العراق بين طموحات المخلصين و مخططات الأعداء

د. عبدالكريم هاني

 

يمر العراق اليوم في مرحلة من أخطر ما مر به في تاريخه الطويل إذ يتعرض الى مخاطر طمس الهوية و تزييفها بعد أن تكالب عليه الأعداء من الداخل مع الأعداء من الخارج بهدف تمزيقه و إلغاء دوره العربي و الإنساني تمهيدا لاغتياله بعد أن اغتالوا التاريخ و الجغرافية لتسهيل ذلك . يجري كل هذا تحت سمع العالم و بصره على وفق مخطط يحاول فيما يحاول أن يتجنب نبوءة وردت في الأساطير اليهودية تتنبأ بخطر ماحق تكون فيه نهايتهم و يأتيهم من العراق !

هنا يقع أصحاب الأسطورة , حين ينفذون المخطط الذي يظنونه منجيهم من الخطر , في تناقض واضح ؛ إذا كانت النبوءة حقيقية فهي واقعة حتما و لا يمكن دفعها إذا , و إذا استطاعوا دفعها و تجنب وبالها عليهم فهي إذا من كواذب الظنون ! لكنهم لا يقيمون وزنا لكل هذا و يعملون بجد و يبذلون الغالي و الرخيص لدفع العالم الى تخليصهم من شبح هذا الخطر  و تجنيد الأنصار من كل حدب و صوب لحمايتهم منه .

كانت هذه الأسطورة عاملا مهما بين العوامل التي دفعت الإدارة الأميركية في عهدي بوش الأب و الإبن الى شن الحربين المدمرتين علىالعراق , و قد ذكر قائد القوة الأميركية , كما ذكر رؤساؤه أيضا , أن الحرب قامت لحماية إسرائيل . غير أن تحطيم القوة العسكرية للعراق التي كانت حصيلة عدوان 1991 و كذلك احتلاله في عدوان 2003 لا يكفي لمنح الشعب المختار الأمان الذي يريحهم لأن العراق مازال موجودا . إذا لا بد من إلغاء وجوده .

و إذا كان الاحتلال لا يكفي لدرء الخطر المزعوم فلا بد من انتهاز الفرصة السانحة لإلغاء وجود العراق بتمزيقه و إنهاء دوره نهائيا , و كان قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية , الذي يراد له أن يكون الهيكل الذي يقوم على أساسه دستور العراق و الحكم الفصل كلما حزب المتآمرين أمر , هذا القانون هو الوسيلة المثلى لتحقيق كل ما هو مطلوب لدرء الخطر المتنبأ به . فهذا القانون يفتح الباب واسعا لمن يريد تمزيق العراق تحت شعار الفدرالية , و انتهزوا الفرصة فوضعوا مبادئ جديدة على كل القواعد الدستورية في الدول ( المفدرلة ) لتحقيق الهدف المرجو .

و قبل الحديث عن الفدرلة لا بد من عودة سريعة الى التاريخ و الجغرافية . يرد اسم العراق منذ قرون في التاريخ و في الأدب و الشعر , و قد يكون لاسم العراق علاقة من نوع ما باسم أوروك فما زال كثيرون ينطقون اسم العراق بضم العين , فهل لذلك علاقة بأوروك ؟

و امتدت رقعة الممالك و الامبراطوريات التي قامت منذ فجر التاريخ على أرض العراق المعروفة حين حازت القوة فجمعت الشمال و الجنوب – الآشورية – السومرية – البابلية - الأكدية , و لم تحددها الا جبال طوروس و زاغروس . و يلاحظ أن جميعها , باستثناء السومريين الذين ما يزال أصلهم يشكل لغزا لجميع الآثاريين في أنحاء العالم , كانت من الأقوام السامية و كان التراث الثقافي الموحد قد ساد و امتد كل تلك القرون . و قد دخل الأكراد الآريون , و المعتزون بآريتهم التي نحترمها و نحترم اعتزازهم بها , الى هذه الأرض متأخرين نسبيا , و عاش الكل بسلام على هذه الأرض الطيبة . ثم جاء من بعدهم التركمان الذين تكاثر وجودهم مع امتداد الفتح الاسلامي الى آسيا الوسطى , و كان ذلك قبل ظهور العثمانيين .

كانت مناقشات المقترحات المختلفة و الاجتهادات المتعلقة بمشروع الدستور فرصة لطرح الكثير من الآراء , فيها الغث و فيها السمين , فيها ما يريد العافية للبلد و فيها ما يبتعد عنها , غافلا أو عامدا . و كان أغرب ما سمعناه , و هو ما لم يكن قد مر يوما بفكر أحد , هو ما ذكر على لسان لجنة صياغة الدستور أن هناك قومية رابعة في العراق هي القومية الفارسية ! تقف موازية للقومية التركمانية , أو تزيد عليها . هنا نتساءل أين مركز هذه القومية ؟ و المهم هنا أن نذكر أن هناك فرقا جوهريا بين القومية و الجالية , فالجالية يمكن أن توجد في أي بلد و لا يمكن أن تترتب لها أية حقوق عدا ما تتضمنه القوانين الدولية المتعلقة بالغرباء , كما أن نفس اللجنة قد وضعت الشبك و الايزدية كقوميتين بينما يعلم الجميع أن كلا منهما عقيدة و ديانة و ليست قومية فقسم منهم ينتسب الى القومية الكردية بينما ينسب آخرون منهم أصلهم الى العرب , أيا كان انتسابهم فهم عراقيون لهم ما للعراقيين و عليهم ما عليهم . على أننا على ذكر القومية الفارسية  المزعومة نستطيع أن نضيف الهنود و البلوش و الأفغان  الذين تعيش مجموعات منهم في العراق بالاضافة الى اليونان و البلغار و غيرهم من رعايا الامبراطورية العثمانية الذين منحتهم الاتفاقيات التي وقعها العراق مع عصبة الأمم الحق في الحصول على الجنسية العراقية و حصلوا عليها بالإضافة الى الأرمن الذين أسكنهم العثمانيون في العراق .

هذا العراق ليس حالة شاذة بين أقطار العالم , فلسنا نجد بلدا في العالم يخلو من بعض التنوع العرقي أو الديني أو المذهبي , و قد كان العراق للجميع و عشنا مع أفراد من المجموعات التي ذكرتها في مجتمع متآلف , لا أقول انه حقق المساواة المطلقة للجميع فذلك أمر يندر وجوده في بلدان مثل بلادنا , و لكن لم نسمع أو نشاهد صراعا أو نزاعا بين أفراد هذه القوميات لأسباب عرقية أو مذهبية و كانت الأرض العراقية مفتوحة لكل العراقيين يسكنون حيث يشاؤون . و اليوم يطالبنا هؤلاء الاخوة , أو بعضهم , بأن لا نقول اننا عرب , و أن لا نقول ان العراق , الذي كان عربيا منذ عرفت العروبة , جزء من الأمة العربية . هنا نسأل الأخوة المحتجين , و  جلهم من القيادات الكردية , اذا رفضنا اعتبار العراق جزءا من الأمة العربية حسب الحجة التي تطرحونها لوجود أقليات أخرى فيه , فكيف يجوز تسمية اقليم كردستان و أنتم تعلمون أن أقليات أخرى غير الكرد تشترك فيه ؟

          بعد هذا نعود الى ( الفدرلة ) التي ما نرى تعداد القوميات الا تمهيدا للإدعاء بحقوق لها في الأرض ثم في كل العملية السياسية بعيدا عن الأساليب الديموقراطية المألوفة و التي تجعل صندوق الافتراع و ورقة الانتخاب هي المعول عليه في الوصول الى السلطة و ممارستها بعيدا عن المحاصصة التي كانت وسيلة لمكافأة الأزلام الذين جاء بهم الاحتلال و جاؤوا به . فقد عرف العالم الفدرالية منذ عرف أشكال الادارة في الدول , لكن الفدرالية التي مارستها الأقطار الأخرى كانت خطوة الى الأمام نحو هدف آخر أسمى و لم تكن هدفا بحد ذاتها و لا خطوة الى الوراء . فالولايات المتحدة الأميركية التي يكثر الاستشهاد بنظامها الفدرالي خطت خطوتها الأولى نحو تكوين الدولة بانتهاج الشكل الفدرالي ليستطيع الآباء الممؤسسون معالجة مخاوف سكان الولايات المختلفة التي كانوا يريدون إغراءها لدخول الاتحاد لكنهم و من تولى الأمر من بعدهم عملوا على تنمية السلطة المركزية للحكومة الإتحادية فكانت الفدرلة طريقا نحو الوحدة و لم تكن خطوة لإنفصال . علاوة على أن ذلك النظام لم يقم على أساس عرقي أو مذهبي كما يجري الإصرار على الفدرلة المقترحة هنا , هذا الإصرار الذي وصل حد التهديد المتكرر بالحرب لتحقيقه و رسم حدوده ثم بدأ التحضير له بعمليات تهجير الآخرين بالقوة من المناطق المقترحة لضمان النقاء العرقي أو المذهبي لتلك المناطق , و كل هذا التهديد بالقوة يجري في نفس الوقت الذي يتحدث بعضهم بنعومة مفتعلة عن الاتحاد الاختياري الذي يقولون انهم يتمسكون به لكنهم يهددوننا بالحرب بديلا عنه !

و قد شجعت الدعوة الى الفدرالية التي رفعتها القيادات الكردية مجموعات ممن جاء مع الاحتلال على رفع شعار الفدرلة , على أسس مذهبية يعلنونها بصراحة متناهية هذه المرة , بل بدأت عمليات تطهير للتهيئة لها في بعض المناطق و المحلات في بغداد نفسها , يصاحب ذلك حديث عن امتلاك كل فدرالية للثروة التي يحويها اقليمها المدعى به , فكأنهم يكررون شكل مشيخات النفط التي رعتها بريطانيا و بوأتها مكانها في عالم اليوم في أواخر النصف الثاني من القرن العشرين , حتى لقد بتنا نخشى أن يعود العراق الى عهد دويلات المدن – أو ربما دويلات القرى أو المحلات فنرى كل محلة و قد أصبحت إقليما خصوصا إذا ظهر في المحلة بئر نفطي ! –  ثم يأتي الحديث المكرر عن الاضطهاد المزعوم يصاحبه الادعاء أن أبواب التقدم و المعرفة كانت موصدة أمام بعض الفئات و أن هذه ( الفدرلة ) ستحمي أبناء الفئة المضطهدة من تجدد الاضطهاد , و قد استمعنا الى كثيرين قالوا ان البعثات و الزمالات كانت يوما ما حكرا على فئة بعينها , و لسنا نريد أن ندافع عن أي من العهود السابقة لكن هذا  الادعاء يكذبه هذا العدد الكبير من الأساتذة و العلماء في كل صنوف المعرفة موزعين بدون محاصصة على كل ( أطياف ) العراق .

مادة جديدة في ما نشر مما قيل انه مسودة الدستور المقترح تنص على تشكيل الجيش العراقي وفق تشكيلة الشعب العراقي , و تلك صيغة تعني , و لا تريد أن تقول صراحة , اعتماد مبدأ المحاصصة الدينية و الطائفية و العرقية في تشكيل الجيش , و لست أدري كيف يمكن المحافظة على هذه المحاصصة العزيزة عند وقوع خسائر في العمليات التي يخوضها هذا الجيش مع أن النص المقترح يتضمن أيضا احتفاظ كل إقليم بجيش خاص بالاقليم .

إذا وضعنا الاخلاص للوطن و الأمة نصب أعيننا , و قررنا جميعا تفادي أخطاء الماضي بعيدا عن منطق الثأر و الانتقام الأهوج , و آمنا بأن الوطن لجميع أبنائه دون تمييز فئة على فئة , و اعتبرنا المواطنة وثيقة الانتماء لهذا الوطن تمنح حاملها كل ما يضمنه الوطن لأبنائه و تحمله نفس الواجبات التي يتحملها الآخرون , و إذا عملنا جميعا على بناء مجتمع تكافؤ الفرص للجميع و مكافأة المجد على قدر إحسانه و معاقبة المسيء على قدر إساءته و قررنا أن تكون صناديق الاقتراع هي الحكم و قبلنا مبدأ التصويت بدلا من تصويب السلاح فإننا نكون حينئذ قد وضعنا أرجلنا على الطريق الصحيح لبناء الوطن الذي نطمح أن تعيش فيه الأجيال الجديدة بسعادة و رخاء .