14 تموز . . . دروس وعبر
د.عبدالكريم هاني
كان نجاح ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 في القضاء على الحكم الملكي و إعلان الجمهورية بالسهولة التي تمت مثار بحث و تساؤل الكثيرين بالرغم من الحقيقة الصارخة المتمثلة في توفر جميع العوامل الموضوعية المؤدية الى النجاح . كانت كل الدلائل تشير الى نضوج الحالة و توقع التغيير , فقد تراكمت الأخطاء القاتلة التي ارتكبها أقطاب ذلك العهد حين ضاق صدره عن تحمل الرأي الآخر و لو همسا و ابتعد عن الخط العربي بقدر ابتعاده عن مصلحة الشعب , و دخل في تحالفات لا تخدم العراق و شارك في خصومات لا تخدم إلا تلك التحالفات و لو ضد مصلحة الأمة .
و كان من أبرز العوامل التي مهدت للنجاح قيام جبهة الإتحاد الوطني و تنظيم الضباط الأحرار و تطابق الهدف الأسمى بين التنظيمين مما أدى الى التفاف الشعب حول الثورة فور الإعلان عنها صباح الرابع عشر من تموز .
كان الخطأ القاتل الذي وقعت فيه بعض أطراف الثورة بعد نجاحها هو الشعور بأن الوقت قد صار الى جانب تلك الأطراف و أنها تستطيع بالتالي بعد استمالة بعض قادة الثورة من الضباط الى جانبها تحقيق أهدافها و تصفية خصومها حلفاء الأمس في الجبهة مما أدى الى انشقاق خطير في صفوف هؤلاء الضباط انعكس على مسار الثورة و أدى الى ما أدى اليه من صراع دموي بينهم و صراع دموي آخر ساد الشارع العراقي , و ارتفعت حينئذ شعارات تندد بالعروبة و تتهم المنادين بشعاراتها بالعمالة لأميركا و الغرب عموما , ثم صار التباهي بالولاء الى ( بعض ) الأطراف الأجنبية تزكية لمن أراد إثبات ( ولائه ) الوطني و ما زالت آثار تلك الصراعات تعمل عملها في المحيط السياسي و الشعبي في العراق .
اليوم , و طيلة الأشهر السبعة و العشرين التي مرت بعد استباحة العراق , يعود بنا التاريخ الى الوراء فكأننا نعيش أجواء عام 1959 , فالكثيرون يظنون أن الوقت مناسب باستنادهم الى دعم هذا الأجنبي لتحقيق كل الأحلام المريضة التي كانت تجول في رؤوسهم , و القول بأي شعار عربي جريمة يجب اجتثاثها , و العمل في خدمة الأجنبي ( بعد أن تحول عدو الأمس الى حليف ) و مخابراته مصدر فخر و اعتزاز لأبطال ( التحرير ) , و استعجل هؤلاء , كما استعجل أسلافهم تحت لافتات أخرى , تحقيق تلك الأحلام دون أن يقيموا وزنا لمصلحة البلد و هم بهذه العجلة يقومون ببذر بذور الفتنة و جر البلد الى مذابح لن يكونوا بعيدين عن نتائجها إن لم يتخذوا عبرة مما جرى بالأمس القريب .
الفارق الكبير بين جبهة الأمس و جبهة ( التحرير ) , و إن تشابهت جوانب صراعاتهما و قراءتهما لمنطق الإستناد على قوة خادعة لا يملكون زمامها , أن جبهة الخمسينات قامت لتحقيق أهداف قومية و وطنية بينما قامت جبهة الثمانينات و التسعينات لاقتسام البلد و نهب ثرواته بالتعاون مع الأجنبي , و صراعات هذه الأطراف طيلة تلكم الشهور إنما هي صراع المتآمرين على قسمة الغنيمة , و هو صراع مألوف تزخر كتب القصص بأمثاله , و ما زال الناس ينتظرون نهايات القصص التي وردت كثيرا في ألف ليلة و ليلة .