الانفصاليون والطائفيون يبيعون العراق بـ النقدي والتقسيط

هارون محمد


من الصعب تصديق ما ينشر ويقال عن الخلافات بين قيادات الاحزاب الكردية الانفصالية ونظيرتها الشيعية الطائفية، لانها كلها في معسكر امريكي واحد، مع اختلاف في المكان والثكنة، ولكن في المحصلة كلهم في خدمة امريكا واحتلالها البغيض، ويتلقون الأوامر من سفرائها وموظفيها وجواسيسها العاملين في العراق، ابتداء من برايمر ونيغروبونتي وساتر فيل وروبرت فورد والجنرال ابو زيد ونائبه الجنرال جورج كيسي وانتهاء بسفير بوش الجديد زلماي خليل زاده عراب مؤتمر المعارضة الرثة في شارع اجو رود بالعاصمة البريطانية في نهاية العام 2002.
وعلي ذكر ذلك المؤتمر (الكريه) الذي نسجت فيها مؤامرة توزيع الادوار علي الوكلاء والعملاء، والاتفاق علي ما يسمي بـ(الفيدرالية الكردية) في شمال العراق، فقد كتبنا عقب اختتامه مقالا بتشجيع من زميلنا وصديقنا الاستاذ حسن العلوي رئيس تحرير صحيفة (المؤتمر) حينذاك، الذي حضر الجلسة الاولي للمؤتمر ثم انسحب منه احتجاجا، وكان عنوان المقال (لقاؤنا في شارع الرشيد ببغداد وليس في اجور رود بلندن)، وفيه استعرضنا البيان الختامي لذلك المؤتمر وما ورد فيه من مساس فاضح بسيادة واستقلال العراق، والدعوة الي تفكيكه وتقسيمه والغاء هويته الحضارية والتأريخية والثقافية والاجتماعية العربية، التي عرف بها منذ قبل الاسلام، وتصفية تراثه القومي والاسلامي، وقلنا ايضا ًان هؤلاء الذين تصدروا الصفوف الاولي للمؤتمر لديهم عقد مرضية من بغداد العراق والعروبة ويحقدون عليها لانها مركز النور والابداع العربيين والاسلاميين علي امتداد التأريخ، والجناح الشرقي للامة العربية، وبالمناسبة ايضاً فان الذين دخلوا الي العراق علي الدبابة الامريكية او خلفها، وصاروا رؤساء ووزراء ومسؤولين كباراً حشروا في (المنطقة الخضراء) المحمية بالمارينز ولم يتمكن احد منهم زيارة شارع الرشيد في قلب بغداد او السير علي رصيفه والتجول في مناطقه، ابتداء من باب المعظم نزولاً الي الميدان والحيدرخانة وجديد حسن باشا والعاقولية وساحة الامين وباب الاغا والشورجة وراس القرية وساحة الوثبة وسيد سلطان علي والمربعة والسنك وانتهاء بالباب الشرقي وساحة التحرير، حتي ان احدهم اقترح تغيير اسم شارع الرشيد لانه يرمز الي الخليفة العباسي هارون الرشيد ضمن مشاريع ومقترحات لاستبدال اسماء محافظات ذي قار والقادسية والمثني، لانها اسماء عربية واسلامية مجيدة، بعد ان اصبح هم وشغل الذين جاء بهم الامريكان اقتلاع كل شيء عربيا من العراق، دون ان يدركوا بان العراق كان وسيبقي عربياً رغم انوفهم وانوف اسيادهم ومراجعهم.
وعموماً، فان الخلافات الظاهرة بين قادة الائتلاف الشيعي والتحالف الكردي الذين يتقاسمون الكعكة العراقية الان هي خلافات مصلحية وليست مبدئية وتقوم علي طريقة (هذا لي.. وهذا لك) ولأن الطرفين الكردي والشيعي يعرفان انهما مؤقتان في السلطة الهشة وايامهما معدودة في العراق العربي، ولا يقدرون علي العيش والاقامة والاستمرار في عراق المستقبل، فان كل طرف يريد الاستحواذ علي المكاسب والامتيازات اكثر من الآخر، ويحاول جهد الامكان ان يبتز مزيداً من النفوذ والاموال والصفقات والمقاولات، لذلك نري ان بارزاني وطالباني يمدان أرجلهما خارج مناطقهما ويطالبان بمحافظات ومدن واقضية عربية وتركمانية ومسيحية ويزيدية ويطرحان خارطة جغرافية تمثل ثلث مساحة العراق علي شكل نصف هلال يبدأ من الحدود العراقية السورية وينتهي في مدينة بدرة في محافظة واسط، ولا يعترض احد من الائتلاف الشيعي علي هذا الترسيم الجائرلان قادته عبدالعزيز الحكيم وابراهيم الجعفري واحمد الجلبي وصولاغ وعامري ومالكي وعنزي وربيعي وبحر الظلمات وقبناجي مشغولون بكيفية تقسيم محافظات الجنوب والفرات الاوسط فيما بينهم ويعقدون مؤتمرات واجتماعات للتفاهم والتنسيق حول من تكون حصته هذه المحافظة او تلك، وبعد ذلك لا تستغربوا عندما تقام مطارات حديثة في اربيل والسليمانية والنجف تتبرع بانشائها شركات اسرائيلية وايرانية، بينما مطارات بغداد والموصل والبصرة تعاني الاهمال والتغافل عنها، ولاحظوا كيف وافق اقطاب الائتلاف الشيعي علي طرح قادة التحالف الكردي باعتماد اللغتين العربية والكردية رسمياً في مسودة الدستور الدائم، والحكيم والجعفري والجلبي وغيرهم من اقرانهم يعرفون مسبقاً ان بارزاني وطالباني ونيجرفان وكوسرت وموسرت يمنعون استخدام اللغة العربية في المنطقة الكردية.
وفي المقابل يسكت القياديون الاكراد علي اقتراحات حلفائهم الشيعة بادراج بنود في مسودة الدستور تنص علي ان الاقلية الفارسية وهي لا وجود لها في العراق علي الاطلاق ضمن مكونات الشعب العراقي، وضرورة الاحتكام الي المرجعية الشيعية في النجف اقتداء بالتجربة الايرانية، لان بازراني وطالباني يعلمان جيداً ان هذه البنود لا تطبق في مناطقهما وانما في العراق العربي وحده، فلماذا يعترضان وهما اصلاً يعملان علي تدمير عرب العراق والتآمر عليهم؟ ولاحظوا ايضاً صمت الحكيم والجعفري والجلبي وصولاغ ومالكي وعامري علي تصريحات جلال طالباني وهو يطالب بالحاق كركوك بالمنطقة الكردية دون ان يقال له: انك يا مستر جلال رئيس انتقالي للعراق ـ هذا عنوان وظيفتك الحالية ـ وعيب عليك ان تنحاز الي حزبك وكرديتك، فانت الان لست رئيس حزب كردي مقره السليمانية وانما شغلك في بغداد عاصمة العراق.
وتمعنوا جيداً في تصريحات بارزاني الابن عندما يقول انه لن يرفع العلم العراقي في مناطق نفوذه ويرفض وجود شرطي او جندي عراقي فيها، ولا يرد الحكيم والجعفري والجلبي عليه ولا يقولون له اذا كان الامر كما تطلب، فلماذا تصر علي ان يكون الملازم الاول المتقاعد بابكر زيباري رئيساً لاركان الجيش العراقي ورفيقه مصلح التلفزيونات القديم بروسكه شاويس مفتشاً عاماً لوزارة الدفاع، ويداوم الاثنان في بغداد وليس في اربيل او دهوك او العمادية.
ان تواطؤ القيادات الكردية الانفصالية مع التنظيمات الشيعية الطائفية لتقسيم العراق وصلت الي مستويات متقدمة، وكل طرف يعين الاخر ويساعده علي طريق التجزئة والفدرلة والاقلمة، وهي عناوين القصد منها انشاء مقاطعات ومشيخات وكيانات هزيلة تخصص لبارزاني في اربيل وطالباني في السليمانية والحكيم في النجف والجعفري في كربلاء والجلبي في البصرة، وبعد ذلك توزع المحافظات الاخري علي المحاسيب والمحازيب، دهوك وزاخو لنيجرفان بارزاني، وكركوك لكوسرت وانوشيروان، والحلة لعمار الحكيم، والعمارة لكريم محمداوي (العريف الهارب من الجيش) والكوت لهادي عامري معذب الجنود والاسري العراقيين في ايران، وهكذا علي طريقة (كل من ايدو الو) مع الاعتذار للفنان دريد لحام صاحب المسرحية الشهيرة بهذا الاسم. وراقبوا النفاق بين قادة التحالف الكردي والائتلاف الشيعي، طالباني يحضر مؤتمر الفيدرالية في النجف برعاية آل الحكيم ويشارك في حفل استذكاري لتأبين باقر الحكيم ويوافق علي قانون يصدره الجعفري باعتبار (1 رجب) تاريخ مقتل الحكيم بالتاريخ الهجري عيداً رسميا للشهيد في العراق، وعبد العزيز من جانبه يلتزم الصمت ويسكت علي طرد الجلاليين لمئة الف من الشيعة العرب الذين سكنوا كركوك منذ عقود طويلة، وعمروا بيوتاً واقاموا مصالح ومزارع واعمالاً فيها، وانجبوا اولاداً وبنات تزوجوا وخلفوا وعملوا وبذلوا في هذه المدينة العراقية الاصيلة التي يشكل الاكراد اقلية فيها، وفد اغلب افرادها من الجبال والكهوف والمغارات للعمل وطلباً للرزق فيها، ويرفض الاستماع الي شكاوي رجال قبائل البو بدير وال شبل والجبور الذين شردوا من ديارهم في كركوك ويقيمون منذ عامين في معسكرات الجيش العراقي المهجورة، والملاعب الرياضية المتروكة في الديوانية والناصرية علي مرمي عصا ـ كما يقولون ـ من النجف، كل ذلك يعني توافقاً بين طالباني رئيس التحالف الكردي والحكيم رئيس الائتلاف الشيعي علي كثير من المسائل السياسية لا تقف عند حدود معينة او محدودة وانما تشمل قضايا كبيرة وخطيرة تستهدف العراق كله، خصوصاً اذا عرفنا ان الاثنين عملا سوية منذ سنوات ويرتبطان بعلاقات وثيقة مع طهران وتجمعهمــــا اجندة مشتركة.
من هنا يجب فهم اقتراح طالباني بضرورة تشكيل مرجعية للسنة العرب كما جاء في تصريحاته الاسبوع الماضي في محاولة منه لشق الصف السني العربي المتماسك وتفتيت صموده ومقاومته، فالسنة العرب في العراق كتلة واحدة ونسيج موحد ولانهم وحدويون وعصريون وحضاريون فان ذلك يغيظ الاكراد الانفصاليين والشيعة الطائفيين، الذين يحاولون ربط السنة العرب بمرجعية مفتعلة مثل (مرجعية) طالباني وبارزاني المفروضة برشاشات البيش ميركة علي الأكراد في الشمال، ومثل ما سيطرت تنظيمات الحكيم والجعفري علي الشيعة العرب في الجنوب وصادرت ارادتهم وخياراتهم الوطنية بأسلحة وغدر ميليشيات بدر. واذا اعتقد طالباني وبارزاني والحكيم والجعفري والجلبي ان نجاحهم في كسب بعض المغمورين والمتهافتين من السنة العرب الي جانبهم، فانهم واهمون لان من تم استقطابهم هم في الواقع لا يمثلون الا انفسهم ولا يقدرون الوصول الي مساقط رؤوسهم في سامراء وتكريت والانبار والموصل وديالي والحلة، وهم مرتزقة في عيون السنة العرب ومصيرهم معروف ولا تنفعهم المواقع التي منحت لهم. ان التحذير واجب مما يدبر للعراق الان من مخططات ومشاريع، والمسؤولية الوطنية والقومية والانسانية تستدعي من عرب العراق بشيعتهم وسنتهم التصدي بحزم لما ترسمه قيادات الاحزاب الكردية الانفصالية والشيعية الطائفية، فهذه القيادات غير معنية بالعراق ومستقبله، وهي مشغولة الان ببيع العراق بـ(النقدي) والتقسيط، بالسر والعلن.