حكومة الجعفري تترنح وسقوطها متوقع في وقت قريب
هارون محمد
ينقل عن أحمد الجلبي أنه
يردد في مجالسه الخاصة ببغداد، كلاماً ينم عن ندمه الشديد لمشاركته شخصياً في
الحكومة الانتقالية نائباً لرئيسها ابراهيم الجعفري، وينسب اليه قوله بان هذه
الحكومة عمرها قصير ولا يمكنها اكمال فترتها المقررة لغاية كانون الاول (ديسمبر)
المقبل، لأنها ملغومة من داخلها وضعيفة في رأسها، ومن المستحيل عليها ان تنجز
الدستور الدائم الذي يشكل الأولوية في اجندتها ومهامها الرسمية.
وسواء كانت تقييمات الجلبي للحكومة التي هو جزء منها، نابعة من استنتاجاته وتوقعاته
الشخصية والسياسية، أم انها مبنية علي معلومات اصدقائه في البنتاغون والدوائر
والمراكز الامريكية في واشنطن، الا ان الاحداث والوقائع التي جرت في عهد الحكومة
الجديدة رغم قصر الفترة الزمنية علي تأليفها واكتمال تشكيلتها، تؤكد انها تفتقر الي
الانسجام بين اعضائها الذين يمثل كل واحد منهم حزباً او تياراً او اتجاهاً سياسياً
يتناقض مع الآخر، ومن الصعب جمعهم في سفينه واحدة، قبطانها غير قادر علي قيادة
دفتها من جهة، وضبط من فيها من جهة أخري. ولعل الخلل الكبير في حكومة ابراهيم
الحعفري يكمن فيما تسمي بالوزارات السيادية، وهي الداخلية والدفاع والخارجية والنفط
والمالية، فهذه الوزارات هي أشبه بمقاولات رست عطاءاتها علي اربعة أشخاص او اطراف
علي وجه الدقة، فالنفط والمالية ضمن مقاطعة احمد الجلبي، والخارجية استمرت في ظل
مشيخة مسعود بارزاني، والداخلية تحت عباءة عبدالعزيز الحكيم، والدفاع وتتبع قيادة
القوات الامريكية في العراق، وأم المشاكل للجعفري تتمثل في ان هذه الوزارات الخمس
لا تخضع له الا بالاسم والشكل فقط، وكل وزير فيها يعمل ويتصرف وفق توجيهات مرجعيته
الحزبية والسياسية، وغير معني بالحكومة وخططها، هذا اذا كانت لديها خطط أصلاً، ولا
يستبعد ان يأتي يوم قريب جداً وتنفجر الحكومة من داخلها، وهذا ما يتخوف منه الجلبي،
وما يتمناه غريمه القديم الجديد اياد علاوي الذي يراقب الموقف من بعيد ويخفف من
توتر وزرائه السابقين وغضب اصدقائه المحليين بان الجعفري (طاير..طاير) في آب
(أغسطس) المقبل. ومما زاد في متاعب الجعفري ان نوابه الثلاثة، الكردي روش نوري
شاويس والشيعي احمد الجلبي والسني عبد مطلك الجبوري اقوي منه في الشخصية والنفوذ
والمبادرات، وكل واحد منهم يشتغل لحسابه الخاص او لمصلحة حزبه بمعزل عن الحكومة
ورئيسها، واذا كان رئيس الحكومة الانتقالية يستطيع التفاهم مع نائبيه الكردي
والشيعي، لأنه عمل زميلاً للأول في نيابة رئاسة الجمهورية في فترة غازي الياور،
وشريكاً للثاني في الائتلاف الشيعي، فانه يواجه مشاكل مع النائب الثالث اللواء عبد
مطلك الجبوري الذي تم فرضه عنوة عليه، وهو العسكري البعثي الذي تآمر علي صدام حسين
وكاد ان يعدم لولا خشية الرئيس السابق من حلفائه شيوخ قبيلة الجبور التي كان يحتل
شبابها الكثير من المواقع الحساسة في قوات الامن الخاص والحرس الجمهوري
والاستخبارات والمخابرات، وبالتأكيد فأن عبد مطلك يضع هؤلاء رغم ان اغلبهم سرح او
عزل من وظيفته رصيداً له، خصوصاً وان اقوي طرف في حركة المقاومة العراقية ضد
الاحتلال باعتراف الامريكيين يتمثل في ضباط ومراتب الجيش والشرطة والامن الذين
رماهم الحاكم الامريكي السابق السفير بول بريمر في الشارع بلا تدقيق او مراجعة في
ملفاتهم، ودون النظر في عواقب ونتائج طردهم، فاذا كان شاويس يستمد قوته من مسعود
بازراني، والجلبي يعتمد علي علاقته الطيبة بالمرجع السيستاني، فان اللواء الجبوري
يراهن في تثبيت موقعه الجديد علي كونه احد قادة الجيش العراقي ويرتبط بعلاقات وثيقة
وطيبة مع الكثيرين من ضباطه السابقين الذين ما يزالون يحتفظون بمكانة ومنزلة
موقرتين في مناطقهم، كما انه يستند الي قبيلته (الجبور) الواسعة الانتشار في
العراق، وسبق وقلنا في مناسبة سابقة، بان هذه القبيلة المليونية عاقبت الجبوريين
الذين ترشحوا لانتخابات الثلاثين من كانون الثاني(يناير)الماضي، وخصوصاً الدكتور
مالك دوهان الحسن الذي خرج من الانتخابات صفر اليدين، ومشعان الجبوري الذي حصل
بـ(طلعان الروح) علي مقعد واحد، بينما كان بمقدور القبيلة لو شارك ابناؤها في
الانتخابات ان توصل عشرين نائباً الي الجمعية الوطنية علي اقل تقدير، ولكنها التزمت
بقرار مقاطعة الانتخابات انسجاماً مع ارادة الاغلبية الساحقة للسنة العرب.وآخر
المعلومات عن اللواء الجبوري انه وضع الجعفري أمام خيارين لا ثالث لهما، أما قبول
استقالته وهذا الامر يفقد الحكومة الانتقالية توازنها الطائفي الهش أصلا، او اشرافه
علي الشؤون الامنية والعسكرية حسب اختصاصه، ما دام زميلاه الجلبي وشاويس يشرفان علي
الشؤون الاقتصادية بالنسبة للأول، وشؤون الخدمات بالنسبة للثاني. ويجد الجعفري نفسه
في مأزق لا يعرف كيف يخرج منه ازاء مطالبة اللواء الجبوري، فهو اذا لم يسند اليه
مهمات محددة يعطي انطباعا بانه يحجم نائبه السني لاعتبارات طائفية، واذا اعطاه
صلاحيات الاشراف علي الشؤون الامنية والعسكرية وفي هذه الحالة تكون وزارتا الدفاع
والداخلية والامن الوطني تخضع له، فان كارثة ستقع علي رأسي وزيري الداخلية باقر
صولاغ والامن كريم عنزي، العضوين البارزين في الائتلاف الشيعي اللذين وضعا في
منصبيهما الوزاريين بدون مؤهلات أو كفاءات وانما لاسباب طائفية، ويقال ان الجبوري
أمهل الجعفري لغاية نهاية الشهر الحالي، اما قبول استقالته، او الموافقة علي منحه
الصلاحيات والمسؤوليات التي يطالب بها.
وتلقي الجعفري ضربة لم يكن يتوقعها من حلفائه الايرانيين الذين يطالبون بتعويضات
قدرها مئة مليار دولار، فقد كشف النقاب في بغداد ان وزير الخارجية الايراني كمال
خرازي طرح خلال اجتماعاته مع الجعفري ومسؤولين في حكومته ان ايران تري ان الوقت
مناسب الآن لتعويضها عن الاضرار التي لحقت بها خلال سنوات الحرب العراقية
الايرانية، ولانها تعرف ظروف العراق الحالية وعدم توفر عملات صعبة لديه فانها
مستعدة لقبول النفط العراقي لتسديد التعويضات علي ان تكون الكميات المسلمة الي
ايران بحدود 350 الف برميل يومياً، مما اوقع رئيس الحكومة الانتقالية في ورطة، فهو
يعرف ان شركة هاليبرتون الامريكية المسؤولة عن استخراج وتسويق النفط العراقي لن
توافق علي تخصيص مثل هذه الكمية لايران، ويدرك ايضا ان القبول بالمطلب الايراني
الجائر يضعه في موقع صعب امام الشعب العراقي ويظهره في صورة متعاون مع الايرانيين
ضد العراقيين، وهو الذي ما تزال تثار عليه أصوله غير العراقية وغير العربية.
وحسب المعلومات التي يتم تداولها في الاوساط السياسية والحزبية ببغداد، فان روبرت
زوليك نائب وزير الخارجية الامريكي المسؤول حالياً عن الملف العراقي، عنف المسؤولين
العراقيين الذين التقاهم خلال زيارته الخاطفة الاخيرة للعاصمة العراقية بضمنهم
الجعفري بالطبع، لانهم سمحوا للوزير الايراني طرح موضوع التعويضات ولم يردوا عليه
رداً مناسباً، ويعرضوا عليه تعويضات مقابلة للعراق، وواضح ان موقف المسؤول الامريكي
بهذا الصدد لم يكن دفاعا ًعن حقوق العراق والعراقيين، وانما للحفاظ علي المصالح
النفطية الامريكية في العراق ورفض اي مساس بها.
واخطأ الجعفري مرة أخري خلال زيارته لتركيا، عندما اعلن انه بصدد العمل علي تجفيف
منابع الارهاب حسب تعبيره، وأكد بانه سيزور سورية لمناقشة هذه القضية وكأن سورية هي
منبع الارهاب، وكان رد دمشق الذي وصل الي بغداد عبر قنوات خاصة، اهلاً وسهلاً
بالجعفري ولكن عندما يستطيع ان يتحرر من أسر المنطقة الخضراء ويتمكن من السفر الي
مسقط رأسه في كربلاء بالسيارة وليس بطائرات الهليكوبتر الامريكية، وهذا الرد في
المفهوم العراقي يعني (حسجة) ومعناها ان الذي لا يقدر علي تهدئة الاوضاع في بلده
ليس مؤهلاً لرمي عجزه واخفاقاته في ملعب الآخرين. أما المشاكسات والمناكفات بين
الجعفري والرئيس الانتقالي جلال طالباني فهي كثيرة لا يسع المجال لذكرها وايراد
فصولها في هذا المقال، ولكن نشير الي واحدة منها، فعندما عين طالباني اللواء
المتقاعد وفيق السامرائي مستشاراً امنياً له بعد ترفيعه الي رتبة فريق اول بلا
استحقاق قانوني ووظيفي، وهو المتهم بالاشتراك في اضطهاد الشيعة من خلال مواقعه
السابقة في الاستخبارات العسكرية، رد الجعفري عليه بتعيين ليث كبة مستشاراً سياسياً
له وهو المعروف عنه بانه من مناهضي الفيدرالية وبالضد من التمدد الكردي في بغداد
وله مواقف وتصريحات معلنة في هذا الشأن، ورغم ان كبة أكثر كياسة وثقافة من
السامرائي، الا ان اشتغاله كمستشار في مكتب اليزابيث تشيني معاونة مساعد وزير
الخارجية الامريكي، الشائع عنها طبائعها وعلاقاتها الملتبسة، أفقده زخماً سياسياً
في مواجهة مستشار طالباني الأمني، الذي ما يزال يفكر بعقلية مدير استخبــارات
تقليدي!
الجعفري يمر هذه الايام في مرحلة خانقة لا يستطيع الفكاك منها او تفاديها، ولا
ينفعه لواء الذئب او الضبع او الثعلب او الديك التي خلفها له سلفه اياد علاوي ووزير
داخليته فلح النقيب اللذان يمضيان أيامهما في استرخاء في حي (تلاع العلي) بالعاصمة
الاردنية في انتظار سقوط الحكومة الانتقالية عسي ولعل ويعودون من جديد الي دائرة
الاضواء والمناصب، رغم ان امريكا عادة لا تراهن علي جياد مهزومة وأحصنة خاسرة
وتعبانة.