وجود العرب في العراق يعود الي ثلاثة آلاف سنة
هارون محمد


عندما يقول جلال طالباني للقناة الفضائية التي تحمل اسم (العراقية) زوراً وبهتاناً، ان العراق ليس عربياً، ولم يكن عربياً في يوم من الأيام، فانه يكذب علي نفسه أولاً، ويهين عرب العراق ثانياً، ويضلل الأكراد ثالثاً، فالعروبة في العراق حقيقة تأريخية وجغرافية وحضارية وثقافية واجتماعية، لا تغيرها موازين القوي المختلة التي جاء بها الاحتلال، ولا تشطبها التصريحات المتهافتة التي يطلقها هو ومن هم علي شاكلته، خصوصاً وأن العراقيين جميعاً يعرفونه تماما، ويعرفون انه صاحب مواقف متقلبة ويمتلك قدرة فائقة علي الانتقال من مظلة هذه الدولة او تلك الجهة الي مظلة اخري برمشة عين، وصدق زميلنا الاستاذ طلال سلمان عندما وصفه في (السفير) قبل عشر سنوات بانه ممثل سياسي من الطراز الأول، يستطيع تمثيل كل الأدوار التي ينتفع منها وبها، بحيث يتحول الي شيعي ايراني متشدد يزايد علي آية الله الخميني، ويصبح ناصرياً اكثر من جمال عبدالناصر، ويصير بعثياً ويتفوق علي ميشيل عفلق وحافظ الاسد.
واذكر شخصياً، ان وزارة الارشاد في بغداد قبل تغيير اسمها الي (الإعلام) نظمت لفريق من ممثلي الصحافة ووسائل الاعلام العراقية زيارة الي المنطقة الكردية في شمال العراق عقب صدور بيان 29 حزيران (يونيو) 1966، عندما كان المرحوم عبدالرحمن البزاز رئيساً للوزراء، وكان من ضمن برنامج الجولة اللقاء مع الملا مصطفي البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي استقبل الوفد بحرارة بالغة وقتئذ، وخلال اللقاء جاء ذكر جلال طالباني الذي كان قد انشق عن الملا وكون حزباً كردياً آخر تحالف مع الحكومة يومذاك، يقدم اليها تقارير استخبارية ضد الاكراد المعارضين، وتلتزم هي بحمايته من البارزاني الذي كان يلاحقه، وتقديم مخصصات مالية شهرية له عبر مديرية الاستخبارات العسكرية مع فيلا فخمة في شارع فلسطين وثلاث سيارات بارقام مدنية، فانفجر الملا مصطفي غاضباً وقال ان جلال يضحك علي الحكومة كما ضحك علي طوال سنوات، وسأله الزميل المرحوم هاشم النعيمي (أبو حرية) وكان الملا يوده ويحترمه لعلاقة قديمة بينهما، كيف يا ابو لقمان ضحك عليك؟ فرد البارزاني الاب متحسراً لقد اكتشفت متأخراً ان جلال ليس كردياً وانما مستكرداً، والتفت الي اعضاء الوفد الصحافي وكانوا جميعا من العرب، وقال ساخرا: مبروك عليكم بضاعتكم ردت اليكم!
وحتي يعزز كلامه فقد طلب البارزاني من اعضاء الوفد ان يزوروا كركوك بعد انتهاء جولتهم في الشمال ويذهبوا الي (التكية الطالبانية) فيها حتي يطلعوا بانفسهم علي نسب واصول جلال طالباني الذي جاء اجداده ـ والحديث للملا مصطفي ـ الي المنطقة من بغداد بعد طردهم منها قبل مئات السنين، وسكنوا واقاموا في قري برزنجة وقادر كرم وقرة داغ وطالبان اضافة الي كركوك، ومما قاله البارزاني ايضاً في ذلك اللقاء انه اذا لم يظفر بجلال وهو حي، فانه سيذبحه في الآخرة أمام الله جل جلاله، وليكن ما يكون، قالها بحرقة والم ظاهرين، وللتأريخ فان الوفد الصحافي عندما اختتم زيارته للمنطقة الكردية وقبل ان يعود الي بغداد توقف في مدينة كركوك وذهب عدد من اعضائه الي التكية الطالبانية فيها، حيث تضم مكتبة رائعة من نفائس ونوادر المخططوطات والكتب، والتقي براعي التكية والمشرف علي مكتبتها العالم الجليل الشيخ علي الطالباني، الذي تبسم عندما عرف بان الوفد قادم من (كلالة) وقابل الملا مصطفي، وبعد ان علم الشيخ الطالباني بما قاله البارزاني في جلال وشكوكه حول اصوله الكردية قال رحمه الله ان كان ميتاً، واطال عمره ان كان حياً، بثقة عالية وفصاحة لسان (لعنة الله علي السياسة والجغرافية عندما تغيران الانساب والأصول)، ومضي قائلاً: ان الملا مصطفي يعير جلالاً بانه مستكرد وليس كردياً، ولكن هل يستطيع البارزاني نفسه ان يثبت انه كردي فعلاً، ما دام ينسب نفسه الي الاسرة النقشبندية وطريقتها الدينية الصوفية المعروفة، وهي اسرة ليست كردية الاصول والجذور، ولدينا هنا في التكية مخطوطات عنها يعود زمنها الي جد الاسرة الاعلي محمد بهاء الدين البخاري المتوفي عام 1389م.!
وبمناسبة الحديث عن جلال فقد اتيحت لنا فرصة الحوارمباشرة مع العقيد معمر القذافي عبرالفضاء (الستالايت) في برنامج تلفزيوني قدمته قناة عربية من لندن في الاول من ايار (مايو) الماضي حيث شرحت للزعيم الليبي ما تقوم به الاحزاب والقيادات الكردية من انتهاكات وتجاوزات ضد عرب وعروبة العراق، وطلبت منه ان يذكر جلال طالباني الذي كان يسعي لجولة عربية من ضمنها ليبيا في ذلك الوقت بالجهود التي بذلها القوميون العرب في العراق والدول العربية وخصوصا سورية ومصر وليبيا في دعم القضية الكردية علي امتداد اكثر من نصف قرن، فقال العقيد القذافي ان بلاده دعمت القضية الكردية وليس القيادات الكردية وهي تقف مع حقوق الاكراد المشروعة، مؤكداً ان من الخطأ الاعتقاد بان الاكراد في العراق فقط، بينما هم موجودون في تركيا وايران وغيرها من الدول، وكشف العقيد القذافي بصراحته المعهودة عن حقيقة طالباني ومزايداته الكردية عندما قال: نعم استقبلنا جلال مرة او مرتين في ليبيا في السبعينات والثمانينات، وكان يقدم نفسه ناصرياً وذات مرة قال لي ـ والكلام للعقيد القذافي ـ انه من الظلم ان يحتكر صدام حسين العروبة في العراق لنفسه وحده!
ولان طالباني يغالط نفسه ويتجني علي التأريخ وهو يزعم ان العراق ليس عربياً، فان الرد عليه يكون بالعودة الي تأريخ العراق ذاته، ونحيله الي كتاب العلامة طه باقر الباحث والاثاري العراقي الكبير (مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة)، حيث يقول فيه ان اقدم الاشارات المكتوبة عن العرب في العراق تعود الي العام 853 قبل الميلاد، حيث ورد في المدونات الاشورية، وفيها سرد لاعمال وحروب الملك الاشوري شيلمنصر الثالث ان العرب بقيادة الملك جندبو العربي تصدوا لجيش شيلمنصر بعد انتصاره علي امراء وملوك الدويلات الارمية في ذلك العام، ويأتي ذكر العرب في السجلات الاشورية ايضا عندما يقول المستشرق ريتشارد بليت في كتابه (الجمل والعربة) ان الملك الاشوري (ثجلاتبليزر) تمكن من دحر قوات الملكة العربية (شمسي) في العام 734 قبل الميلاد، وفرض عليها الجزية، ويقول الباحث والمؤرخ عبدالامير الرفيعي في مقدمة كتابه (العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية) ان ما جاء في المدونات الاشورية القديمة يرسم صورة عن نمو ثروات العرب ونفوذهم السياسي والعسكري حيث اضطر الملك الاشوري (اسرحدون) الي التحالف مع عرب الصحراء في العراق للتوجه نحو مصر في العام 671 قبل الميلاد والاستيلاء عليها، وكرر التحالف ذاته بعده الملك الاشوري المشهور اشور بانيبال عندما اعاد سيطرة الاشوريين علي وادي النيل حيث شاركه المقاتلون العرب من راكبي الجمال في حملته العسكرية.
ويبدو ان طالباني والمستكردين لا يعرفون ان عرب العراق هم الذين بنوا مدينة الحضر الي الشمال الغربي من موقع مدينة آشور القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد، وتحولت المدينة الي دولة وظهرت فيها سلالة حاكمة من ابرز رجالاتها سنطرق الذي لقب نفسه بملك عربو.
ويعتبر المؤرخون والباحثون دولة الحضر اول دولة عربية تقام في وسط الجزيرة الواقعة بين دجلة والفرات، وقد صمدت هذه الدولة العربية بوجه العديد من الغزاة الذين اجتاحت جيوشهم بلاد الرافدين بعد سقوط بابل، والروايات التأريخية تشير الي فشل الامبراطور الروماني (تراجان) في احتلال الحضر وكذلك الامبراطور سبتموس سفيروس، وتؤكد الروايات ذاتها ان الحضر كانت الدولة الوحيدة التي وقفت منيعة بوجه جيوش الامبراطور الفارسي اردشير التي اجتاحت وادي الرافدين في ذلك الوقت، مما يؤكد قوة العرب ونفوذهم في العراق من جهة، والرقي الحضاري الذي حققوه والتقدم العسكري الذي احرزوه.
اما الدولة العربية الثانية التي قامت في العراق قبل الاسلام فهي دولة الحيرة في اوائل القرن الثالث قبل الميلاد، واسم الحيرة مشتق من الكلمة السريانية القديمة (حرتا) وتعني مضارب الخيام، وهي اول دولة تظهر في منطقة الفرات الاوسط بالعراق كما تسمي حالياً وتقع علي مسافة سبعين كيلومترا جنوب موقع بابل القديمة، ولهذه الدولة الفضل في ظهور الحرف او الخط العربي الذي عرف بالخط الحيري لاول مرة في التاريخ، والوقائع التأريخية تشير الي ان هذا الحرف انتقل من الحيرة الي الحجاز والجزيرة العربية والشام، ولعلها من اللفتات الحضارية للعرب والمسلمين انهم عندما بدأوا بتأسيس حواضرهم وبناء مدنهم الجديدة خلال الفتوحات الاسلامية اختاروا (الكوفة) جنوب الحيرة بعشرين كيلومترا عاصمة لهم لتمتين التواصل الحضاري بين الحيرة والكوفة، حيث تطور في الاخيرة الخط العربي الحيري الي الخط الكوفي الحالي، الجميل في استقامته واناقته ومتانته.
العرب موجودون في العراق قبل حوالي ثلاثة الاف سنة كما تثبت الوقائع والحقائق التأريخية، فاين كان اجداد الذين وفدوا الي العراق واستوطنوا أراضيه ومدنه وقراه، واكلوا من خيراته وشربوا من مياهه، وعاشوا فيه بحماية اهله العرب اصحاب الكرم والضيافة والدواوين والمعدن الاصيل؟!