر الناس وارتهانها بالكامل لأجندة ومشاريع الاستعمار الامريكي يعني المزيد من الضحايا والشهداء والاعتقالات والاغتيالات والمداهمات وحصارات المدن والتخريب والتدمير والازمات، وهذا يستدعي من العراقيين ان يواجهوا التداعيات الراهنة من خلال تطوير معارضتهم لهذه الحكومة التفريقية ومقاومتهم للاحتلال، والانتقال إلي مرحلة الرد الوطني الحازم والسريع بكل أشكاله، كرسالة تحد تقول لوكلاء الامريكان اخرجوا من العراق الان الان وليس غداً.. والا فأنكم علي مواعيد لا يعرف الا الله ما تخبئه لكم وانتظروا!