رسالة الى الصديق ... جلال الطالباني المحترم

من أحمد الحبوبي

القاهرة

بعد التحية،،،

يردد الإنسان أحيانًا خاصة عندما يخلو الى نفسه بعض المقولات، أو الموروثات، أو المقطوعات الشعرية، أو الحكم مستشهدًا بها حسب الظرف والمناسبة والحالة التي هو فيها، فرحًا كانت أم حزنًا أو فشلاً أو فوزًا أو إحباطًا، نصرًا أو هزيمة ...... وأحسبك أخي جلال وعند لحظة إعلان فوزك (المتوقع) بمنصب رئيس جمهورية العراق رحت، بعد أن خلوت الى نفسك، وقد امتلأت بالزهو بنشوة النصر.. تتمتم في سرك بشيئ من هذا القبيل، قد يكون شعرًا عربيًا، فأنت ذواقة للشعر العربي وتحفظ الكثير من شعر الجواهري، أو شيئًا من المأثورات الكردية... تضامنًا مع حالتك النفسية المنتشية... وفي ظني أن أصدق ما قيل توصيفًا لحالة من يظفر بالفوز على غير انتظار وتوقع بعد طول يأس ومكابدة قول الشاعر:

 وألقت عصاها واستقر بها النوى          كما قر عينا بالإياب مسافر

ظاناً أنه بهذا الفوز قد وصل الى آخر المطاف وانتهك كل آلامه ومكابداته ومعاناته. وأراح واستراح..

لم أرد-أخي جلال- أن أفسد عليك فرحتك وملء إهابك نشوة النصر، وأنت نفسك لم تكن تحلم بمثل هذا اليوم وما كان يدور بخلدك ذلك كما قلت وأفصحت أخيرً.

فأقول وقد تتفق معي، أن الفوز العظيم والفرحة الكبرى والنصر المؤزر يوم أن يسترد العراق عافيته، ويطمئن على أمنه وأمانه ويملك زمام أموره ويزهو باستقلاله...

فأنت تعلم أن (العصا) لم تلق بعد... والنوى ما زال طاويًا، فمن أين يأتي القرار لعين مسهدة لمسافر غير آيب ... يحتويه القلق ويحاصره من كل جانب في حله وترحاله...

عرفتك مناضلاً في صفوف الحركة الكردية وأنت طالب في كلية الحقوق أوائل خمسينات القرن الماضي، ومن خلال الحزب الديمقراطي الكردستاني.. والتقيت مع الحركة الوطنية العراقية .. بل تطاول تشوفك حتى التقى عند الطروحات العروبية وشعاراتها وآمالها في وحدة عربية ديمقراطية ... فكنت صديقًا لكثير من رموز هذا التيار بآفاق العراق العروبي في جميع المنعطفات منذ كيانه الأول سنة 1921 حتى قيض لهذا الكيان أن ينهار تحت سنابك (خيل) المحتل الأجنبي في 9 نيسان 2003.

مرت سنتان ويزيد على سقوط بغداد والحديث يتواصل عن (ضرورة إعادة بناء عراق جديد على أسس جديدة) ... قاله (برايمر) وردده مجلس الحكم المؤقت... والحكومة المؤقتة الأولى والثانية والمجلس الوطني المؤقت (المنحل) ودخل في طيات قانون الدولة المؤقت... حتى أصبحت مقولة (إعادة البناء) شعار المرحلة.. وهذا شيئ جميل: فأي عراقي لا يتمنى أن يرى عراقه الحبيب (المهيض) يقوم بناؤه على أسس جديدة وقويمة وعصرية وفق منطق ومفهوم ديمقراطي، ومنطق ومفهوم مبدأ المواطنة، ومنطق ومفهوم أن العراقيين أمام القانون سواء في الحقوق والواجبات على اختلاف انتماءاتهم القومية والعرقية والطائفية والمذهبية.

وقد أجد من المناسب بهذا الصدد، تنشيطًا لذاكرة العراقيين أن ألفت النظر ولو سريعًا الى الكيان العراقي الأول الذي شكله الإنجليز بعد اجتياحهم العراق إبان الحرب الكونية الأولى.. لمجرد المقارنة واستخلاص العبر والابتعاد عن الأخطاء وعدم تكرارها إذ أن الإنجليز لم يقيموا هذا الكيان على أسس سليمة انسياقاً وتطبيقًا لمبدأ شرعوه وهو (فرق تسد) فأوجدوا التقسيمات العرقية والطائفية ومحضوا ثقتهم لمن أنسوا فيه الرضا والقبول والانصياع وأبعدوا وهشموا بقية الفئات.

وكلنا يعلم أن الشعب العراقي قاوم الاحتلال الإنجليزي وأوقع بصفوف الإنجليز خسائر كبيرة خاصة في ثورته الكبرى في 30 حزيران سنة 1920 مما اضطر الإنجليز الى المجيئ بفيصل بن الحسين وتنصيبه ملكًا على العراق سنة 1921 تهدئة للخواطر، ومع ذلك ظلت فصائل كثيرة من شعب العراق تعارض الوجود الإنجليزي وتتمرد على الحكومات العراقية وتدعو الشعب الى مقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي الذي من مهمته التصديق على المعاهدة، ولعب رجال الدين دورًا اساسيًا في هذه المقاطعة، فنفي بعضهم الى خارج العراق كما هو معروف.

جاء مع فيصل نخبة من العراقيين أغلبهم من الضباط ممن خدموا في الدولة العثمانية، والتحقوا بفيصل في الحجاز ودخلوا معه الشام بعد تحريرها ثم جاؤوا معه الى العراق. هذه النخبة هي التي اعتمد عليها فيصل الأول وبوأها المراكز الرئيسية في الحكم الجديد (بموافقة الإنجليز ورضاهم) فاستأثر هؤلاء بالسلطة واستخلصوها لهم ولمواليهم وملأوا دوائر الدولة الفتية بالمحاسيب والمناسيب والأصهار والأقرباء، وكان هؤلاء فضلاً عن ذلك منفذين جيدين للسياسية التي وضعتها بريطانيا العظمى للعراق.

وأدرك فيصل خطورة الحال وخطر سياسة رجالاته واراد أن يضع حدًا لهذه السياسة الخرقاء التي ستؤدي حتمًا الى تمزيق وحدة نسيج الشعب العراقي فوجه رسالته المشهورة طالبهم فيها بضرورة إعادة النظر في نهجهم غير السليم... ورسم لهم الطريق القويم الذي يجب أن يسيروا عليه ليتساوى العراقيون (حقيقة لا مجازًا ) بالحقوق والامتيازات كما هم متساوون بالواجبات والالتزامات...

ولم تلق رسالة الملك فيصل أذنًا صاغية وتوفي فيصل بعدها بفترة قصيرة سنة 1933.. واستمر الحال على ما هو عليه بل استشرى أكثر بعد غياب فيصل ... وتنامى رفض الشعب العراقي لهذه السياسة التى تقوم على التمييز والتفريق والإبعاد التي تنفذها الحكومات المتعاقبة استرشاداً بالنهج الذي وضعته الحليفة بريطانيا.. وظل نضال الشعب يتصاعد حسب الفواصل الزمنية واتخذ ابعادًا تتماشى مع كل مرحلة ابتداءً من انقلاب بكر صدقي سنة 1936 الى حركة مايس سنة 1941 الى تشكيل الأحزاب الوطنية سنة 1946 الى الوثبة ضد معاهدة (بورتسموت) سنة 1948 الى انتفاضة تشرين سنة 1952 الى معركة حلف بغداد سنة 1955 الى معركة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 الى تشكيل جبهة الاتحاد الوطني سنة 1957 الى قيام انقلاب 14 تموز سنة 1958...

خاض خلالها الشعب العراقي نضالاً وطنياً وقدم الأضاحي من أجل عراق ديمقراطي حر مستقل.. وما أن تنفس الشعب العراقي الصعداء ابتهاجاً وفرحًا بثورته في (14 تموز سنة 1958) وراح يمني النفس ويتطلع الى العراق الجديد الذي سيقوم على (أسس جديدة) .. حتى سقطت (جبهته الوطنية) في أتون صراع (ايدولوجي) دموي، وتنكر أطرافها للميثاق الذى وقعوا عليه... وراح كل طرف يسعى بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من أجل الإيقاع بالطرف الآخر فيزيحه عن الطريق حتى يتوسد وحده سدة الحكم وسال دم كثير وعاد الجميع بخسران مبين وكان أول الخاسرين هو الشعب العراقي... فالعهد الجمهوري بجمهورياته الخمسة كان ضغثًا على آباله ذاق الشعب العراقي فيه طوال (45 عامًا) الأمرين خاصة في عهد الطاغية صدام حسين..

أسهبت بعض الشيئ في هذا السرد التاريخي ليقيني بضرورة التذكير والتنبيه الى أن الكيان العراقي الأول لم يقم بناؤه على قواعد سليمة... قواعد أساسها العدل والأخوة والمساواة... وأن أى كيان لم يقم على هذه الأسس سينخر قواعده السوس ومآله السقوط.. ولعى (البناء الجديد) لهذا العراق الجديد، وأعني بهم كل أطياف وفصائل الشعب العراقي دون إبعاد أو تهميش أو إلغاء أن يتعاونوا ويتكاتفوا ويتواصوا من أجل إقامة صرح العراق الجديد وفق الأسس السليمة تحاشيًا وتلافيًا لأخطاء وخطايا رافقت قيام الكيان الأول... وأن الدستور المنوي وضعه سيكون المهندس الذي سيرسي هذه القواعد المتينة ... تحت رقابة ورعاية الشعب العراقي.

أخي جلال: يتداول الشارع العراقي مفردات ومصطلحات قد يختلف حيالها البعض ويذهب كل بتفسير مختلف أردت أن أتناولها:

الاحتلال: هناك من يماري ويكابر وينكر وجود الاحتلال.. صحيح أن الأمريكان اجتاحوا العراق تحت شعار (الحرية للعراق) ولكنهم احتلوه وحملوا مجلس الأمن على إصدار قراره المرقم (1483) اقر فيه أن العراق بلد محتل. وكان (برايمر) هو ممثل هذا الاحتلال والحاكم الفعلي للعراق المحتل.. وحتى قرار مجلس الأمن رقم (1546) لم يغير من الأمر شيئًا إذ كل ما فعله أن أسبغ على قوات الاحتلال اسم (القوات المتعددة الجنسيات)، وأنها ستبقى الى نهاية سنة 2005 والى أن يصدر بشأنها قرار جديد بالتشاور مع الحكومة العراقية المرتقبة... وقد لفت نظري أخي جلال ما جاء على لسانك أثناء المؤتمر الصحفي مع (دونالد رامسفيلد) وزير الدفاع الأمريكي الذي زار العراق أخيراً (12/4) قولك أن أمريكا حليفة للعراق، ولا تعتبر دولة محتلة وأن وجود قواتها في العراق يشبه تمامًا وجودها في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وقطر، ولم تذكر قاعدة (جوانتانامو) في كوبا.. ولا أظنه قد فاتك ... وأنت القانوني.. أن وجود القوات الأمريكية في تلك الدول مقنن ومشرع بموجب اتفاقيات ومعاهدات بين دول مستقلة ذات سيادة.. وكنت قبل هذا المؤتمر آخي العزيز قد دعوت الى إجراء حوار مع العناصر الوطنية العراقية التي تقاوم الاحتلال (حتى تتخلص من الاحتلال...).

كل العراقيين يرفضون الاحتلال.. فالاحتلال مهما أخذ من اسم أو مسمى مرفوض ويعمل العراقيون كل حسب طاقته وأسلوبه من أجل الخلاص منه بأسرع ما يمكن...

المقاومة: من الطبيعي أن تكون هناك مقاومة وطنية ضد الاحتلال فهذا أمر مبتوت فيه شرعًا وقانونًا .. وحتى (بوش) نفسه اعترف بشرعية المقاومة، هذا من حيث المبدأ..

وهناك فرق بين مقاومة وطنية مهمتها الأساسية طرد المحتل وينصب عملها ضد قواته المسلحة ... وبين أعمال إرهابية مجرمة تطال المواطنين العراقيين من تقتيل وقطع رؤوس وخطف وترويع وابتزاز وتخريب البنى التحتية من ماء وكهراء وإشاعة الفوضى واضطراب الأمن للوطن والمواطن،أعمال إجرامية لا يقبلها شرع ولا دين تنفيذًا لأهداف مشبوهة لا تمت الى المقاومة الوطنية باية صلة وينفذها مأجورون سواء من الداخل او الخارج مهمتهم تخريب العراق وجعل الفوضى تضرب بأطنابها في ربوع العراق واتخاذه ساحة لتصفية حسابات خاصة لا يجني منها العراق غير الخسران والتخلف.

المطلوب والمرغوب في مثل هذه الظرف الدقيق الذي يمر به العراق أن يكون تناول ومعالجة موضوع المقاومة الوطنية (الشريفة) بمنتهى الشفافية والحكمة والموضوعية وبعد النظر حفاظًا على الوحدة الوطنية المطلوبة بإلحاح.. وألا يكون هناك تهاون أو تقصير حيال القتلة المأجورين والمجرمين والكل مدعو الى ملاحقتهم...

المحاصة، والتقاسم، والتوافقية: لم يعرف العراقيون هذه المصطلحات... فقد دخلت الى (قاموسهم السياسي) بعد سقوط النظام. وإذا كان للنظام السابق حسنة فإنه قد أغناهم وأراح رؤوسهم من همها وهمومها... فكان رأس النظام وعصابته هم (الكل في الكل) (وكفى الله المؤمنين شر القتال...) لم يدر أحد من الذي صك هذا المصطلح واتخذوه هاديًا لكل فعالياتهم التي مارسوها وهم خارج العراق... (من كل حسب طائفته او عرقه أو عنصره...) .... وتم تشكيل (مجلس الحكم المؤقت) تطبيقاً لهذا المبدأ المعتمد وبموجبه توزعت الكراسي... وكذا في تشكيل الحكومتين المؤقتتين الأولى والثانية والمجلس الوطني المؤقت (المنحل) ... وما زال الناس ينتظرون بعد أن مر على انتهاء الانتخابات أكثر من شهرين أن يتمخض عن كل هذه اللقاءات والمداولات والمباحثات والمساومات تشكيل حكومة (توافقية) ترضي جميع الأطراف... بعد أن حسمت مسألة اختيار الرئيس ونائبيه (هيئة الرئاسة) ورئيس الجمعية الوطنية ونائبيه حسب منطق ومفهوم هذا المصطلح ... وأخوف ما نخاف منه أن يستقر هذا المصطلح ويكون أساسًا وقاعدة يعتد بها في قابل الأيام رغم التصريحات التي تصدر عن الأخوة (التوافقيين) أن الأمر مؤقت كما حصل في لبنان إذ بدأ نظام المحاصة الطائفية في سنة 1943 على اعتبار أنه مؤقت ولكن العمل استمر به حتى صار دستورًا غير مكتوب ولم يعد من السهل التخلص منه رغم ماله من تأثير خطير على نسيج المجتمع اللبناني...

وكانت من محصلة تكريس هذا المصطلح أن ضعف مفهوم المواطنة (وهي الأساس) عند العراقيين... وكأن المقصود هو تقوية الجذور العرقية والطائفية والعنصرية والعشائرية والمناطقية على حساب (المواطنة العراقية) والانتماء الى الوطن الذي يجب أن يكون الولاء له أولاً وأخيرًا فالوطن والوطنية والمواطنة هي الجامع الأكبر لكل العراقيين... وأن النظام السابق هو الذي بذر هذه البذرة جراء سياسته التي درج عيها من تميز وإبعاد مما أضعف هذا المفهوم.

المصارحة والمصالحة: وما زال الحديث حول هذا المصطلح يدور ويتكرر ... ونذكر الدور الذي قام به (الأخضر الإبراهيمي) مندوب (كوفي أنان) وقد حاول واجتهد من أجل عقد مؤتمر يضم كل الأطياف العراقية ولم يفلح وكأنما المطلوب إفشال مهمته...

ونذكر أيضًا مؤتمر شرم الشيخ الذي انعقد في مصر قبيل الانتخابات قد أقر في إحدى فقراته ضرورة عقد مؤتمر لكل العراقيين (للمصالحة) ولتصفية الأجواء قبل إجراء هذه الانتخابات، ولم يلتفت الى هذا القرار وأهمل أيضًا.

ويخالطني شعور، وأرجو أن يكون شعوري مخطئاً، أن النية لم تكن صادقة والدعوات غير جادة لعقد مثل هذا المؤتمر الذى ما انفكت العقبات والعراقيل من هنا وهناك توضع من اجل إفشال انعقاده... وكأن لسان الحال يقول (مالنا ولدوخة الراس)...

أعتقد أن الوقت ما زال سانحًا وقد يكون ألزم مما مضى لعقد هذا المؤتمر. ولا أريد أن أسميه مؤتمر مصالحة، فليس بين أطياف الشعب العراقي خصومات وعداوات.. فعقده ضرورة وطنية سابقًا ولاحقًا... ينصرف فيه العراقيون الى تبني ميثاق شرف وطني يلزم الجميع ويكون هاديًا ونبراسأ لحل كل الإشكالات وتخليص العراق من المحن التي تنيخ على صدره... واستشراقًا لعراق جديد يرضى به الجميع.

الفساد الإداري والمالي: في مصر حيث أقيم مثل شعبي مشهور يقول (المال السايب يعلم السرقة) ويبدو أن من سوء حظ العراق أن ابتلي بنظام الطاغية صدام فاستنزف ثرواته وموارده وبددها على حروبه ونزواته هو وطغمته الفاسدة...

وها هو العراق بعد السقود عرضة للسرقة والاستنزاف أيضًا (يهبر منه) كل من هب ودب... فالحديث عن صفقات مشبوهة وعقود مضروبة ورشاوي ومعاملات وعمولات غير مشروعة وتعيينات وتربيطات... تنبعث منها روائح كريهة تزكم الأنوف، وهذا أمر لا يثير العجب أو الاستغراب فقد تسربت الى العراق عناصر ليست فوق مستوى الشبهات يصدق فيها قول الجواهري:

حتى إذا نضج الشواء وقيل حسبك يا لهب    جاءوا ولست بعارف من هم يزكون الطلب

الدستور: ويسمى أبو القوانين: وكل الدساتير العراقية المؤقتة التي وضعت في العهد الجمهوري قد فصلت على مقاس الحاكم المطلق فوضعت بيده كل السلطات، فجار، واستبد (السلطة المطلقة مفسدة مطلقة).. ولم يعرف العراق فصلاً حقيقيًا بين السلطات الثلاث التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، بل تداخلت وساحت على بعضها.

الدستور ليس مجرد مواد صماء وأبواب وفصول جامدة... الدستور العصري هو روح الدولة وصمام أمان المواطن يكفل له حقوقًا وحريات واسعة لا يجوز تضييقها إلا بقانون وللصالح العام وفي اضيق الحدود، وحتى يتسنى للعراق (أخيرًا) دستور عصري (عتيد) ينبغي أن يستعان بلجان فنية (فقهاء في القانون الدستوري) وبخبرات سياسية محنكة ومجربة ومنفتحة.. وتشكل لجان أخرى تمثل أطياف الشعب فالشعب هو صاحب الدستور الذي يحكمه ويحتكم اليه... ولا يترك الأمر للجمعية الوطنية.... تنفرد وحدها بوضع ما تراه مناسبًا وفق رؤيتها ورؤاها وأفكارها... ويدخل العراق في متاهات جديدة.. والكلمة أولاً وأخيراً الى الشعب العراقي الذي سيقول كلمة (الفصل) في بنود هذا الدستور عند الاستفتاء عليه.

الفتنة الطائفية: مايقلقني وأتخوف منه حقيقة تلك المحاولات المحمومة والمسمومة التي راحت تنشط أخيرًا من أجل جر العراقيين وإيقاعهم في أتون حرب طائفية لم يعرفها العراقيون سابقًا ولاحقًا خدمة لأغراض مشبوهة.. والأخبار تتر عن حوادث في "المدائن" و "الصويرة" وغيرها من مدن العراق... وأنا مطمئن أن وعي العراقيين وفهمهم لأبعاد اللعبة الخبيثة الذي فوت سابقًا في حوادث كربلاء والكاظمية والنجف والأعظمية وديالى وتلعفر على المخربين خططهم الجهنمية وأفشلها قادراَ أيضًا وبإصرار وتصميم على أن يرد كيد الكائدين الى نحورهم.

أخي جلال:  كلنا يدرك خطورة المرحلة التي يمر بها العراق، وكلنا صادق في طرحه وسعيه من أجل إقالة العراق من عثرته وتخليص شعبه من المعاناة اليومية المتمثلة في فقدان الأمن وجرائم الإرهابيين وترويع الناس، والخطف ومحاولات جر الشعب إلى فتنة طائفية وقلة المواد والإسراف والتبديد. والبطالة والفساد والإفساد وتردي الخدمات الصحية وغير الصحية والخوف من الحاضر والقلق على المستقبل. ورغم علمنا ان بقاء مجلس الرئاسة والمجلس الوطني والحكومة المنوي تشكيلها لمدة محدودة لا تتجاوز البضعة أشهر وهذا لا يمنعنا من المناشدة بضرورة الانفتاح على الشعب وأطيافه خارج التشكيلات التوافقية... والتخلص من مبدأ الإلغاء، والإبعاد، والتهميش، وعقدة البديل الأوفر حظًا، والأعلى كعبًا، والأصدق عقيدة... لتتضامن النفوس وتصدق النوايا وتتقوى العزائم في سبيل خلق عراق حر ديمقراطي موحد مستقل يكون رديفًا لأمته العربية وعالمه الإسلامي والمجتمع الدولي... وبالمناسبة لقد أعجبتني كلمتك التي ألقيتها بعد أدائك اليمين فقد كانت جيدة ومتوازنة وموضوعية...

أرجو لك التوفيق في حمل أعباء أمانة منصبك وإن كان "مؤقتًا".

ويلح علىّ قبل ختام رسالتي (الأفوه الأودي) أن أستشهد بقوله:

نصحتهم نصحي بمنعرج اللوا         فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

وتقبل احترامي،،،

أخوك

 

أحمد الحبوبي

مواطن عراقي مقيم في القاهرة