البلاغ الكاذب
د. عبدالكريم هاني
قارئة عزيزة لفتت نظري الى قصة قرأتها في صحيفتها صباحا و تساءلت عن التطابق بين الخبر و مشكلة العالم اليوم . و القصة باختصار كما يلي :
تأخرت الحبيبة عن موعد إقلاع الطائرة لتأخر جواز سفرها , و وجد سافاس صديقها البريطاني الحل على الطريقة الأميركية : اتصل مبلغا عن وجود قنبلة على الطائرة التي كانت ستستقلها من فيلادلفيا الى بوسطن و أخرى على الطائرة التي ستنقلها من بوسطن الى لندن . و أوقفت الرحلتان و أنزل الركاب لتفتيش الطائرتين و بذلك استطاعت ( المدللة ) أن تحصل على جواز سفرها و تلحق بالطائرة الاولى ثم الثانية في سفرتها ( الميمونة ) .
و اكتشف الأمر و أحيل العاشق العبقري الى المحكمة بتهمة البلاغ الكاذب , نعم البلاغ الكاذب , فأصدر القاضي الفدرالي عليه حكما بالسجن 18 شهرا بالإضافة الى تعويض شركة الطيران بمبلغ 9057 دولارا عن تأخير طائرتيها و تكاليف الفحص الذي اضطرت للقيام به , و عليه دفع مائة دولار لكل راكب على الرحلتين الملغاتين و كتابة رسائل اعتذار للركاب المتضررين . منتهى العدالة ! و خير تعويض لشركة تأخرت طائرتها في الإقلاع و لركاب تأخروا عن مواعيدهم و أصابهم بعض القلق نتيجة الإخبار الكاذب .
في نفس البلد و في بلد العاشق المذكور تقدم رئيسا كلا البلدين ببلاغ عن وجود أسلحة دمار شامل في بلد ثالث بناء على ( معلومات ) قدمها رئيس ( مستقبلي ) ثالث , و وقف وزير خارجية أحدهما في مجلس الأمن الدولي ليقدم الأدلة ( الحاسمة ) عن وجودها بالرغم من تقارير المفتشين المختصين الذين انتدبهم نفس المجلس لتفتيش البلد المتهم و التي أكدت خلو ذلك البلد من تلك الأسلحة . و لم تكن نتيجة هذا البلاغ الكاذب تأخر طائرة عن الإقلاع , أو تأخير مواعيد بضعة عشرات من المسافرين بل كانت تدمير بلد بأكمله و إلغاء الدولة التي كانت قائمة و إحراق آلاف البيوت و مقتل عشرات الآلاف من النسوة و الأطفال و الشيب و الشباب و نشر الفوضى في أراضيه.
سيدي باتريك ميهان ممثل الإدعاء في منطقة شرق بنسلفانيا ماذا ستقول في هذه البلاغات الكاذبة التي يضاف اليها طبعا ركن الإتفاق الجنائي و التآمر ؟ و أنت يا سيدي القاضي مايكل بايلسون في المحكمة الجزئية ماذا ستحكم على هؤلاء ؟ بالسجن ؟ كم ؟ و كيف ستحكم للمتضررين بالتعويض – القتلى و الجرحى و المشردين و الأيتام و الأيامى لاسيما و أن الجناة يرفضون قيام أي طرف بإحصاء الأضرار و المتضررين ؟
يؤسفني يا سادتي أن أقول لكم ان ( عدالتكم ) لن تصل اليهم , لا لأنهم ( رؤساء ) فقوانينكم خبيرة في جرجرة رؤسائكم الذين تحسنون اختيارهم , و لكن لأنهم فوق كل القوانين بعد أن منحوا جيوشهم و أزلامهم الحصانة الدولية فلا تصلهم يد المحاكم الدولية أو المحلية و لا يُسألون عن جرائم حرب يرتكبونها أو جرائم ضد الإنسانية .
قتل امرء في غابة جريمة لا تغتفر
و قتل شـعب آمن مسألة فيها نظر