الاستهانة بالعقول

عبدالكريم هاني 

 

قبل أسابيع , و في إحدى البلاد العربية المباركة , توفي أحد الموقوفين على هامش قضية سياسية . و ليس في الأمرين غرابة , فأن يعتقل مواطن في بلاد العرب التي تتغنى بالديموقراطية حدث  اعتيادي لا يكاد يستحق النشر ! و أن يموت موقوف خلال فترة احتجازه فذلك حدث متوقع في البلاد التي حباها الله بمعرفة الأساليب الديموقراطية  الحديثة في التعامل مع المعتقلين , حتى قبل أن ينعم الله على العالم بغوانتانامو و أبو غريب و كروبر و باغرام و بوكا و غيرها من منتجعات الغولاغ الديموقراطي الحديث . لكن الأمرين قد حدثا في وقت غير مناسب فقد كانت تلك البلاد تواجه لحظة امتحان إذ كانت أوراقها تدقق في نادي الديموقراطية , و هكذا وجد أمر الوفاة طريقه الى النشر و كان ذلك أمرا جديدا في التعامل مع مثل تلك الحالات فكان لا بد من تبرير للوفاة التي يبدو أن ( العناية ) التي تمتع بها المتهم قد تركت آثارا يصعب معها اتهام ( نوبة قلبية ) بها . و ظهربيان رسمي في بعض الصحف يقول ان فلان قد أصيب بنوبة هياج و ثارت أعصابه فضرب الحائط برأسه مما أدى الى وفاته ! و كان هذا التبرير من السذاجة و امتهان عقول الناس الى درجة جعلت إحدى الصحف المعارضة تكتب في مانشيت عريض في أعلى الصفحة الأولى متسائلة ( من هو ال... الأهبل الذي يصدق أن فلان قد ضرب رأسه بالحائط فمات ؟)

تذكرت هذه القضية و أنا أستمع الى بعض المتكلمين في اجتماع جماهيري في إحدى المناسبات , فقد وقف أحدهم ليلقي خطابا بالنيابة عن أحد أركان المسؤولية فتلى على المجتمعين سلسلة من المطالب التي تجول الرغبة في أذهان المستضعفين في طرحها على المسؤولين , و وصل امتهان العقول حدا دفع أحد الحاضرين أن يصرخ بأعلى صوته مخاطبا المتكلم بالنيابة ( و لكنه هو من يقوم بكل هذا ! ) و حين وصل الخطيب الى المطالبة بإطلاق سراح الموقوفين و المحتجزين التفت أحد المستمعين يسأل صاحبه ( هل نحن الذين اعتقلناهم ليطالبنا بإطلاق سراحهم ؟ )

و كانت القمة في الاستهانة  بعقول الناس حين وقف رئيس جماعة تشكلت تحت عنوان المحافظة على حصة مناسبة لفريق من المواطنين في العملية السياسية رغم معارضة مجموعات كبيرة من هذا الفريق في قيامها لأنها تساهم بذلك في الفرز الطائفي و تكوين الخنادق التي تقسم البلد انقساما لم يكن مألوفا سابقا , و قف هذا الخطيب يهاجم الطائفية و الفرز الطائفي و يلعن بكل حماس المحاصصة ( رغم أن جماعته تشكلت للحفاظ على حصتهم وفقها ) .

قيل في الأمثال إذا أردت أن تكذب فاجعل شاهدك بعيدا و ( إخواننا ) تشهد ضدهم أعمالهم و هم يظنونها تشهد لهم و يفترض بالإضافة الى هذا أن يحترم المتكلم , أي متكلم , نفسه إن لم يكن مهتما باحترام عقول المستمعين , فلا يدعي بعكس ما تصرخ به أعماله فيقدم للناس الدليل على كذبه و نفاقه , و إلا فسنضطر أن نتساءل كما تساءلت الصحيفة ( من هو المغفل الذي يصدق هؤلاء الكذابين ؟ )