الشهيد غسان كنفاني
أمير الحلو
كنت قد كتبت بعض الخواطر عن الشهيد غسان كنفاني الذي اغتاله الموساد الصهيوني ، ولاستكمال سلسلة كتاباتي عن ( شخوص في ذاكرتي ) احاول تجميع تلك الخواطر في هذه المقالة التي تسلط الاضواء على شخصية غسان بعيداً عن المجالات الادبية التي كتب فيها الكثيرون من المختصين .
لم اكن اعرفه شخصياً في بداية الستينات ، ولكني اتذكر ان بعض النشرات السياسية الصادرة في بيروت ودمشق كانت تحمل خطوطاً ورسومات جميلة لعناوينها وابوابها، وقد علمت ان غسان يقوم بعمليات الاعداد والاخراج الفني لها من خط ورسم وتوبيب، وكان اللقاء الاول معه بعد ثورة 8 شباط 1963 حينما صدرت جريدة ( الوحدة ) في بغداد وكان رئيس تحريرها الشهيد باسل الكبيسي الذي اغتاله الصهاينة ايضاً بعد ذلك ، وكنت من محرري تلك الجريدة ، ولكن لم تكن لدينا الخبرة الصحفية لاخراج جريدة يومية ، فلبى غسان رجاءنا وجاء الى بغداد ليشرف فنياً على اصدار الجريدة اضافة الى الاستفادة من خبرته السياسية والادبية في المساهمة بالتحرير ... كنا نتسلم لاخبار والمقالات كما هي فندفعها الى غسان واذهب الى غرفته واتابعه وهو يحولها الى صفحات كاملة في الجريدة ، يمسك ورقة الجريدة الخام فيرسم الخطوط ويقسم الابواب ويخط العناوين ، ثم يقرأ قصاصات الاوراق التي تحتوي على الاخبار فيعيد صياغتها ويطلب اضافات من الارشيف والمعلومات المتوفرة ،ثم يطلع على الصور الاخبارية وينتقي منها ويلصقها بيده في اماكنها في الجريدة . كنت اراقبه وهو يعمل بهمة ونشاط وحب للعمل ، واحاول ان اتعلم منه (سر المهنة ) فقد كانت امكانياتنا محدودة وخبرتنا قليلة ، وندفع الجريدة كاملة بعد ذلك الى المطبعة ، وفي المحصلة يكون غسان هو المحرر وهو المخطط والمنفذ الذي لولاه لما خرجت الجريدة بهذه المقدرة والموهبة . كان طبيعياً ان نرى غسان بعد ذلك بسنوات قليلة رئيساً لتحرير عدة صحف يومية معروفة في لبنان ، ويصبح اسمه لامعاً في غالم الصحافة والاعلام ، زرته يوماً في مكتبه في بيروت وهو رئيس تحرير جريدة (المحرر) اللبنانية فوجدت المحررين في حركة مستمرة بين مكاتبهم ومكتبه ، والاوراق والاخبار والصحف تملأ مكتبه فيطلع عليها كلها ، فيرد على الهاتف ويتحدث مع الضيوف والمراجعين ، وفي زحمة العمل هذه رأيته يفتح بأستمرار احد ادراج مكتبه ليخرج كراسة بين اونة واخرى ويخط فيها بعض السطور ثم يعيدها الى مكانها، وعندما سألته عن ذلك اجابني بأنه يكتب قصة قصيرة جديدة ، وانه يقوم بأكمالها الان فتعجبت ان تاتيه الافكار وهو على هذه الحالة من الانشغال ، اجابني ان الفكرة متكاملة في ذهنه وانه يكتبه فقط وان العديد من قصصه قد كتبها بهذه الطريقة ( وهي الوحيدة الممكنة حالياً) والا صرفته الصحافة عن الادب ، وهذا ما كان ، وكانت تلك القصة التي شهدت ولادتها اضافة لقصصه السابقة التي تحول بعضها الى افلام سينمائية هادفة .
من مواهب غسان غير المعروفة بنحو واسع انه فنان تشكيلي مبدع، فعلاوة على رسومه وتخطيطاته في الصحف والمجلات ، فقد لرسم لوحات زيتية رائعة ، شاهدت قسماً منها في دار الدكتور بشير الداعوق صاحب دار الطليعة للنشر في بيروت ، وقد اعجبت بها كثيراً ، وعندما ابديت دهشتي من قابليته الفنية اجابتني الاديبة غادة السمان، وهي زوجة الدكتور بشير الداعوق ، بأنها تعتز وتفتخر بما تحويه دارهم من لوحات غسان وانه لو اراد واو سمح له الوقت لبرز في هذا الفن كما برز في السياسة والادب والصحافة ، وقد قامت السيدة أني زوجة غسان بطبع بعض لوحاته الفنية على شكل بوسترات ، وهي بأعتقادي واو انني غير مختص في هذا المجال ، تمثل اعمالاً ثرة في الفن التشكيلي العربي ، يا حبذا لو قام احد المهتمين بهذا الجانب بتجميع لوحات غسان الفنية ، وعرضها في معرض خاص بفن غسان كنفاني . دعاني غسان مرة في عام 1964 الى غداء بسيط في شقته البسيطة في بيروت لتذوق طبخ زوجته(اني) وكان جميعه من مشتقات البطاطة، وعندما دخلنا الشقة وجدتها مرتبة بذوق فني عال، وحين ابديت اعجابي بادرت اني الى القول : انظر الى هذه السجادة انها من حياكة غسان ، وذلك المكتب والدولاب وما معلق على الجدران من لوحات وتخطيطات ومصنوعات شعبية وغيرها ، انها كلها صناعات (غسانية ) قلت لها وهل الطعام من طبخ غسان ايضاً ؟، فضحكت وقالت لا فأنا حريصة على اعداد طعام خاص له نظراً لمرضه واذا ما قام هو بالطبخ فسوف يخرق تعليمات الاطباء ، وهكذا تناولنا طعاماً طبياً .
وقد سافرت مرة من بيروت الى القاهرة مع غسان وزوجته، وكان غسان رئيس تحرير وفي قمة شهرته الادبية والسياسية ، وله معارف عدة من الادباء والكتاب والسياسيين في مصر ، وقد اعد برنامجاً كاملاً لزيارته وما سيخرج به من حصيلة صحفية وادبية ، وعند وصولنا الى مطار القاهرة جرى انهاء الاجراءات الخاصة بدخول غسان من دوننا بمنتهى السرعة والاحترام من قبل موظفي المطار وعندها احس غسان بالزهو ولكننا فوجئنا وغسان يشكره على مساعدته ، بأن الموظف يسأل غسان (مش حضرتك اخو الكابتن مروان ؟) وكان مروان كنفاني شقيق غسان حارساً لمرمى النادي الاهلي والمنتخب الوطني المصري لكرة القدم ، وهو مشهور ومحبوب جداً وزوجاً للممثلة ( نجوى ابراهيم ) واذا بسعادة غسان تنقلب الى غضب ظريف ، ففد وجد ان شهرة مروان الرياضية هي التي سهلت كل اجراءات الدخول الى القاهرة في حين كان يعتقد ان ما جرى هو تقدير لشخصه ، وبقينا طيلة الطريق من المطار الى الفندق نتندر بهذه الحادثة ونسأله ( مش حضرتك اخو الكابتن مروان) ؟ فيستشيط غضباً ، مرت سنوات وتفرغ غسان للعمل الفدائي واصبح ناطقاً بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الوقت الذي قامت الجبهة بأعمال فدائية جريئة ضد الصهاينة ، لذلك خطط الموساد لاغتياله ونجح في تفجير سيارته ليستشهد غسان مع ابنة شقيقته .
رحم الله غسان كنفاني ابن فلسطين والعروبة ، فقد عاش واستشهد من اجلهما