نقاط الحبر الاخيرة بين الاسلام والعروبة
امير الحلو
بسم الله الرحمن الرحيم
(انا انزلناه قرأنا عربيا ، لعلكم تعقلون)
صدق الله العظيم
لاشك ان العلاقة التاريخية والراهنة بين العروبة والاسلام راسخة في اذهاننا وايماننا نحن الذين تمسكنا بالقومية العربية وناضلنا من اجل تحقيق اهدافها السامية لذلك لااريد الخوض في هذا الموضوع الحيوي الهام لانه حقيقة لاتقبل الشك او المزايدة ولكن ماالاحظه واسمعه على ساحتنا الان يقلقني بصفتي قوميا عربيا مسلما ،اذ ان بعضا ممن يعادون القومية بحجة (اممية الاسلام) قد نشطوا بشكل كبير وخصوصا في مجال تأليف الكتب وعقد الندوات والمحاضرات والخطب بهدف (تغييب) الفكر القومي العربي ، وعرض كل تأريخنا المجيد وحاضرنا النضالي ضد الامبريالية والتخلف ، وكأنه اسلامي صرف متجرد من القومية العربية ، ويعتبرون ان انهيار الامبراطورية العثمانية (الاسلامية) ! كانت نهاية لافضل حقبة عاشتها (الامة) وان سبب ذلك هو التيار القومي العربي الذي ثار ضد (الاستعمار العثماني) و(فتت) دولة الاسلام ! .
كما ان هذا الطرح يشير الى ان كل الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها يجب حلها من خلال منظور ديني صرف بعيدا عن الفكر القومي العربي ومايحمله من مناهج تقدمية وعملية لحل المشاكل السياسية والاقتصادية من خلال منظور واضح لايخرج او يتعارض مع رسالة الاسلام الاخلاقية والجهادية .
ان مئات الكتب صغيرها وكبيرها يصدر او يستورد سنويا على وفق هذا النهج بالاضافة الى الندوات التي هي امينة في الظاهر على خدمة الاسلام وتنشئة الاجيال على مبادئه السمحة (وذلك امر ضرورى وهام) ولكنها تتجاهل عن عمد اية اشارة الى المبادىء القومية وتلغي اي دور للنضال القومي ماضيه وحاضره ، وتلغي الصفة العربية عن القادة العظام الذين حملوا لواء الاسلام الى اصقاع الدنيا .
وانا هنا بصفتي مسلما ومؤمنا بالله الواحد الاحد لااطالب بالحد من هذا النهج الاسلامي القويم ، ولكني اطالب بعدم تغييب الفكر القومي العربي عند الحديث عن الاسلام منذ ان بشر به الرسول العربي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وحمله المؤمنون العرب الى الاخرين ، وربط كل بطولات المسلمين الاوائل بعروبتهم ، وربط كل مآثر العرب وامجادهم بالاسلام ، فلا انفصال بينهما كما يحاول بعضهم الان ادعاءه .
نكبر ، تتولد لدينا ذكريات وتجارب جديدة ، تتبدل العديد من آرائنا ونظراتنا للحياة ، قد نتبع حكمة (اطلب العلم من المهد الى اللحد) فنتعب انفسنا وعقولنا ، وقد نتبع (حكمة) يكتبها بعضهم على ابواب وزجاج سيارات الاجرة (لاتفكر لها مدبر) فنعطى لعقولنا اجازة ولاجسامنا راحة الكسل ، ومهما كانت (المدرسة) التي ينتمي اليها الفرد فأن نقطة في دماغه وتفكيره تحتفظ له بذكريات طفولته وصباه حلوها ومرها ، وقد تأتي لحظة ما ، في ظرف ما تخرج من بؤرة هذه النقطة سيول من المعلومات والافكار التي اسهمت في تكوين الشخصية سلبا او ايجابا ، وقد يحصل العكس حين تبدو هذه النقطة كفوهات حفر البراكين الخامدة .
اقف كما تقتضي الاصول والعادات مع اهلي واقربائي ، وفي كل مرة اقف فيها لتقبل التعازي من الاصدقاء والمعارف ، اتذكر ان (الذاهب) كان احد (الحضور) في المرة الماضية وانه يعرف قوانين الحياة والموت ، فقد كان يرد على الاخرين (انه امر الله ، وهكذا هي الدنيا) ترى هل يسمعنى وانا اردد عبارته ، وهل سأسمعها حين يرددها غيري بحقي ؟
ولانني فارقت بعض اهلي منذ سنوات طويلة ولاالتقى بهم الا في المناسبات العائلية والاجتماعية ، فأن جيلا كاملا قد ولد في غفلة عني ولم اعد احفظ اسماء الكثير منهم وعليك ان تتحايل عليه ببضعة اسئلة غير مباشرة لتعرف من هو من دون ان يشعر بأنك لاتعرف اسمه ، فقد يتهمك سرا او علنا بالتكبر عليه في حين ان هناك حقيقة تقول ان شكل الانسان ، وجهه وجسمه يتغيران اذ غبت او غاب عنك ثلاثين سنة مثلا ، صحيح ان اسمه يبقى كما هو في ذاكرتك او تتذكر ان فلانا من اقاربك لديه ولد ، ولكنك تحتاج الى معجزة حقيقية لتكتشف ان هذا الكائن الانساني الذي يقف امامك بعرضه وطوله هو ذلك الصغير نفسه الذي قد تكون قد طبعت قبلة ودية على خده في صغره او تكون قد طبعت صفعة على اختلاف درجاتها على وجهه ، ومن الطبيعي ان ينسى الاولى ويتذكر الثانية … جيدا .
كما ينسى بعض زملاء الدراسة اكثر من ثلاثين سنة من النسيان وحقيقة اننا افترقنا ، كل في طريق وتكون شكل كل منا على نحو مختلف فيقف امامك متحديا في سؤاله : من انا ؟
ويا ويلك اذا تحايلت على الامور وقلت له مجاملا انني اعرفك بالطبع ، فسيعيد سؤاله بتحد اكبر : من انا ؟
ولم يمانع احدهم من ان (يقرب) لي الصورة فسألني : الاتتذكر شخصا ضربك بالحجارة على رأسك فسال منك الدم وذهبوا بك الى المستشفى لخياطة الجرح ؟ قلت: اتذكر الحادثة . قال بفرح :انا هو ! فما كان منى الا ان اقبله ثلاث مرات على خديه (كما هي العادة) عرفا وامتنانا .