مطلوب وقفة عربية جادة لانقاذ العراق العربي
هارون محمد
 

رغم انها جاءت متأخرة كثيراً، وبعد ان وقع الفأس بالرأس كما يقولون، إلا ان تصريحات وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل حول الاخطار المحدقة بالعراق جاءت واضحة ومحددة ومحذرة في آن، خصوصاً وانها تأتي علي لسان مسؤول رفيع المستوي في دولة عربية مجاورة للعراق، عرفت في السابق بممارسة الانتظار الممل حتي يفوت الحدث، لتعلن رأيها او موقفها.
فالنار التي تحرق العراق اليوم امتدت شظاياها الي دول المنطقة، السعودية والكويت تحديداً وبقية بلدان الخليج العربي كمرحلة اولي، ومنذ اكثر من عامين ونحن نكتب ونصرخ بعالي الصوت يا عرب.. العراق يواجه مؤامرات لتقسيمه وتحويله الي مقاطعات واقاليم وفدراليات وكيانات هزيلة وضعيفة ومتحاربة وتصدير هذا النموذج الذي تسميه امريكا والصهيونية بـ(الديمقراطي) الي دولكم في مرحلة ثانية، والجميع ساكت يلتزم الصمت ويتابع المشهد السياسي العراقي وكأنه واحدة من المسرحيات الكوميدية الضاحكة، باستثناء تصريحات خجولة ابداها الامين العام للجامعة العربية الاستاذ عمرو موسي سرعان ما خفت وتلاشت.
وعندما قلنا ان ايران الشيعية الصفوية وبتواطؤ امريكي مفضوح نجحت في اختراق العراق سلماً، وهي التي فشلت في تصدير ثورتها المزعومة حرباً، بعد ان بذل العراقيون شلالات من الدم الطاهر وتضحيات جسام اجبروا قادتها السابقين والحاليين علي تجرع السم، وحاربوا ببسالة دفاعاً عن الجناح الشرقي للأمة العربية وحموا الخليج وشعبه وسواحله ونفطه، كان بعض المسؤولين العرب في الخليج يستخف بما نتحدث به ونحذر منه، وبعض آخر في دول أخري اتهمنا بعد ان يلوي لسانه بالقومجية تارة، والتباكي علي النظام السابق تارة اخري، ونحن الذين عارضنا سلطته الجائرة وسياساتها الدكتاتورية منذ اليوم الاول لانقلابه في تموز (يوليو) 1968، بينما اغلب الذين يتصدرون المواقع الرئاسية والوزارية والحكومية والعسكرية اليوم، هم اما من اتباع النظام السابق او من المتحالفين معه او المستفيدين منه سياسياً او مادياً او وظيفياً، ونتحدي جميع المسؤولين من جلال طالباني ومسعود بارزاني وابراهيم الجعفري وعادل عبدالمهدي واياد علاوي واحمد الجلبي وعبدالعزيز الحكيم وغازي الياور وعدنان الباجةجي نزولاً الي هوشيار زيباري وباقر صولاغي وسعدون الدليمي ووفيق السامرائي وأصغر وزير وسفير، ان يكون قد مر طوال عمره علي مخفر شرطة او أمن في العراق للتحقيق معه حول نشاطه السياسي، او نزل ضيفاً لساعات في سجن او معتقل سياسيين، هذه حقيقتهم ندمغهم بها بالوقائع والاحداث والتواريخ.
لقد قلنا ونكرر القول ان المشروع الامريكي الصهيوني في العراق يلتقي مع مشتركات ايرانية لتجزئة العراق وتفتيته، والا ما معني حل الجيش العراقي والغاء الشرطة وقوي الامن الداخلي والاجهاز علي البقية الباقية من البني التحتية، وما هو الهدف من تفكيك اكثر من ألف ومئتي مشروع صناعي وزراعي وعسكري واقتصادي من ضمنها مئة وستون مصنعاً تابعاً لهيئة التصنيع العسكري يمكن بتحويرات فنية بسيطة تحويلها الي مصانع انتاجية وخدمية مدنية، وهل من المعقول ان يقف العراقي ساعات طويلة تصل الي اثنتين وسبعين ساعة ليحصل علي ثلاثين لتراً من النفط والوقود، بينما يتباهي وزير النفط ابراهيم بحر العلوم ويصرح بزهو ان وزارته نجحت في رفع معدلات النفط العراقي للخارج الي حوالي مليوني برميل يومياً، دون ان يقول الي اين صدر.
ان تصريحات الفيصل وتحذيراته من النتائج الوخيمة التي ينتظرها العراق والمنطقة العربية، يجب ان تجسد علي الارض كسياسات واجراءات بلا دبلوماسية او مجاملات، فما يحدث في العراق الان مجرد تدريب لما سيحصل في دول عربية مجاورة للعراق او بعيدة عنه، اذا لم تتحرك القيادات العربية وتعمل علي وقف الخراب والدمار المتسارعين في هذا البلد العربي العريق، ومطلوب من الملك عبدالله بن عبد العزيز الذي عرفناه رجل صدق وعروبيا أصيلا، ان يدعو الي قمة عربية عاجلة يشترط مسبقاً وعلناً ان يحضرها قائد ثورة الفاتح العقيد معمر القذافي بنفسه وهو الرجل الشعبي والثوري والقومي، وطي صفحة الخلاف الثنائي الذي لا يستحق ان يبقي ويستمر، وان تكون القمة مفتوحة الجلسات وتبث علي الرأي العام مباشرة بلا سرية او تعتيم، حتي يطلع أبناء الامة علي كلمات ومداخلات القـــادة العرب وتناقش موضوعاً واحداً فقط هو: العراق ثم العراق، مع عدم دعوة جلال طالباني او ابراهيم الجعفري او هوشيــار زيباري اليها، لأن هؤلاء وغيرهم يتحكمون بالعراق ليسوا عرباً ويعادون العروبة والعرب، ويريدون انهاء الدولة العراقية الي الابد.
ان الدول العربية يجب ان تعي جيداً ان مواقفها المتفرجة علي نزيف الدم العراقي وعدم الاهتمام بالمشاريع الكارثية التي يتسابق المتآمرون الانفصاليون والطائفيون علي تنفيذها في العراق صفحة بعد صفحة، تعنيها هي في مرحلة لاحقة، اليوم العراق وغداً السعودية وسورية والاردن ولبنان وبلدان الخليج، وبعد غد مصر وليبيا واليمن وهكذا، لذا فان المسؤولية الوطنية والقومية والانسانية تفرض علي كل رئيس او حاكم عربي او صاحب قرار ان يبادر ويقول لامريكا: لا لما تقومين به في العراق، ولا لسياسات بوش المدمرة في العراق، ولا لمشاريع ديك تشيني ورامسفيلد وشلة البنتاغون في العراق، بغض النظر عن مستوي العلاقة مع الادارة الامريكية وحجمها، فمهما يبلغ الصلف الامريكي فانه لا يقدر علي مواجهة عشرة اصوات او عشرين صوتاً رصيناً وقوياً وصادقاً، فامريكا دولة مصالح اولاً وأخيراً، وتفكر بمستقبل هذه المصالح وتخطط لاستمرارها وديمومتها الي ثلاثين اربعين سنة مقبلة، وبالتالي لا يمكن لدولة امبريالية ان تخرب علاقاتها مع عشرين دولة عربية مرة واحدة او علي دفعات، ولاحظوا تركيا الدولة العضو في حلف الناتو والحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الامريكية، كيف تتصرف مع واشنطن بإرادة وطنية، وهي التي قالت لها دون مواربة او تردد: لا لمرور القوات الامريكية عبر الاراضي والاجواء التركية لغزو العراق، في الوقت الذي ترتبط الدولتان باتفاقيات ومعاهدات دفاعية واستراتيجية مشتركة، بينما الجامعة العربية التي تسمي ببيت العرب تسمح لانفصالي يشتم العرب صباح مساء ويحرض عليهم، بحضور اجتماعاتها وجلساتها والاحتفاء به، رغم ان كل العرب يعرفون ان من وضعه علي رأس الدبلوماسية العراقية وتمثيل العراق العربي في المحافل الخارجية كان بقصد إذلال عرب العراق واهانة الدول العربية، والا كيف يصح لدولة عربية هي جزء لا يتجزأ من الامة العربية تأريخياً وإجتماعياً ان يكون وزير خارجيتها من الاقليات وحزبي وبيش ميركة، مرجعيته رئيس حزبه وشيخ عشيرته وليس العراق العربي صاحب مواقف العز والفخار منذ وجد وارتقي زعامة العالم منذ ألف عام ومازال يبذل ويعطي ويقاوم، ولاحظوا تصريحاته في نيويورك في التأليب علي سورية وتحريض الامريكان عليها، فهل يعقل ان يصدر مثل هذا الكلام من وزير خارجية دولة عربية فعلاً؟ أم انه صوت آخرين يتربصون بالعروبة والعرب، وصدي لما يتحدثون به في الدهاليز والصالات والاقبية المغلقة.
كان علي عمرو موسي ان يمنع حضور هذا الانفصالي المعادي للعرب من المشاركة في اي اجتماع للجامعة منذ تعيينه من قبل الملعون بريمر وزيراً للخارجية، حتي لو فقد منصبه كأمين عام، ويكون بذلك قد سجل موقفاً تأريخياً يكون عبرة ودرساً لكل من يتطاول علي عرب العراق والدول العربية، والسيد موسي علي خطأ ايضاً عندما اقتنع بان تثبيت مادة في مسودة الدستور تقول بان العراق بلد مؤسس للجامعة بدلاً من الفقرة التي ظلت موجودة لثمانين سنة في جميع الدساتير العراقية الدائمة والمؤقتة (العراق جزء من الامة العربية)، فالجامعة مؤسسة عربية ليس الا، بينما الفقرة التي شطبها الأكراد والعجم والاذريون والهنود والافغان، تعني الهوية الحضارية والثقافية والاجتماعية القومية للعراق، وتعني ايضاً ان العراق عربي الوجه والتوجه والتأريخ والجغرافيا، وان عرب العراق الذين يشكلون 83 بالمئة ارضاً وسكاناً من البلاد هم امتداد للعرب من الخليج الي المحيط، ومن الموصل وحلب الي مسقط وعدن، لذلك مطلوب من الجامعة العربية والدول التي تمثلها ان تعلق عضوية الحكومة العراقية الحالية فيها، وتمنع ممثليها من المشاركة في اي فعالية عربية ولا تسمح لهم بالحضور حتي بصفة مراقب، الا بعد تغيير المادة المتهافتة الحالية من الدستورالذي سيمرربالقوة والاكراه، واعادة الفقرة السابقة بان العراق جزء من الامة العربية، لأن وجود هذه الفقرة بالذات من شأنه ان يعيق السعي المحموم الي تصنيف عرب العراق الي سنة وشيعة، وقد يعرقل تقسيمه الي دولتين او كيانين كما يطمح الانفصاليون والطائفيون.
من هنا فان الموقف الحازم الذي يجب ان تتخذه القيادات العربية في المرحلة الراهنة، يتمثل في عدم دعوة وفد من العراق الامريكي الي القمة اذا انعقدت، لان العراق اليوم ليس عراقاً حقيقياً وانما عراقا مزيفا، وليس عراقاً عربياً بل هو عراق يتصدره قادة ميليشيات وشيوخ حرب، جاءوا للنهب وتدمير العراق وتخريبه وفصمه عن حاضنته العربية وتشويه ثوابته الاسلامية بالخرافات والغيبيات، وكل ذلك ضمن برنامج مرسوم ومرتب، في واشنطن وتل ابيب وطهران، فهل ينتبه العرب قبل فوات الآوان، أم انهم ينتظرون المصائب الآتية، ثم يجلسون يبكون علي بلد عربي ضاع وانتهي، دون ان يبادروا ويتحركوا لمنع سقوطه وانهياره.
اللهم.. قلنا كلمتنا ونعيدها ونكررها ولا نملك غيرها.. فهل يسمعها عربنا، الآن الآن وليس غدا..؟!