إني أعترف . . . نعم أنا إرهابي !
د.عبدالكريم هاني
منذ الحديث عن ( صراع الحضارات ) و ربما قبله بدأت الأجهزة التي يهمها إثارة هذا الصراع تزرع في الأذهان أن فكر الإسلام إرهابي , فأصبح كل مسلم متهما بالارهاب بدون الحاجة الى دليل أو تحقيق , و عملت الصهيونية على نشر هذه الاتهامات لتطابق هذا الموقف من الاسلام مع غاياتها في حشر الإسلام في زاوية ضيقة تستطيع عندها أن تبتلع أرضه دون أن تخشى ردود فعل , لأن كل رد فعل سيدخل تحت بند الإرهاب .
و تلقف ( صوت سيده ) في العراق هذا الموقف متغنيا بالقول الأميركي فأعلن أحد السادة الجدد أن فكر البعث إرهابي , و أنه يجب اجتثاثه تماما كما تريد الصهيونية . و عدت أبحث في ذاكرتي عن أفكار البعث التي اعتنقتها باعتزاز فترة امتدت من أيام الصبا حتى الآن , بالرغم من أنني خرجت من خيمة البعث منذ أكثر من أربعين عاما . و أرجو أن لا يتهمني أحد بالتناقض في هذا القول , لقد دخلت الحزب حين وجدت أفكاره تنسجم مع ما أؤمن به , ثم خرجت منه حاملا العقيدة نفسها التي دفعتني للإنتماء , فانسلخت عن التنظيم و لم أنسلخ عنها .
الفكرة الأساسية في فكر البعث تتبلور بالإيمان بوحدة الأمة ( أمة عربية واحدة ) و العمل على تحقيقها و تحقيق شعارها ( وحدة , حرية , اشتراكية ) و الحرية تعني , أو كانت تعني في أيامنا , حرية الأمة و حرية المواطن , و إذا كانت قيادة الحزب قد ارتكبت ما ارتكبت فإن ذلك لم يكن ناتجا عن العقيدة نفسها . و هذه الفكرة , فكرة الوحدة , تؤرق أعداء الأمة من الشعوبيين الذين يقفون في خندق الأعداء , و يعادون من ينادي بها و يحاربونه بكل ضراوة , و يستوي في عدائهم البعثيون و القوميون الآخرون الذين اكتووا بنار البعث فخرجوا من التنظيم دون أن يبدلوا جلدهم فلم يرفعوا بيرق الطائفية يدعون لها في كل مجمع كما فعل غيرهم من ( الأبطال ) بعد أن تناسوا ( وحدة الأمة ) , و لم يعودوا على أكتاف الدبابات الأميركية أو يرحبوا بها كما فعل الذين تناسوا شعار ( حرية ) أو ظنوا أنهم يجدونها تحت أقدام الغزاة .
لقد تعرضت هذه الأفكار قبل حوالي نصف قرن الى اتهامات ( صوت سيده ) يطلقها شعوبيو القرن العشرين, فكان الحديث عن وحدة الأمة ( تآمرا ) على سلامة الجمهورية ( الخالدة ) و سيادة ( الزعيم ) يقتضي اجتثاثه بمنجل روسي أو بالحبال و شهد العالم الكثير من الضحايا بحجة قطع دابر ( التآمر ) ؛ و انسجاما مع ( المودة ) السائدة في عالم القرن الأميركي و العولمة أصبح هذا الحديث اليوم بنظر شعوبيي القرن الحادي و العشرين إرهابا يستدعي الاجتثاث , و لو بمنجل أميركي . و الغريب أن المنادين بالاجتثاث كأنهم نفس الأشخاص و من الفئات نفسها , و ( السيد ) الذي يستمعون الى ( صوته ) ما زال نفس السيد , كل ما في الأمر أن الستار قد سقط و اتضحت هوية الملقن , فإذا هو ملقن الأمس بميكروفون جديد .
" و إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون " ( ص )