تصاعد الخلافات بين الطالباني والجعفري
هارون محمد
ماحصل بين جلال طالباني وابراهيم الجعفري من خلافات وتبادل اتهامات وصلت الي رسائل
التهديد والتنديد، حول احقية اي منهما بتمثيل العراق في اجتماعات الجمعية العمومية
للامم المتحدة، يؤكد مرة اخري ان أعوان الاستعمار الامريكي وأدلاء قوات الاحتلال
والمتعاونين معها سياسياً واستخبارياً وخدمياً، لا يصلحون لقيادة البلاد او اشغال
المواقع القيادية فيها، لانهم يفتقرون الي مواصفات رجالات الدولة وأبرزها الكفاءة
والنزاهة والاقتدار علي تجاوز الصغائر والشخصنة والمصالح الذاتية والحزبية
والفئوية.
وعندما يجادل طالباني رفيقه رئيس الحكومة الانتقالية بان منصبه كرئيس للجمهورية
يمثل رمز العراق وعنوان سيادته ولابد ان يكون هو لا غيره من يرأس الوفد العراقي الي
نيويورك، ويلقي كلمة العراق في الاجتماع الاممي، فانه ينسي ان تصرفاته وسلوكه
وتوجهاته منذ ان وضع في هذا المنصب لا توحي علي الاطلاق بانه رمز للعراق، او عنوان
لسيادته، لأن الرموز الوطنية والقومية والتأريخية في كل زمان ومكان تترك بصمات
واثاراً وأمجاداً تخلدها وتلوي الاعناق طواعية نحوها، وتستقطب جمهوراً ومريدين
وانصاراً لحسن أدائها ومحمودية مواقفها في كل مجال وميدان، في الحكم او خارج الحكم،
في الحزب والشارع والوظيفة والمجتمع، وعندما تعثر او تخطأ، تكون سباقة في الاعتذار
وتحمل المسؤولية، هذه هي مقومات الرمز الوطني والقومي والتأريخي، فأي منهما ينطبق
علي الفريق الامريكي من رؤساء ووزراء وقادة احزاب ودكاكين، وكابتن الفريق الحالي
زلماي خليل زاد يستطيع باشارة من اصبعه تغيير مواقع افراد الفريق من مواقعهم الي
اخري دون نقاش؟!
وفي الحالة العراقية الراهنة فان الرمزية تنتفي وبالكامل عن رئيس او مسؤول بمستوي
عال، يظل متشبثاً بموقعه الحزبي السابق، وما يزال يعتقد انه في المعارضة ولا يصدق
انه في السلطة بغض النظر عن صوريتها وهشاشتها، فالمكانة لها قيم، والمنزلة لها
أعراف وتقاليد، ومن يتمعن في تأريخ العراق الحديث لابد ويتوقف عند شخصيات في الحكم
او المعارضة ابتداء من الملك فيصل الاول ونجله غازي مروراً بياسين الهاشمي
وعبدالمحسن السعدون وناجي السويدي ومحمد رضا الشبيبي ونوري السعيد ومحمد فاضل
الجمالي وصالح جبر ورشيد عالي الكيلاني وانتهاء بفهد وكامل الجادرجي ومحمد مهدي كبة
وحسين جميل ومحمد حديد وصديق شنشل وفائق السامرائي وفؤاد الركابي ويونس السبعاوي
وعبدالجبار الجومرد وسلام عادل وابراهيم احمد وباسل الكبيسي وطلعت الشيباني
وابراهيم كبة وعبدالرحمن البزاز، اختلفنا معهم ام اتفقنا، ولكنهم كانوا رجالاً يشار
اليهم بالبنان ويفرضون احترامهم لدي خصومهم قبل اصدقائهم، فأين هؤلاء من متصدري
المشهد السياسي العراقي اليوم؟
وفي تأريخ الجندية العراقية الحديثة، ظهرت اسماء لامعة احترفت العمل السياسي فبرزت
وتألقت من جعفر العسكري وصلاح الدين الصباغ وطه الهاشمي ونجيب الربيعي، الي
عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف وعبدالوهاب الشواف وطاهر يحيي وناجي طالب وصبحي
عبدالحميد واحمد صالح العبدي وعبدالعزيز العقيلي وعبدالجبار شنشل، فاين هؤلاء من
الذين تسلقوا علي وزارتي الدفاع والداخلية بسلم امريكي، احسن واحد فيهم لايصلح
مراسلاً عند آمر فوج عسكري.
وعندما تتطلع الي وجوه من يسمون باعضاء الجمعية الوطنية وتتابع حركات واحاديث
اغلبهم من الرئاسة الي اخر صف في القاعة، تقفز الي الذاكرة صورة مقهي شعبي في علاوي
الحلة يرتاده المتعبون والمتقاعدون وعابرو السبيل، يشربون الشاي ويتجادلون ويثرثرون
في كل شيء ثم يسرعون الخطي نحو بيوتهم حتي لا يفوتهم موعد الغداء.
وفي احيان كثيرة تتحول جلسات الجمعية الوطنية التي تسمي وياللعجب بـ(البرلمان) الي
(سوق هرج) أو (كراج النهضة) حيث ترتفع الاصوات المخنوقة والمبحوحة بكلام لا تفهم
اوله ولا اخره، وابتسامات صفراء تخفي نوايا شريرة، وتصريحات تضحك وتسلي في اوقات
الفراغ، بينما تنظر الي وجوه العضوات البرلمانيات فتجدهن صورة طبق الاصل عن
(الدلالات) من أمثال (أم ستوري) الشخصية الكاريكاتيرية للفنان المرحوم فاضل عباس،
او (عدادات) في التعازي والمواليد، ورحم الله تلك النسوة العراقيات الخالدات، أمينة
الرحال وصبيحة الشيخ داوود وعاتكة الخزرجي وروز خدوري واسيا وهبي وسعاد خليل وليلي
العطار، والرحمة تنصرف ايضاً الي من تبقي منهن علي قيد الحياة وهن في زوايا النسيان
والاهمال لانهن مبدعات من نازك الملائكة ونزيهة الدليمي والدكتورة لميعة البدري
وابتهاج الالوسي ولطفية الدليمي وامل الشرقي وابتسام عبدالله ولميعة عباس عمارة
وحميدة سميسم ومائدة نزهت وعفيفة اسكندر وانوار عبدالوهاب وسعاد العطار وبتول
الفكيكي والحشد الكبير من السيدات اللامعات في الادب والثقافة والفنون والمدارس
والجامعات، واصغوا جيداً للصلوات التي يرفعها الملالي والمعممون في الجمعية عندما
يلقي عبدالعزيز طباطبائي كلمة او خطاباً، ولاحظوا النبرة والالفاظ وكأنها تنطلق من
حسينية في قم وليس في بغداد والنجف، فلا يمكن لعربي ان يلفظ الصاد سينا، ولا الحاء
هاء، كما يحدث في الجمعية الوطنية الموقرة (سلوات علي مهمد وآل مهمد سلوات)! وبعد
ذلك يطلع واحد من الشلة اياها ويقول عن اعضاء الجمعية انهم منتخبون من الشعب، دون
ان يتذكر ان المرحوم نوري السعيد كان يصف برلمانه حينذاك بالشعبي والمنتخب، ويخاطب
الشيخ الجليل محمد رضا الشبيبي الزعيم الوطني المعارض (دار السيد مأمونة)، وينسون
ايضاً ان نعيم حداد وسعدون حمادي كان يضفيان علي مجلسهما الوطني سمات الديمقراطية
والتعددية، فهل يعقل ان يأتي الائتلاف الشيعي اذا كان يمثل الشيعة العرب فعلا،
باناس (لا في العير ولا في النفير) ويقدمهم الي البرلمان الذي يخلو من أحفاد شعلان
ابو الجون ومهدي البصير والخالصي الكبير والشبيبيين رضا وباقر وجعفر ابو التمن
وعبدالواحد الحاج سكر ومحسن ابو طبيخ وعلوان الياسري وهادي المكوطر ومرزوق العواد
وعبدالغني كبة وهادي القزويني وعجيل السمرمد ومحمد الصيهود الربيعي وكاشف الغطاء،
ومئات الشخصيات الشيعية العربية التي بذلت وقدمت خدمات جليلة للعراق، وحافظت علي
عروبته وعززت هويته القومية بالقول والفعل، وأغلب هؤلاء الأحفاد متعلمون ومثقفون
ووجهاء واصحاب غيرة وطنية استلهموها من أجدادهم العظام، بينما نجد ضمن نواب
الائتلاف الشيعي، العجم والاذريين والهنود والافغان، يتمسكون باصولهم ويعادون عرب
وعروبة العراق، فهل سمعتم يوماً الحكيم او الجعفري او صولاغي او مالكي او ربيعي او
عنزي او شهرستاني او صغيري او بائي او اديبي وجميعهم اعضاء في الجمعية قالوا يوماً
انهم عرب او دافعوا عن عروبة العراق، وما حدث في مناقشات مسودة الدستور خير شاهد
علي ذلك، فلو وجد التحالف الكردي واغلب اعضائه من البيش ميركة والعصاة والمتمردين
مفاوضاً عربياً مبدئياً وصلباً، لما تمكن من تمرير هذه المسودة الورقية الباهتة في
موادها وبنودها التفريقية والفتنوية، ولو كان الائتلاف الشيعي يمثل الشيعة العرب في
العراق صدقاً، وهم أغلبية وكثرة كاثرة لما خضع لارادة اقلية كردية، وانما هو
التواطؤ بين طرفين تجمعهما كراهية العرب والحقد التأريخي علي العراق وهويته
التأريخية والحضارية والثقافية والاجتماعية القومية والاسلامية، وإلا كيف نفسر دعوة
ال الحكيم الي فيدرالية شيعية في تسع محافظات عربية عراقية، وهي دعوة اقليات كما في
الحالة الكردية، تتعارض مع حجم ودور الاغلبية العربية والشيعة هم الاكثرية في هذه
الاغلبية، ونقصد الشيعة العرب العراقيين وليس اولئك الذين وفد اجدادهم وآباؤهم من
ايران واذربيجان والهند وباكستان، فاقاموا في العراق العربي امنين منعمين، وتركوا
اولاداً واحفاداً معظمهم يجد نفسه غريباً عن العراق ويحن الي اصله ومستعد للتعاون
مع الابالسة ومنهم الامريكان والصهاينة والايرانيون بالطبع لتدمير العراق وتقسيمه
الي اشلاء واقاليم ومقاطعات.
ولأن السرطان الامريكي يمتد في العراق منذ احتلاله، ويضرب في كل اتجاه وناحية ولا
يستثني طرفاً او فئة معينة، فقد ظهرت نماذج من السنة العرب، غيروا جلودهم ومواقفهم
وتحولوا الي سنة واشنطن او سنة برزاني وطالباني.
وكما احترم الشيعة العرب الاصلاء انفسهم وسمعتهم وتأريخهم، فنأوا عن خدمة المحتل،
فان اخوانهم السنة العرب الحقيقيين فعلوا الشي نفسه، لذلك ليس غريباً ان نجد في
اطار المتعاونين والعملاء من الطائفتين اشخاصاً همهم الصفقات والمقاولات
والامتيازات والمكاسب السياسية والوظيفية والتجارية، ويضحكون عالياً عندما يرد اسم
العراق وحاضر ومستقبل العراق، ويعتبرون هذه المفردات نكتة يرددونها في مجالسهم
وقصورهم بالمنطقة الخضراء، ولا ضير لديهم تداولها علي السنتهم وتصريحاتهم لزوم
الشغل.
انهم مؤقتون او وقتيون كما يطلق عليهم الجمهور العراقي، وهم يعرفون في قرارة انفسهم
هذه الحقيقة، ويعرفون ايضاً ان بقاءهم في الكراسي والمنصات وعلي الشاشات وخلف
الميكروفونات مرتبط بوجود قوات الاحتلال، وتأريخ الشعوب والامم والاوطان يقول: ان
لكل احتلال نهاية، ومع هذه النهاية تسود وجوه، ويبقي وجه العراق ناصعاً بمقاوميه
واشرافه، بالخيرين والمخلصين من ابنائه، وهم ولله الحمد الاغلبية الساحقة من
العراقيين، وهذا يكفي وزيادة.