الخطة المدروسة

  د. عبدالكريم هاني

 

في الكلمة القيمة التي كتبها الأستاذ بهاء سلوم تحت عنوان " أميركا لم تخطط لغزو العراق " ورد أن تقريرا سريا صادرا " عن لجنة من باحثين مستقلين شكلتها حكومة الولايات المتحدة أومأ الى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بعدم التخطيط الجيد لما بعد الحرب في العراق . . . " , و مع احترامي للأستاذ بهاء , و دون التشكيك في صحة ما نقله , فإنني أومئ الى اللجنة المذكورة بالغباء ( و هي بعيدة عنه و لاشك ) أو بالتضليل في تقريرها ذاك و خصوصا حين تشير الى " عدم وجود خطة للمحافظة على أمن الشعب العراقي " و كأن هذا الأمن كان الشغل الشاغل لدولة الغزو و العدوان .

كان من الواضح لجميع المراقبين أن ما جرى و يجري الآن كان جزء من " خطة " مدروسة تهدف الى ما يدعى بالفوضى المنظمة و قد نفذت بعناية لتصل الأوضاع الى الحالة التي وصلت اليها و التي كان الوصول اليها يشكل هدفا رئيسا من أهداف شن الحرب . فمذكرة دراسة الأمن القومي المرقمة 200 تطالب " بتخفيض جذري لعدد السكان في عشرين دولة من دول العالم الثالث لتأمين سيطرة أميركا على ثروات تلك البلدان من المواد الأولية الستراتيجية ," و هل أحسن من الفوضى و القتل العشوائي لتحقيق هذا التخفيض ؟ بل لعل الطلب كان أكثر من " تخفيض " , فالعراق واحد من هذه الدول ( المنحوسة ) إن لم يكن أولها  , و قبل هذا نادى مالثوس بمباركة الحروب و تشجيعها لأنها تؤدي الى تخفيض أعداد الناس  ليهنأ الجنس المحظوظ بالرخاء و العيش الهني , و لهذا فقد شاهدنا إصرار الولايات المتحدة على إخضاع الشعب العراقي لأبشع أنواع الحصار الذي شمل الغذاء و الدواء طيلة اثني عشر عاما و سمعنا وزيرة الخارجية حينئذ تقول بضمير( مالثوسي ) مطمئن إن موت نصف مليون طفل عراقي ثمن مناسب للخطة الأميركية .

أذكر أن مجلسا ضمنا قبل مدة مع بعض المدافعين عن إنجازات دولة العدوان الإرهابي و إيجاد التبريرات المتوالية لكل أمر لم يستطيعوا المراوغة بشأنه لكي يحسب  من المنجزات التحريرية فلم يبق لهم إلا القول ان القوات ( المحررة ) لم تكن لها خبرة بالظروف العراقية و عقلية المواطنين و تقاليدهم ! شكرت صاحب هذا التبرير و قلت له بين دهشة الحاضرين لقد أنقذتني و حسمت النقاش :

لقد دخلت الولايات المتحدة سلسلة حروب متوالية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لعل أشهرها كانت الحرب الكورية و حرب فيتنام , و لا شك أنه كان هناك أسرى و معتقلون في كليهما فهل شاهد أحدكم صورة جندي أميركي يضع قدمه على رأس أسير صيني أو كوري أو فيتنامي أو في غرينادا أو يوغوسلافيا بعدها أو غيرها من الشعوب التي ابتليت بالإرهاب الأميركي ؟ إن الإصرار على هذه الممارسة و الحرص على نشرها في جميع الصحف الصادرة في ذلك الحين, مما لم نسمع عن مثيله في كل تلك الحروب إلا في حرب ( تحرير ) العراق , هذا الإصرار يدلنا أن هذه الممارسة تمت بصورة مدروسة توصل اليها أصحاب الاختصاص بعد دراسة معمقة للمجتمع العراقي و النفسية العراقية .

ثم كيف تفسرون بالله عليكم  ما اتضح بعدئذ من قيام هذا الجيش ( الحضاري ) بجمع الشواذ جنسيا و نقلهم من وحداتهم الى جهاز الحراسة و التحقيق في السجون ( الحضارية ) التي انتشرت في العراق بعد الغزو و توجيههم ليعتدوا جنسيا على الموقوفين ؟ أليس هذا دليلا كافيا على أن الجيش الأميركي قد بحث و درس و خطط بمهارة و خلق عال و بأدق التفاصيل لهذه الهمجية المبرمجة ؟